< Previous

الإســـلام دين رحمة وحضارة وسلام

Written by: by عبد الصبور مرزوق :: (View All Articles by: عبد الصبور مرزوق)

 

رسائل إلى العقل الغربى

الأمريكى والأوروبى

عــن

الإســـلام

دين رحمة وحضارة وسلام

لا دين إرهاب

(3)

بقلم

أ . د . عبد الصبور مرزوق

الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

القاهرة

عضو المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى

مكة المكرمة

 

 

P

على سبيل التقديم 

 

     أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا .

بتحية الإسلام أحييك :

سلام من الله عليك ورحمة منه وبركات ..

     وأمل بلا حدود فى مستقبل نتعايش فيه جميعًا ترفرف علينا فيه رايات السلام والعدل والمودة فهكذا أمرنا الإسلام ديننا الذى أعلن فيه مبدأ المساواة بين البشر جميعًا فى أصل المنشأ والخلقة لا فرق بين ذكر وأنثى ولا بين أبيض وأسود ولا بين قوى وضعيف ولا بين غنى وفقير حيث قال فى كتاب الرسالة الخاتمة ( القرآن ) :

] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير [ (1) ، ثم قال القرآن فى آية أخرى  : ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء  [ (2) .

* * *

     ونلاحظ أخى فى الإنسانية : أن كتاب الرسالة الإسلامية الخاتمة ( القرآن ) قد قرر كما فى الآية السابقة أن اختلاف الأجناس والقبائل والشعوب ليس لتمييز شعب منها على الآخر ولا قبيلة على أخرى ، وإنما هو للتعارف والتعاون ، وليس للصراع           والحروب .

     ثم حدد فى الآية نفسها أن المقياس الأعدل والأمثل للتفاضل وهو مقياس أخلاقى ودينى رفيع قال عنه القرآن :  ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (3) إن هذه التقوى هى التى يتم التمييز بها عند الله بين إنسان وإنسان . " والتقوى " تعنى الخوف من الله وحده بإطاعته فيما أمر به والانتهاء عما نهى عنه ـ لا الخوف من الإنسان ـ كائنا من كان مبلغه من القوة أو الثروة أو العلم .

* * *  

وهذا الخوف من الله وحده يرتقى بإنسانية الإنسان مرتبه عالية تتم فيها المساواة بين الناس ـ كل الناس ـ فى كل الحقوق وكل الواجبات .

     وتحقيق هذه المساواة فى الحقوق والواجبات يكوّن إنسانًا قويًا يحترم إنسانيته ويصون كرامته ويكون أهلاً للتمكين فى الأرض لمعانى الحق والعدل والجمال والخير فيقدم روحه فداء لحقوق الآخرين من المستضعفين فى الأرض الذين يعتدى عليهم الفراعنة                ( المستبدون ) فيصادرون حقهم فى الحرية ، ويعتدى عليهم القارونيون (4) ( مغتصبو ثروات الشعوب من القوارين نسبة إلى قارون من قوم موسى ) .

* * *

     وهنا يكون توفير الحرية والمساواة والقوة والثروة والعلم وغيرها ضرورة وشرطًا لتحقيق المجتمع الإنسانى الذى لا تستبد فيه حكومة بمصير العالم كله ـ كما تحاول الولايات المتحدة أن تفرض هيمنتها على العالم اليوم .

* * *

     وهنا : أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوربا لنا معكم وقفة نتحاور فيها حول بعض المسائل التى سأطرحها عليك والتى تهمنى وتهمك وتهم العالم كله .

     وأنا أتحدث إليك بقلب مفتوح وعقل مهيئ تمامًا للإصغاء والقبول بكل رأى تعرضه مهما يكن مخالفًا لما أراه .

أولاً : هل من مصلحة العالم أن تنفرد بالسيطرة عليه قوة واحدة تتحكم فيه حتى ولو كانت هى الولايات المتحدة بوصفها القوة الوحيدة والعظمى فى العالم اليوم ؟

     دعنى أتحدث إليك بكل الصدق والمصارحة :

     لقد كانت صورة أمريكا : المواطن والشعب والنظام محاطة بالإكبار والإعجاب إلى حدّ الانبهار بشعب يدافع عن الحق وعن الحرية ويرفع شعار الديموقراطية ويدافع عنها ،   كما يحترم رسالات السماء وعقائد الشعوب ، وهو فوق هذا يمد يد التعاون إلى دول العالم الثالث والدول الفقيرة بوصف خاص .

وفى ضوء هذا  كان رفض شعوبنا لفلسفة وسياسة ونظام الاتحاد السوفيتى وتعاونت شعوبنا وأبناؤنا وأنظمتنا مع الولايات المتحدة حتى أسقطت هذا النظام وخلصت العالم    منه .

* * *

     لكن المفاجأة الكبرى لأفراد وأنظمة وشعوب العالم الثالث أن أمريكا بعد أن انفردت وحدها بالمكانة العظمى فى العالم نسيت شعاراتها عن الحرية وحق تقرير المصير  وحقوق الإنسان ، واحترام الخصوصية الطبيعية لكل الشعوب فى اختيار معتقداتها وثقافاتها وأنماط حضارتها .

     تنكرت الإدارة الأمريكية لكل هذه الخصوصيات وحاولت فرض سيطرتها وهيمنتها وأنماط ثقافتها على العالم كله من خلال فلسفة الصراع وضرورة سيادة الأقوى ،  وخاصة مع شعوب وأنظمة العالم الإسلامى .

     تنكرت الإدارة الأمريكية كما سبقت الإشارة لمبادئ الحرية وسيادة القانون وحقوق الشعوب فى تقرير مصائرها وظهر هذا واضحًا ـ وعلى أرض الواقع ـ فى الانحياز الأمريكى السافر للعدوان الإسرائيلى على الشعب وعلى الأرض والحقوق الفلسطينية وفوجئنا وفوجئ العالم كله بأمريكا تعلن من خلال حق الفيتو اعتراضها على كل قرار يدين العدوان الإسرائيلى ويؤكد حق الفلسطينيين المشروع فى مقاومة المحتل دفاعًا عن أرضهم .

      أكثر من هذا تبنت الإدارة الأمريكية وجهة النظر الإسرائيلية بكل تفاصيلها .  وتحدث الرئيس الأمريكى وكل ممثلى الإدارة الأمريكية الحالية بلغة " شارون " فى ضرورة طرد الرئيس الفلسطينى " عرفات " وتعيين رئيس آخر مع التجاهل الكامل والغريب لحق الشعوب فى اختيار رؤسائها .

     ومثل هذه التصرفات التى تقوم بها الإدارة الأمريكية الحالية ـ إدارة                الرئيس بوش ـ أشعرت العالم الثالث بالخوف من سياسة أمريكا وعدم الاطمئنان إلى عدالتها إذ أصبحت هى وحدها المسيطرة على مصير العالم .

* * *

    

ثم كانت أحداث سبتمبر :

     أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوربا .

     يقينًا أنت تذكر ـ كما يذكر العالم كله ـ والمسلمون منه بوصف خاص أنه حين وقع ما وقع فى 11 سبتمبر أسرعت الإدارة الأمريكية ـ إدارة الرئيس بوش ـ إلى الإعلان وتوجيه الاتهام إلى الإسلام فى شخص ـ أسامة بن لادن ـ وصدر هذا الإعلان قبل البدء فى أى تحقيق وقبل أن تعلن نتيجة التحقيق التى لا تزال سرًا إلى اليوم .

     فهل هذا هو العدل الذى تتحدث عنه الإدارة الأمريكية ؟ وهل من الإنصاف أن يوجه الاتهام إلى المسلمين ـ كل المسلمين ـ وإلى العرب كل العرب أنظمة وشعوبًا باعتبارهم محاور الشر ورموز الإرهاب الذى يجب أن تحاربه أمريكا ؟ كل ذلك دون أدنى دليل على صحة الاتهام ؟‍‍!

أهذا من العدل ؟

وما هو شعور المواطن العربى والمسلم الذى تعرض للإهانات والتصرفات غير المنصفة عندكم حتى من بعض أفراد الشعب الأمريكى الطيب . 

* * *

     حدث هذا فى الوقت الذى أشارت أصابع الاتهام إلى المخابرات الإسرائيلية ـ كما نشرت بعض الصحف الأمريكية فى حينه ـ من أنه كان يوجد فى " برج التجارة " الذى تعرض للهجوم حوالى 400 أربعمائة موظف يحملون الجنسية الإسرائيلية .

     هؤلاء الإسرائيليون ـ كما نشر الإعلام الأمريكى ـ صدرت إليهم تعليمات بعدم الذهاب إلى العمل فى يوم 11 سبتمبر لأن هناك شيئًا خطيرًا سيحدث . ومعنى هذا أن المخابرات الإسرائيلية إن لم تكن هى المدبرة لهذا الحادث البشع ، فهى على الأقل كانت على علم بالجريمة ولم تخبر بها الإدارة الأمريكية ..

* * *

     لكنه ـ أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوربا ـ كان الغريب فى الأمر أن أمريكا لم تشر بأى اتهام إلى إسرائيل ولو حتى بنوع من اللوم أو العتاب ، وإنما بقيت الإدارة الأمريكية تضرب شعب أفغانستان وتعلن كل يوم عما أسمته دول ومحاور الشر التى يجب ضربها بحجة إيوائها للإرهاب .

فهل هذا عدل ؟!‍‍

     ثم أو ليس من حق الشعوب التى توجه إليها الاتهامات وتعلن أمريكا فى إدارة الرئيس بوش ـ أنها ستضربها .. أو ليس من حق هذه الشعوب أن تغضب من السياسة الأمريكية وأن تشعر بخيبة الأمل فى أمريكا الجديدة .. أمريكا ـ عهد الرئيس بوش ـ المنحازة دائمًا وعلنًا لإسرائيل والمستعدة دائمًا لتوجيه الاتهام إلى شعوب العالم الثالث وخاصة شعوب وأنظمة العالم الإسلامى منه ؟؟!

     مرة أخرى وليست أخيرة : فهل هذا عدل ؟! وهل هذا مما يليق بدولة عظمى فى حجم الولايات المتحدة يتوقع المستضعفون فى الأرض أن تكون نصيرًا لهم وحارسة لمصالحهم فى مواجهة ما سيتعرضون له من الاستبداد والظلم ؟!

* * *

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوربا ..

إن ما يثير الدهشة والعجب معًا أن بعض المسئولين فى الإدارة الأمريكية يتساءلون :

لماذا بدأ العالم يكره أمريكا ؟

     ولماذا بدأ العالم يفقد الثقة فى صلاحية أمريكا ـ النظام والإدارة ـ لأن تتولى وحدها إدارة شئون العالم ؟!

     إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات هى مسئولية الإدارة الأمريكية الحالية ـ إدارة الرئيس بوش ـ وليست مسئولية الشعب الأمريكى الطيب الذى يحبه العالم ويعجب به إلى حدّ الانبهار .

* * *

     أما عن الإسلام :

     فقد كان من الظلم ومن غير المعقول والمقبول أن يوجه الاتهام إليه بأنه دين الإرهاب ودين العنف والدين الذى يتمثل فيه فكر الشر الذى تجب ملاحقته والقضاء عليه وإبادة أتباعه ..

     هذا الدين ـ الذى يدين به خمس سكان العالم ألحق الإعلام الغربى عامة والأمريكى الخاضع للسيطرة وللتوجيه الصهيونى خاصة ، ألحق به من الاتهامات ما هو برىء منه وما سنحاول فى هذه الرسائل إلى العقل الغربى ـ الأمريكى والأوروبى أن نصحح صورته حتى يعرف الغربيون خاصة والعالم كله بصفة عامة حقيقة هذا الدين العظيم الذى لن تجد البشرية خلاصها ولا طمأنينتها إلا إذا أدركت ما فيه من انحياز كامل لكل ما هو حق وكل ما هو عدل وكل ما يحققه للإنسانية من خير وسعادة فى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والحرب والسلام وغيرها .

* * *

     فمن أجل مستقبل أفضل لنا وللإنسانية كلها ومن أجل غد تشرق شمسه على الجميع بالمحبة ، ومن أجل أطفال سعداء لا يعرفون الظلم ولا يتعلمون الكراهية ، ومن أجل الاستمتاع بما سخره الله للإنسان فى الأرض من الثروات ..

      من أجل هذا كله تعالوا إخوتى فى الإنسانية كى نلتقى على كلمة سواء :]  ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله [ (5) .

* * *

                                                                            أ . د / عبد الصبور مرزوق  

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا

     لكى تعرف وتقتنع بأن الإسلام حقًا هو دين رحمة وسلام وليس دين إرهاب  .

     لكى تعرف وتقتنع يجب أن تبحث فى فلسفة استخدام القوة فى الإسلام وفى غيره من خلال التساؤل :

أ  ـ عن ماهية وطبيعة وأهداف استخدام هذه القوة ؟

ب ـ ما هى الضوابط التى تطبق عند استخدام هذه القوة ؟

      بداية أقول :

     فلسفة ونظرية قهر الآخر وهزيمته واستعماره واستغلاله هى نظرية الصراع (التعبير الجديد عن الاستعمار) التى دان بها وطبقها على أرض الواقع عالمكم الغربى فى الماضى وفى الحاضر .

* * *

    

     ففى الماضى ( الذى بدأته أوروبا ) كانت فلسفة وسياسة .. استخدام القوة بقصد              " الاستعمار " .

     وقد شاركت أوروبا جميعها فى تطبيق هذه الفلسفة على عالمنا الثالث فى أفريقيا وآسيا وعقدت الاتفاقات بين دول أوروبا لتقسيم دول هاتين القارتين فيما بينهما (6) لتقاسم الغنائم .

     وجاء زمن كانت فيه أرض أفريقيا مقسمة بين المستعمرين الإنجليز والفرنسيين والطليان والبلجيك .

     كما كانت جزر الهند الشرقية وغيرها من جسم شبه القارة الهندية هى درة التاج البريطانى فى المستعمرات البريطانية ، والتى بسبب تأمين الوصول إليها تم حفر قناة السويس ، ثم تم العدوان الثلاثى على مصر من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل عندما أغلقتها مصر سنة 1956م .

* * *

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد أن تم ـ تقريبًا ـ استعمار أفريقيا على أيدى الأوروبيين كان ثمة تحرك استعمارى آخر لاقتسام تركة " الرجل المريض " دولة الخلافة العثمانية فى آخر أيامها قبل أن يلغيها " كمال أتاتورك " . ونشطت إنجلترا فورثت تركتها فى دول الخليج العربى والتى كانت تعرف باسم " المحميات " البريطانية .   

      بينما جرى وضع العراق وبلاد الشام جميعها تحت أيدى المحتلين أنفسهم .

* * *

     وهنا تكون الوقفة الموضوعية لتسجيل تاريخ الإرهاب الذى بدأ أوربيًا من الغرب مصاحبًا وحاميًا لفلسفة وسياسة " الاستعمار " ، والذى كان ضحاياه من أهل البلاد يعدون بالملايين .

     إضافة إلى هذا بسط المحتل الأوروبى يده على خيرات الأرض وثرواتها الطبيعية التى كان يحصل المستعمر وحده على عائدها .

     ليس هذا فحسب بل كان الإنسان الإفريقى نفسه يؤخذ إلى بلاد المحتلين ليكون عندهم رقيقًا ( عبدًا ) يعمل فى مزارعهم دون أدنى مقابل إلا شيئًا من الطعام ليضمن استمراره حيًا ليستمر فى خدمة السادة الغربيين ، وإن حاول الهرب تكون الفأس جاهزة لقطع قدمه دون رحمة .

     فهل هذه حضارة ؟!

     ومن يكون الإرهابى إذا لم يكن هؤلاء الذين استخدموا أعنف وسائل الإبادة من          أجل أطماعهم غير المشروعة ؟!!

* * *

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     أدعوك إلى قليل من الإنصاف وإلى نظرة موضوعية محايدة وأنا راض بما ينتهى إليه حكمك لأنى على يقين بأنك ستعلن بصراحة من هو الإرهابى ؟!

     أهو الجانى أم هو المجنى عليه ؟

     وأنا راض بحكمك .

* * *

---------------

(1) الحجرات : 13 .

(2) النساء : 1 .

(3) الحجرات : 13 .

(4) نسبة إلى واحد من قوم موسى منحه الله أموالاً عظيمة فأكل حقوق الفقراء فيها فخسف الله به وبداره            الأرض . ( انظر قصته فى تفسير سورة القصص السورة /28 فى القرآن ) .

    

(5) آل عمران : 64 . 

(6)انظر الاتفاق الودى واتفاق سايكس بيكو بين فرنسا وإنجلترا .

الإرهاب المعاصر

______

     وقبل أن أعرض للرؤية الإسلامية فى مسألة استخدام القوة أقول لكم إخوتى فى الإنسانية :

     إن الإرهاب العالمى المعاصر صناعة أمريكية صنعتها وطبقتها فلسفة ونظرية "الصراع" التى أصّلها ونادى بها " صموئيل هانتنجتون " فى كتابه : [ الإسلام والغرب      ( آفاق الصدام ) ] .

     وملخص هذه الفلسفة وفق الرؤية الأمريكية أنه لكى يكون الأمريكيون وحدهم سادة العالم فلابد من أن يكون لهم عدو يصارعونه ويقاتلونه حتى يقضوا عليه .

     وعلى أرض الواقع كان الاتحاد السوفييتى قبل انهياره هو هذا العدو الذى حاربوه    ( الحرب الباردة ) حتى تفكك وانهزم .

* * *

     واستمرارًا وتطبيقًا للعمل بنظرية " الصراع " بعد انهيار الاتحاد السوفييتى كان العدو المتوهم هو " الإسلام " .    

     ولم يكن " هانتنجتون " وحده هو القائل بذلك بل شاركه فى ذلك الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون فى كتابه : " الفرصة السانحة " (1) والذى وصف فيه الإسلام بأنه " العدو الأخضر " .

* * *

     معنى هذا أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا . أن الإسلام لا ذنب له فى هذا الموقف الذى وضعته الاستراتيجية الأمريكية . بل هم الذين وضعوه فيه ( توهموه عدوًا ثم صدقوا وهمهم ثم أخذوا يحاربونه على أساس هذا الوهم ) .

     فمن المعتدى ومن المعتدى عليه ؟! ومن الجانى ومن المجنى عليه ؟!

      ألا ترون أنهم يظلمون الإسلام حين يتهمونه بأنه دين الإرهاب ؟‍!

* * *

_________

(1) نقله إلى العربية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة .

التدافع لا الصراع

هو فلسفة الإسلام

     وإذا كان الغربيون ـ وأمريكا خاصة ـ يتهمون الإسلام بأنه دين إرهاب وأن شريعته قامت على الجهاد والسيف . فدعنى أخى فى الإنسانية أوضح لك جوهر وحقيقة فلسفة الإسلام فى استخدام القوة .

     بداية : استخدام القوة ( القتال ) مرفوض إلا عند الضرورة القصوى للدفاع عن الحياة أو عن الحق والعقيدة .

* * *

     وتاريخ الإسلام فى هذا معروف . فإنه لم يؤذن للمسلمين بمقاتلة الكفار على الرغم مما ألحقوه بهم من الإيذاء والعنف الذى كان يصل إلى حدّ أن يُطرح الرجل على ظهره فى الصحراء وفى الحر الشديد ثم توضع على صدره وبطنه صخرة كبيرة تكاد عيناه تخرجان من ثقلها ..

     ويقال له فى هذا العناء الذى هو فيه : إما أن تكفر بمحمد وإما أن نقتلك .

     وكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويقول لهم : " صبرًا آل ياسر  موعدكم الجنة " .

     وبقى هذا الحال طوال العهد المكى ( ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة ) .

     فلما حدثت الهجرة إلى المدينة أُذن لهم بالقتال وذلك فى قوله تعالى :

     ) أُذِنَ للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( (1) .

* * *

والتدافع المشار إليه حددته الآيات القرآنية فى قوله تعالى :

     ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ( (2) .

     وقوله تعالى : ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ( (3) .

     ومفهوم الدّفع كما تتحدث عنه الآيات هو أن يقوم الصالحون بدفع الفاسدين من استمرار فسادهم ومنع الظالمين كذلك من استمرار ظلمهم للمستضعفين .

     ومنع الظالمين والمفسدين هدف أخلاقى وحضارى يجعل استخدام القوة فيه            ضرورة أخلاقية يكون القيام بها عملاً مجيدًا للإسلام لا عليه .

    أكثر من هذا فى حساب الارتقاء الحضارى للإسلام أنه فى قوله تعالى :

     ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا .. ( .

     فى هذه الآية يقر الإسلام أن استخدام القوة هنا إنما هو لحماية جميع بيوت العبادة لكل أديان السماء اليهودية والمسيحية والإسلام .

     معنى هذا أن استخدام القوة فى منظور الإسلام ليس للعدوان ولا لإرهاب الآخرين من أتباع الديانات الأخرى .

     بل على النقيض من ذلك هو للدفاع عنهم وعن مقدساتهم وعن عقائدهم وهو ما     لا يفعله الآخرون من اليهود والنصارى الذين يظلمون الإسلام بل لا يعترفون به .

    الإسلام يعترف ويحترم أنبياء وأتباع الديانات السماوية ويعتبر اعتراف المسلم ببقية رسل الله شرطًا أساسيًا لصحة إسلام المسلم وذلك ما يقرره قوله تعالى :

 ) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته                   وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( (4) .

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     تحضّر الإسلام وارتقاؤه فوق الموقف الغربى من استخدام القوة أنه لا يستخدمها  للاستعمار ولا لاغتصاب خيرات الآخر . وإنما يرتقى موقف الإسلام عند استخدام القوة لأنه يحكمها بضوابط أخلاقية تمنع قتل النساء والأطفال والشيوخ المتقدمين فى السن ، وكذلك الشباب ماداموا لا يحملون السلاح ، وكذلك الأعمى والمقعد . فكل هؤلاء مع كفرهم لا يحل قتالهم .

     كذلك يضبط الإسلام استخدام القوة بحيث لا تُستخدم لترويع عابد فى محرابه ولا راهب فى صومعته .

* * *

     أكثر من هذا ـ حسب توجيه الإسلام ـ أنه يمنع الإجهاز على الجريح بل يأمر بتركه حيًا لكى يعالج ، وكما يمنع التمثيل بجثة القتيل . وهكذا فى رقىّ حضارى يحسب للإسلام ونفتقده فى ممارسات أنباء الحضارة الغربية .

* * *

     ويحسب للإسلام كذلك ـ فى مجال الحفاظ على البيئة أنه يأمر ـ فى ميادين القتال بعدم قطع الأشجار المظلة لكى يستظل بها المسلمون وغير المسلمين ، ويمنع كذلك ردم الآبار المملوءة بالماء ليشرب منها الجميع .

* * *

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     أرأيت كيف  كان الإسلام متحضرًا وبعيدًا عن العنف حتى فى ميادين القتال ‍‍.

     فإذا جاء من يتهم الإسلام بالإرهاب فإنه يظلم نفسه لأنه لا يقول الحقيقة ويظلم الإسلام لأنه يتهمه بما ليس فيه ، وهذا ما لا يقبله العقلاء ولا المنصفون .

* * *

* * *

__________

(1) الحج : 39 .

(2) البقرة : 251 .

(3) الحج : 40 .

(4) البقرة : 285 .

* الفتوحات الإسلامية :

     بعض الحاقدين على الإسلام والظالمين له لهم مقولة ظالمة هى أن الإسلام انتشر بالسيف ، وأن فتوحاته الإسلامية جميعًا تؤكد ذلك ، وأقول لهؤلاء :

     أولاً ـ بالنسبة للمقولة الأولى : إنه انتشر بالسيف فهى أكذوبة ظالمة وأمامنا على أرض الواقع البلاد الإسلامية فى شرق آسيا ( إندونيسيا وما حولها من الدول التى       لم يدخلها مقاتل واحد من المسلمين ولم تقم فيها أى حرب ولا معارك ولا قتلى                ولا شهداء ) .

     هذه البلاد فى شرق آسيا نموذج لانتشار الإسلام بذاتيته وببساطة عقيدته وتعبيرها الصادق عن الفطرة البشرية المطبوعة على البساطة واليسر وحب الخير والفضائل . والتى تتجلى فيها المساواة العظمى بين الناس ـ كل الناس ـ لا فرق بين عربى وعجمى ولا بين أبيض وأسود ولا بين قوى وضعيف ولا بين غنى وفقير .. ببساطة هذه العقيدة التى ليس فيها تعقيدات ولا طقوس جعلت أهل هذه البلاد يدخلون فى الإسلام كمجرد أنهم رأوا بعض أتباعه ذوى خلق قويم فى الصدق والأمانة والعفة والمسالمة فدخلوا فى الإسلام دون أن يقاتلهم المسلمون .

* * *

     وللأستاذ الدكتور حسين مؤنس رحمه الله كتاب نشرته الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة فى السبعينيات عنوانه : ( الإسلام الفاتح ) يقصد أنه الفاتح            بذاته وببساطة مبادئه ويسر عقيدته وشريعته .

     فى هذا الكتاب عرض مؤلفه لجميع الدول التى أسلم أهلها من غير أن يدفعهم إلى الإسلام فرد ولا دولة بقوة السلاح .

* * *

* نموذج مصر بعد دخولها الإسلام :

     على أن الفتوحات الإسلامية والتى تمت فى أزمنة قياسية لا تكاد تذكر ، وتأسست دولته الكبرى فى سنوات قليلة . هذه الفتوحات كانت خيرًا على أهلها وحققت لهم نقلات نوعية كبيرة فى مجالات الحرية والشورى والعدل الاجتماعى ما لم يكونوا يعيشونه فى ظل حكامهم الذين كانوا يشتركون معهم فى عقيدة واحدة .

* * *

     وأمامنا نموذج مصر :

     فمصر قبل الفتح الإسلامى كانت تحت حكم الرومان ومصر والرومان ينتميان إلى المسيحية لكن ثمة خلافًا بينهما فى المذهب . الرومان ( الحكام ) على المذهب الملكانى . والقبط ( المصريون ) على المذهب اليعقوبى . ( مجرد خلاف بين مذهبين فى ديانة  واحدة ) .

* * *

     ومع هذا كان الرومان ( الحكام ) يعاملون شعب مصر الذى يدين بمذهب غير مذهبه (الحكومة ) .. يعاملونهم بقسوة واضطهاد لا نظير لهما فى التاريخ ، وهو الواقع الذى خرج فيه الأنبا بنيامين رئيس القبط هاربًا إلى الصحراء غرب مصر فرارًا بدينه وعقيدته من الاضطهاد الرومانى .

     فلما فُتحت مصر بقيادة " عمرو بن العاص "  أعطى الأمان للأنبا الهارب وطلب إليه العودة إلى كرسى البابوية . ليس هذا فحسب . بل لقد سافر عمرو بن العاص إلى الإسكندرية لاستقبال الأنبا بنيامين عند عودته .

     وكان لهذا الموقف أثره الكبير على شعب مصر ( القبطى ) فرحبوا بالإسلام ورجاله لما وجدوه منهم من العدل والرفق وحسن المعاملة . بينما كان الروم ( الذين يجتمعون معهم فى العقيدة وإن اختلفوا فى المذهب ) يعاملونهم أسوأ معاملة ويفرقون بينهم وبين أتباع المذهب الآخر ( الملكانى ) فى الضرائب وغيرها تفرقة ظالمة .

* * *    

وأسجل هنا للجيش العربى الذى فتح مصر أنه لم يحدث أى اشتباك بينه وبين الشعب المصرى ، وإنما كان الاشتباك بين الجيش العربى المسلم وبين الحامية الرومانية .

     وهو أمر جدير بالملاحظة لما وجده المصريون فى ظل الفتح الإسلامى من العدل والإنصاف ما لم يجدوه تحت حكم الرومان .

* * *

* اضرب بن الأكرمين :

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     وثمة قصة شهيرة حفظها تاريخ الفتح الإسلامى لمصر ، كما حفظها وجدان شعب مصر الذى ملأت هذه القصة قلبه بالطمأنينة والارتياح فلم يقوموا ضد الفاتحين بأى تمرد أو ثورة .

* * *

     تحكى القصة أن ابن أحد المصريين ( القبط ) كان يلعب مع ابن عمرو بن العاص فاتح مصر فغلبه ابن المصرى فتشابكا فضرب المصرى ابن عمرو .

     تقول الرواية : إن عمرو استدعى الولد المصرى ، وفى رواية أنه استدعى أباه فضربه وآذاه . وقال له غاضبًا ومفتخرًا بنسبه العربى : أتضرب ابن الأكرمين ؟

     فما كان من هذا المصرى ( القبطى ) إلا أن سافر إلى " المدينة " يشكو حاكم مصر ( عمرو بن العاص ) إلى رأس الدولة المسلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .

     واستقبل عمر الشاكى المصرى واستمع إلى شكواه . وأمر على الفور باستدعاء عمرو بن العاص ـ حاكم مصر ـ وابنه للمثول بين يديه .

    

وتقول القصة :

     إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ناقش عمروا وابنه فأقرا بصحة الواقعة .

     فأمر عمر بن الخطاب بإحضار سوط ( كرباج أو ما يماثله ) ووضعه بيد الولد المضروب وقال له : اضرب ابن الأكرمين .

     وذاع أمر هذه الحكاية وامتلأ بها وجدان شعب مصر الذى كان يعانى من حكامه الرومان ـ زملائه فى العقيدة ـ صنوف المظالم ..

    

     امتلأ وجدان شعب مصر بالطمأنينة إلى عدل الإسلام .. وكان لذلك أثره فى استقرار الحكم العربى المسلم وازدهار أحوال الدولة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها . بل ودخل كثيرون منهم فى الإسلام . وأخذت اللغة العربية حظها من الانتشار على ألسنة الشعب الذى يعتبر من أبرز الشعوب التى غيرت لغتها واعتنقت لغة " الفاتح " تقديرًا له وثقة به وبكل ما يمثله .

* * *

وخلاصة ذلك أنه لو كانت الفتوحات الإسلامية اعتمدت على السيف والقوة والقهر فى فرض عقيدتها لكان للأحوال شأن آخر ، ولتكونت قوى المقاومة وردود الأفعال المعاكسة والمناهضة .

     لكن ذاتية الإسلام القائمة على التعبير عن صحيح الفطرة الإنسانية وبساطة    شريعته . ثم التزام من يمثلونه من الحكام فى البلاد المفتوحة بآدابه وتعاليمه وأخلاقياته  فى العدل والمساواة والتزام السلوك الإسلامى المنضبط على الآداب والفضائل .

     كل هذا كان له أثره الكبير فى ارتياح أهل البلاد المفتوحة إليه ودخول كثير من أهلها فيه .

* * *

     وفى ختام هذه الفقرة نقرر ـ وباطمئنان علمى كامل يؤكده ما سبق ذكره ـ أن استخدام القوة ( الجهاد ) فى الإسلام لا يكون أبدًا لغاية دنيوية كالاستعمار واحتلال أرض الغير قصد استغلال ثرواتها أو العدوان على الأعراض والأنفس .

     وحسبنا فى بيان هذه الحقيقة قول الحق تبارك وتعالى :

     ) أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ( (1) .

(1)   .

    فالإذن بالقتال هنا مسبب بأنه لدفع ما يقع على المسلمين من ظلم كأن يطردوا من ديارهم وتسلب أموالهم أو أن يحال بينهم وبين ممارسة شعائر دينهم .

     فهنا يكون استخدام القوة ( الجهاد ) مشروعًا ومأذونًا به وفق الضوابط الأخلاقية والحضارية التى سبق ذكرها والتى تضع القتال فى تحقيق الغاية منه ولا يتحول المقاتلون إلى ما يشبه وحوش الغابة فى والتجرد من الإنسانية .

* * *

     وبالمقارنة بين منهج الإسلام فى ذلك وبين الممارسات التى شهدها تاريخ العالم فى القرن العشرين باستخدام السلاح النووى الرهيب فى إحراز النصر كما فعلت أمريكا مع اليابان فى ختام الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945م) ..

     بالمقارنة بين هذا الدمار الرهيب للأرض وللإنسان والطبيعة وبين السلوك الحضارى للإسلام نرى مكانة الإسلام تعلو ، وترفعه المقارنة إلى أسمى درجات التحضر   والإنسانية .

     وهذا يكفينا نحن المسلمين فخرًا واعتزازًا بهذا الدين الإنسانى النبيل ، الذى أساس حركته هو السلام .

     أما الجهاد فهو الاستثناء الذى لا يستخدم إلا دفاعًا وعند الضرورة القصوى .

* * * 

_________

(1) الحج : 39ـ40

* شبهات حول تفسير بعض الآيات :

     ومبعث هذه الشبهات حديث نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول روايته :

     [ بعثت بين يدى الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجُعل رزقى تحت ظل رمحى وجُعل الذل والدمار على من خالف أمرى ] (1) .

     وعلى هذا الحديث اعتمد بعض الفقهاء على جواز قتال الكفار حتى وإن لم يعتدوا على المسلمين ، لأن الكفر فى ذاته علة تبيح القتال عندهم .

كما استندوا إلى قوله تعالى :

     ) .. وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ( (2) .

* * *

وقد رفض جمهور فقهاء المسلمين رأى هؤلاء القائلين بأن الكفر فى ذاته علة تبيح قتال الكفار حتى وإن لم يقاتلوا المسلمين .

واستدلوا بقوله تعالى :

) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله        ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم       صاغرون( (3) .

     ووجه الاستدلال بهذه الآية أنها جعلت إعطاء الجزية غاية يتوقف عندها القتال مما يدل على أن وصف الكفر غير معتبر لا بداية ولا انتهاء لإباحة أو وقف القتال .

* * *

     أما عن الحديث المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عنى علماء الجرح والتعديل بدراسته سندًا ومتنًا .

     وظهر أن فى السند رجل يسمى عبد الرحمن بن ثوبان ، وأنه رجل غير موثوق ، فإنه كان صاحب آراء شاذة تتسم بالغلو بل كان يبيح عدم ضرورة صلاة الجمعة والجماعة ومن ثم لا تُعتمد روايته .

* * *

     أما عن متن الحديث فهو يناقض ما وُصف به الرسول فى القرآن بأنه رسول الرحمة فى قوله تعالى : ) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( (4) .

     كما رأينا فعن قوله صلى الله عليه وسلم : [ إنما أنا رحمة مهداة ] .

     كما أن حديث السيف هذا يتعارض مع دعوة القرآن الصريحة للمؤمنين أن تكون دعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأن تكون المجادلة مع أهل الكتاب لا بالسيف ولكن بالتى هى أحسن .

     ويتعارض الحديث كذلك مع دعوة القرآن للمؤمنين أن يكونوا أهل سلام فى قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ( (5) .

* * *

     كما يتعارض الحديث صراحة مع أمر القرآن للمسلمين بأنه إذا سالم الكفار والمشركون المسلمين ولم يحاربوهم فإنه لا يجوز قتالهم وذلك فى قوله                         تعالى :

    ) فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم               سبيلا ( (6) .

* * *

     وبهذا يتضح حرص الإسلام على السلام وأخذ السبل إليه ودعوته المسلمين إلى الالتزام به طالما لم يعتد الآخرون عليهم .

     وهذا يعنى أن الكفر فى ذاته ليس سببًا ـ فى الإسلام ـ يبيح قتال الكفار .

     وإنما السبب الذى يبيح القتال هو أن يعتدى الآخرون على المسلمين وليس مجرد كونهم كفارًا .

     وثمة آيتان بالغتى الدلالة فى ضبط هذا الأمر تحددان بوضوح من لا يجوز قتالهم ويجب البر بهم ومن يجوز قتالهم ، فتقول الآيتان :

     ) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ( (7) .

* * *

     فالآيتان تحددان العداء والولاء وتربطهما بموقف الآخرين من المسلمين ، فإن كان الآخرون لا يعتدون على المسلمين ولا يساعدون عدوهم عليهم يكون موقف            المسلمين منهم ـ بصريح التوجيه القرآنى ـ هو البرّ والمودة وطبعا لا عداء           ولا قتال .

     أما إذا كان الآخرون يعادون المسلمين أو يساعدون عدوهم عليهم أو يخرجونهم   من أرضهم وديارهم أو يساعدون على إخراجهم .. هنا يكون الموقف الإسلامى بصريح التوجيه القرآنى هو المعاملة بالمثل عداء بعداء ، بل ويكون محرمًا على المسلم أن يعاملهم أو يودهم . ومن يفعل ذلك يكون من الظالمين لدينه ولأمته .  

* * *

     ومعنى هذا أن الأمر كله ليس مرتبطًا بكونهم غير مسلمين ـ ولكنه مرتبط بالاعتداء أو عدمه . 

     وهذا هو التعامل الأعدل على قاعدة المعاملة بالمثل والتى هى معيار عادل يرتضيه كل العقلاء .. وتقوم عليه ـ فى عصرنا ـ المعاملات الدولية فى التجارة وتبادل البضائع والمنافع والمعونات وغيرها .

     وتكون الخلاصة هى :

     أن الإسلام فى جوهره دين سلام وأمن وطالما تعامل الآخرون معه ومع أتباعه بالسلام والأمن ، فإنه لا يجيز أبدًا الاعتداء عليهم .

    أما إذا اعتدى الآخرون على الإسلام أو على أهله فالموقف الطبيعى والعادل ـ بل والواجب أيضًا ـ هو الجهاد ودفع الشر بالقوة .

* * *

_________

(1) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ج7 حديث رقم 120، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، نشر دار المعارف 1999م .

(2)     التوبة : 36 .

(3) التوبة : 29 . 

(4) الأنبياء : 107 .

(5) البقرة : 208 .

(6) النساء : 90 .

(7)الممتحنة : 8ـ9 .

                   

 

* مقولة أن القرآن يسمح بالإرهاب :

     مصدر هذه المقولة هو سوء الفهم وقلة الإدراك لطبيعة وعبقرية اللغة العربية فى وفرة ثرائها وتنوع الاستخدام لتراكيبها وأساليب أدائها .

     والآية التى يستدل بها الجاهلون بالقرآن هى قوله تعالى :

     ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ( (1) .

     فقد التقط الظالمون للإسلام الذين يتصيدون ما يظنون أنه نقيصة فيه أو أنه دليل إدانة على اتهامه بالإرهاب .. 

     التقطوا كلمة " تُرهبون " واقتطعوها من بقية الآية وقالوا : ها هو الإسلام يسمح بالإرهاب ويدعو إليه !!

     وقبل أن أوضح المراد الحقيقى لجملة ) تُرهبون به عدو الله وعدوكم ( فإنى أحيل  إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا على الواقع الذى يجرى الآن فى دولهم           فيما يتصل بمسألة اختراع وإنتاج وتخزين الأنواع الرهيبة من أسلحة الدمار الشامل وما أنتجوه من الأسلحة والصواريخ العابرة للقارات وما تحدثوا عنه علانية مما أسموه الاستعداد لحرب النجوم والصواريخ المضادة للصواريخ ومشروع حائط الصواريخ الذى تدعو أمريكا الغرب كله لكى يشارك فيه وغير هذا وغيره .

* * *

     أحيل إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا ليراجعوا ما نشر حول هذه الإنجازات الرهيبة فى عالم التسليح بأسلحة الدمار الشامل والقاذفات الحاملة لقنابل تزيد زنتها عن 14 طنًا للقذيفة الواحدة .

     ثم ما يسمونه مؤخرًا القنابل النووية التكتيكية .. وغيرها وغيرها ..

     أحيلهم ليسألوا دولهم :

     ولماذا كل هذا السباق الرهيب والمخيف ؟ فستكون الإجابة : إن هذا كله هو ما يرهب عدونا حتى لا يفكر فى العدوان علينا لأنه ـ حتى لو حدثته نفسه بالعدوان فسيكون علمه بما لدينا رادعًا ومانعًا له عن العدوان علينا بل حتى عن مجرد التفكير فى العدوان .

وهنا نجد التفسير الطبيعى والبسيط للجملة القرآنية :  ) ترهبون به عدو الله                  وعدوكم ( .

     حيث لا تعنى أبدًا أن الإسلام إرهابى لأنه يدعو إلى إعداد القوة ، وإنما سيكون معناه أن الإسلام إذ يأمر أتباعه بإعداد ما استطاعوه من قوة ، إنما يعنى القوة التى تردع أعداءهم فلا يعتدون عليهم بل ولا حتى يفكرون فى هذا العدوان .

* * *

     ومن المعروف أن بين مصطلحات الدراسات والعلوم العسكرية الحديثة مصطلح       " الردع " والمراد به ردع العدو بإظهار ما لدى الدولة من قوة يستعرضونها علنًا ويدعى إلى شهود هذه العروض الملحقون العسكريون من جميع الدول ليشاهدوا مظاهر القوة رادعًا يرهب العدو الطامع فيهم فلا يجرؤ على الهجوم والعدوان .

     وهذا هو المراد فى الآية الكريمة : ردع المعتدى حتى لا يجرؤ على العدوان أو يفكر فيه .

     وبهذا يسقط الاتهام وتبرأ ساحة الإسلام .

* * *       

---------------------------

(1) الأنفال : 60 .

 

عن موقف الإسلام

من غير المسلمين

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     كثير من الظالمين للإسلام يزعمون أنه دين لا يعطى لغير المسلمين حقوقهم ويصبون على الإسلام فى هذا الأمر اتهامات لا تستند إلى أى دليل بل تؤكد جهلهم بالإسلام وظلمهم له .

     وبداية وفى بياننا لموقف الإسلام من غير المسلمين نُذكّر بحقيقة بالغة الأهمية فى هذا الأمر ، وهى أن الإسلام فى تعامله ـ مع غير المسلمين ـ فرّق بين أصحاب الديانات الوضعية كالبوذية والهندوسية وغيرهما وبين أصحاب الديانات والكتب          السماوية .

* * *

     لم يعترف الإسلام بأصحاب الديانات الوضعية واعتبرها مجرد أفكار وآراء تعبر عن اجتهادات أصحابها لكنها لا ترقى أبدًا إلى مستوى الديانات السماوية .

* * *

     أما الديانات السماوية ـ والتى يبقى منها الآن : اليهودية والمسيحية ـ فقد تعامل الإسلام معهما تعاملاً خاصًا يقوم على المبادئ الآتية :

أولاً : الاعتراف التام القائم على الاحترام والإيمان برسلهما ورسالتيهما ، واعتبر هذا الإيمان شرطًا أساسيًا فى صحة إيمان المسلم وذلك فى قوله تعالى :

) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله .. ( (1) .

     كما يقرر القرآن هذا ويؤكده فى قوله تعالى فى سورة أخرى فيقول :

     ) قل آمنا بالله وما أُنزل علينا وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أُوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ( (2) .

ثانيًا : تعامل القرآن مع رسولى اليهودية والمسيحية بكل الإجلال اللائق بهما كرسولين من عند الله لهما من العصمة والتوقير مثل ما لرسول الإسلام محمد ولجميع رسل الله صلى الله عليهم وسلم أجمعين .

     ففى حديث القرآن عن موسى ( عليه السلام ) يحكى قصته بتفصيل موضوعى يحدد فيه طبيعة رسالته إلى فرعون وقومه وكيف نصره الله ومن معه وأغرق فرعون            وجنوده ، وكيف رعاهم الله بعدما أنجاهم من الغرق .

     لكنهم بعد هذا عادوا بفكرهم إلى إرهاق موسى وقالوا : ) اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ( (3) .

     كما صحح القرآن ـ هذا وهو الأهم ـ ما أدخله اليهود على التوراة من تحريف لا يتسع المقام هنا لتفصيل القول فيه .

     وصحح كذلك ـ وهو أمر جدير بالملاحظة والاهتمام ـ كل أقاويل السوء التى خاضوا بها فى حق السيدة العذراء مريم البتول أم السيد المسيح ( عليه السلام ) ، ولاسيما زعمهم الردىء والبغيض عنها ( عليها السلام ) وعن " يوسف النجار " مما يعف القلم عن ذكره .

* * *

     وبالنسبة للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ كان الاحترام نفسه والإجلال نفسه فى القرآن الكريم له وللسيدة العذراء .

      وحسبى هنا التذكير بالآية الكريمة : ) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهًا فى الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس فى المهد وكهلاً ومن الصالحين  ( (4) .

     وحسبى كذلك فى تكريم القرآن لمريم عليها السلام قوله تعالى : ) وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ( (5) .

* * *

     ثم حسبى كذلك فى إنصاف القرآن للصالحين من بعض أهل الكتاب من النصارى الذين كانوا يحسنون عبادتهم لله لما فى قلوبهم من إيمان وخير وأن أهل الكتاب ليسوا سواء فيما تحدثت به الآيات الكريمة .

* * *

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     وربما تساءلت أنت أو غيرك : هل تعامُل الإسلام ـ عند التطبيق على أرض   الواقع ـ كان منصفًا لغير المسلمين كما تقول ؟ أم أن الأمر كان شعارات ونظريات لم تأخذ حظها من التطبيق ؟

* * *                   

----------------------------------

(1)البقرة : 285 .

(2)آل عمران : 84 .

(3) آل عمران : 138 .

(4)آل عمران : 45ـ46 .

(5) آل عمران : 42 .

 

     أقول لك :

* وقائع التاريخ تشهد :

     إن وقائع التاريخ ـ وتطبيق ما جاء به الإسلام على أرض الواقع ـ خير شاهد منذ بداية الدعوة فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدين وحتى التاريخ القريب فى تعامل صلاح الدين مع الأسرى الصليبيين ـ تشهد فى الحرب المعروفة باسمهم على ما نعرض الآن من هذه الوقائع التى تؤكد حسن معاملة الإسلام لغير المسلمين منذ نشأة الدولة الإسلامية فى عصر النبوة وفقًا لما يأتى :

أولاً : ( الصحيفة ) دستور الدولة المسلمة

     بعد الهجرة من مكة ومع بدء تأسيس الدولة ( أول دولة للإسلام ) فى المدينة المنورة كتب الرسول صلى الله عليه وسلم دستورًا كان يعرف باسم ( الصحيفة ) حدد فيه الحدود الجغرافية للدولة بين جبل كذا وجبل كذا حدودًا لهذا الوطن الناشئ .

     ثم قام بعد ذلك بتحديد شَعب المدينة ( شعب الدولة الإسلامية الناشئة ) .

     وأيامها كان المقيمون بالمدينة شرائح ثلاثة : الأنصار وهم الشريحة التى كانت بالمدينة قبل الهجرة ( أهل المدينة الأصليون ) .

     ثم كانت الشريحة الثانية من " المهاجرين " ( المسلمين القادمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ) .

والشريحة الثالثة كانت من " اليهود " على اختلاف قبائلهم .

* * *

     وكان من أعظم ما سجله دستور هذه المدينة وسبْقه الحضارى التاريخى لقبول التعددية والاعتراف بالآخر أن ينص دستور المدينة على :

     " أن المهاجرين والأنصار واليهود " هم شعب هذه الدولة وأنهم " أمة من دون   الناس " بما يعنى الاعتراف الحضارى والتاريخى بإدخال الآخر ( وهم اليهود ) فى نسيج وفى تكوين شعب الدولة الإسلامية .

     ليس هذا فحسب بل تحرر هذا الدستور وأعلن المساواة الكاملة بين جميع هذه الشرائح التى تكونت منها الدولة ( الأنصار والمهاجرين واليهود ) .. أعلن المساواة الكاملة بينهم جميعًا فى الحقوق والواجبات ، إلا من خان وغدر .

     وظل هذا قائمًا ومعمولاً به حتى بدأ اليهود ـ كعادتهم دائمًا ـ بالخيانة والتآمر على الرسول بل على الدولة مما استوجب أن يعامَلوا بما يناسب خيانتهم للدولة أو " للنظام القائم " حسب المصطلحات المعاصرة والتى تجلت هذه الخيانة بتأليبهم الأحزاب على الرسول والمسلمين فى الغزوة التى عُرفت بغزوة الأحزاب ( الخندق ) .

* * *

نصارى الحبشة ونجران يصلون بالمسجد النبوى :

     ولما جاء وفد من نصارى الحبشة ، وكذلك من نصارى " نجران " أنزلهم صلى الله عليه وسلم فى مسجده وكان يقوم بنفسه على خدمتهم ردّا لما فعله نصارى الحبشة من حسن الصنيع مع المهاجرين الأول من المسلمين إليها وكان مما قاله : إنهم كانوا لإخواننا مكْرِمين .

* * *

     وأكبر من هذا وأبرز فى الدلالة على سماحة الإسلام واعترافه بالآخر وقبوله        " للتعددية " أنه صلى الله عليه وسلم سمح لنصارى نجران أن يؤدوا صلاتهم فى مسجده صلى الله عليه وسلم .

     وكان نصارى نجران يصلون فى جانب من المسجد ويصلى المسلمون فى الجانب الآخر وتحدث الرسول والنصارى فى الأمور الدينية فلم يضق بهم صلى الله عليه وسلم وإنما ناقشهم بالحكمة وجادلهم بالتى هى أحسن بأدب ولطف ومُوادة .

* * *

واستمر الاتجاه نفسه عصور الراشدين :

     نعم ومنذ أن أعلن وأسس وطبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ " التعددية " وقبول الآخر جرى خلفاؤه من بعده على سنته نفسها . وخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية ودخول " غير المسلمين " فى رعويتها .

     فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ـ الخليفة الثانى للرسول ـ عندما دُعى لتسلم " بيت المقدس " بعد فتحها .. وحان موعد صلاة الظهر ـ ولم تكن هناك مساجد ـ فدعاه رئيس كنيسة إيلياء ليدخل كى يصلى فيها . لكنه رفض ـ حفاظًا على خصوصية معابد غير المسلمين ـ وحتى لا يأتى المسلمون فيما بعد فيستخدمونها للصلاة ، وهذا عنده لا يحق لهم .

* * *

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     أعتقد أنك بعد هذا الذى عرضته عن موقف الراشدين وعهد الخلافة وما كان فيه من حسن التعامل الإسلامى مع أهل الكتاب لن تصدق ما يزعمه الحاقدون على الإسلام والظالمون له من أنه دين لا يقبل إلا نفسه ولا يقبل التعددية ولا يعترف بالآخر .

     ولمزيد من الدلالة على استمرار هذا النهج وهذه الروح الأخوية الودودة بين الإسلام وبين أهل الكتاب اليهود والنصارى الذين يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أن ما جاء به ( موسى وعيسى ) وما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم إنما يخرج من مشكاة واحدة .

* * *

* مقولات ظالمات عن الجهاد والجزية :

أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     الظالمون للإسلام والحاقدون عليه انتهزوا الأحداث المشئومة التى وقعت بأمريكا فى سبتمبر وملأوا إعلامهم ضجيجًا بأن الإسلام دين عنف وإرهاب لأنه ـ حسب زعمهم ـ يبيح الجهاد أى قتال الآخرين .

* * *

     وطرح الاتهامات على مثل هذا النحو هو تزييف للحقائق ومحاولة لخداع الرأى العام الغربى وخاصة الرأى العام الأمريكى المجروح بأحداث سبتمبر .

      وهذا اللون من تزييف الحقائق وخلط الأوراق لخداع القارئ والمستمع والمشاهد    هو صناعة صهيونية برع فيها وأجادها اليهود الذين لا يحتكمون إلى التوراة وإنما يحتكمون إلى " التلمود " وإلى " بروتوكولات حكماء صهيون " . وهما كتابان يطفحان بالشر والحقد على الإنسانية ، والتحلل المطلق من أى قيد أخلاقى أو إنسانى .

* * *

     وقد سبقت الإشارة إلى أن القرآن لم يأذن بالجهاد إلا بعد أن بلغت مظالم الكفار للمسلمين ذروتها فى مكة قبل الهجرة وكان محمد صلى الله عليه وسلم يمر على أتباعه وكفار مكة ينزلون بهم أشد العذاب فلا يملك إلا أن يقول لمن رآهم : [ صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة ] .

     ولما نزل القرآن بالإذن بالجهاد ( القتال ) دفاعًا عن النفس وعن حرية الاعتقاد بدأ المسلمون يواجهون كفار مكة بكل ما يملكون للخلاص بما أنزل بهم الكفار من أبشع صور العدوان والظلم .

     وهذا ما تقره وتعترف به كل القوانين والتشريعات المعاصرة فى حق الجهاد (القتال) دفعًا للمحتل الغاصب ودفاعًا عن حق تقرير المصير .

* * *

     ونصوص أدبيات الفقه الإسلامى فى هذا الموضوع تؤكد أن قتل الكفار ليس عقابًا لهم على كفرهم ولكن ردًا لعدوانهم على المسلمين . فالعدوان وليس الكفر هو السبب فى إباحة الجهاد ( القتال ) وهو سبب مشروع لا ينكره أحد .

     ومن بديع ما روى عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال :

     [ تألفوا الناس وتأنّوا بهم ، فما من أهل بيت من مدر ولا حضر إلا أن تأتونى بهم مسلمين أحب إلىّ من أن تأتونى بنسائهم وأبنائهم وتقتلوا رجالهم ] يعنى أن الجهاد لدعوة الناس إلى الإسلام لا لقتلهم أو أسرهم وسبى نسائهم .

     وشرح هذا المعنى ابن الصلاح فى فتاويه فقال :

     " إن الأصل هو إبقاء الكفار ـ لا إبادتهم ـ لأن الله تعالى ما أراد إفناء الخلق    ولا خلقهم ليقتلوا . وإنما أبيح قتلهم لعار من ضرر وجد منهم لا أن ذلك جزاء على كفرهم " (1) .

     وكافة أدبيات القتال ( الجهاد ) فى الإسلام تؤكد هذه المبادئ . أما عند الضرورة ضرورة ردّ العدوان فهذا عذر شرعى مقبول بل هو واجب لرد الاعتداء والدفاع عن النفس وعن الحق .

     على أن مما يجب أخذه فى الاعتبار أنه مع إباحة الإسلام القتال عند ضرورة الدفاع عن النفس والوطن والعقيدة فإن أساس التوجيه الإسلامى هو الحرص على السلام .

     وهذا ما تؤكده آيات القرآن الكريم التى تعلن فى صراحة فتقول إحداها مخاطبة للرسول صلى الله عليه وسلم ولجميع المسلمين معه :

     ) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم  ( (2) . والمعنى أنه إذا مال الأعداء للصلح والمسالمة ووقف القتال فقابلهم بالمثل من المسالمة والصلح ووقف القتال معتمدًا على الله فى ذلك .

* * *

     وتقول الآية الثانية :

    ) فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلَّم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ( (3) .

     والمعنى أنه إذا ابتعد مقاتلوكم من الأعداء عنكم وأعلنوا رغبتهم فى المصالحة والسلام فلا حق لكم فى مقاتلتهم ويجب عليكم مسالمتهم والصلح معهم .

     هذا لأن السلام هو الأصل فى الإسلام .

     أما الحرب فهى استثناء ولا يجيزها الإسلام إلا عند الضرورة القصوى ـ ضرورة الدفاع عن الوطن وعن الأنفس والأموال والأعراض .

* * *

دفاع عن كل المستضعفين فى الأرض :

     ومما يجب الوقوف أمامه بتقدير وإعظام لحق الجهاد فى الإسلام أن كان من بين واجباته التى قررها صريح النص فى لقرآن وجوب الدفاع .   

     لكن الإسلام بحكم فعالية دعوته وكمالها فإنه يحمل المسلمين جميعًا مسئولية الدفاع عن المستضعفين ـ كل المستضعفين فى الأرض ـ المعتدى على حقوقهم ولو كانوا من غير المسلمين .

     وهذه قسمة حضارية وإنسانية عظيمة لم يماثله فيها أى دين ولا دعا إليها أى  تشريع أو قانون عبر التاريخ الإنسانى .

     وفى هذا يقول القرآن مخاطبًا المسلمين بهذا التكليف الإنسانى النبيل :

     ) وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء       والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرا ( (4) .

* * *

     ومن عجب أن بعض المعتدين تغرهم قوتهم وما يملكون من أسبابها فيبيحون لأنفسهم أن يعتدوا ، فإذا قام المعتدى عليهم برد هذا العدوان صرخ المعتدون فى توقح وتبجح وبلا حياء يصفون هؤلاء المعتدى عليهم بأنهم إرهابيون حين يردون هذا العدوان .

     وأوضح الأمثلة الصارخة فى أيامنا ما يفعله السفاح شارون مع الفلسطينيين والمؤسف والمؤلم أن أمريكا ـ فى عهد الإدارة الأمريكية الحالية إدارة الرئيس بوش ـ تؤيد هذا العدوان وتعتبر الفلسطينيين الذين لا يملكون فى دفاعهم سوى " الحجارة " تعتبرهم إرهابيين .

     وأمريكا التى تقول إنها تحارب الشر .. تؤيد علنًا أبشع شر يحدث فى الأرض الفلسطينية كما يراه العالم صباح مساء . إضافة إلى إصرارها الظالم على ضرب العراق .

     فهل هذا عدل ؟‍‍‍!

     وهل هذا منطق ؟!

     وهل هذا هو الدفاع الأمريكى ( الجديد ) عن حقوق الإنسان ؟‍‍  

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     إنى أحتكم إلى ضمائركم وأتساءل : هل لو كانت القوة العظمى بأيدى آخرين غير أمريكا هل كنتم تقبلون أن يعتدى هؤلاء الأقوياء عليكم ؟‍ يقينًا لن تقبلوا .

     وإذن فلماذا تقبلون للآخرين ما لا تقبلونه لأنفسكم ؟!

* * *

أما عن حكاية الجزية :

     وبعيدًا عن الخوض فى التفصيلات الفقهية المتعلقة بالجزية وبأهل الذمة فبإيجاز أقول لك : إن الجزية هى البدل النقدى الذى يدفعه أهل الذمة مقابل أن تقوم الدولة المسلمة التى يعيشون فى ظلها بالدفاع عنهم وعن أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ودور عبادتهم وحرياتهم .

     بمعنى أنه إذا أتيح لأهل الذمة المشاركة فى دفع العدو فهنا لا تؤخذ منهم جزية .

     بل أكثر من هذا ـ وهو ما تم العمل به على أرض الواقع كما سنرى ـ أنه إذا شُغلت قوات وجيوش الدولة المسلمة التى يعيش أهل الذمة تحت رعايتها وعجزت عن حمايتهم ، فإن على الدولة المسلمة أن تُخبر أهل الذمة بعجزها أو انشغالها عن حمايتهم وترد إليهم ما سبق أخذه منهم من الجزية .

* * *

     وبتعبير آخر أستخدمه على ما فيه من فساد الذوق فقط لمجرد تقريب المعنى إلى الذهن ، فالمسلمون هنا كأنهم مستأجَرون لدى أهل الذمة ليحموهم ويدافعوا عنهم .

     فهل إذا طلب الأجير أجره من مستأجريه يكون قد ظلمه أو اعتدى عليه ؟‍!

     فى منطق العقلاء أن هذا حقه .. أما إذا دخل الحقد على الإسلام والبغض له فى الموقف فالأمر سيختلف .. وهذا هو الظلم بعينه .

* * *  

-------------------

(1) شرح السير الكبير 1/59 .

(2)  الأنفال : 61 .

(3)  النساء : 90 .

(4) النساء : 75 .

 

نماذج رفيعة للتحضر الإسلامى فى معاملة غير المسلمين :

     وروعة هذه النماذج ورقيها الحضارى أنها تمت والمسلمون هم المنتصرون وهم المسيطرون ، ومع هذا تعاملوا مع المهزوم بأسمى وأرقى ما يكون التعامل .

* * *

السلطان محمد الفاتح :

     أول هذه النماذج هو نموذج السلطان محمد الفاتح حين استولى على القسطنطينية مقر البطريركية الأرثوذكسية فى الشرق كله فلما دخل كنيسة أيا صوفيا وكان رجال الكنيسة قد لجأوا إليها أحسن استقبالهم وأكد حمايته لهم وطلب من المسيحيين الفزعين الذين كانوا يتوقعون الشر ، طلب إليهم أن يذهبوا آمنين إلى بيوتهم .

      وأعلن تأمين سكان القسطنطينية جميعًا على أرواحهم وأموالهم وعقيدتهم وكنائسهم وصلبانهم وأعفاهم من الجزية .

     كما منح رؤساءهم سلطة التشريع والفصل فى الخصومات التى تقع بين رعاياهم دون أن تتدخل الدولة المسلمة فيها .

     وهو ما لم يكونوا يظفرون بمثله وهم تحت حكم الدولة البيزنطية .

* * *

صلاح الدين :

     ومواقف صلاح الدين تحتاج وحدها إلى دراسات لكنى أقتطف فقط ما يتصل بتسامحه الذى يمثل أروع وأبرز مواقف تسامح المنتصر مع المهزوم وهو ما يعرفه العالم كله ولا ينساه الصليبيون بصفة خاصة لصلاح الدين بعد هزيمتهم أمامه فى معركة تحرير القدس .

     فعلى الرغم من حجم العنف والقسوة التى كان يتعامل بها الصليبيون مع المسلمين بما لا يمكن تصوره ..

     فقد عاملهم صلاح الدين عند انتصاره عليهم بروح سماحة الإسلام معاملة شهد بها كل المؤرخين المنصفين الذين سجلوا الفارق الكبير بين تسامح صلاح الدين وعنف الصليبيين وقسوتهم . خاصة وأنه كان بوسعه بعد هزيمتهم أن يبيدهم عن آخرهم .

     ويذكر التاريخ له فى مسألة أخذ الجزية من أهل الذمة أنه ردّ الجزية إلى نصارى الشام حين اضطر إلى الانسحاب منها عملاً بسماحة الإسلام فى معاملة غير المسلمين لأن الجزية كما أشرنا مقابل الدفاع والحماية فإذا لم يتحقق لهم ذلك فلا يجوز للمسلمين   أخذها .

* * *

ابن تيمية والأسرى النصارى :

     ولم يكن القادة العسكريون وحدهم الذين سجلوا نماذج هذا التسامح الإسلامى كما عرضنا لنموذجى محمد الفاتح وصلاح الدين ، بل كان هذا التسامح مع غير المسلمين والحرص على حقوقهم هو جوهر وروح الإسلام التى يعبِّر عنها ويعمل بها كل الفاقهين لروح الإسلام من العلماء .

     فهذا هو الإمام ابن تيمية : أنه لما غزا التتار ديار الإسلام فى الشام وأسروا كثيرين من جنود المسلمين خرج هو إليهم يفاوضهم فى رد هؤلاء الأسرى فوافقوا على إطلاق سراح الأسرى المسلمين دون النصارى .

     فقال ابن تيمية :

     لا نرضى إلا بفكاك جميع الأسرى من المسلمين ومن غير المسلمين من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا .

* * *

الإسلام دين الرفق والرحمة

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا

نعم : الإسلام دين الرحمة والرفق بكل ما فى الكون من المخلوقات الحية : الإنسان والحيوان والطير وكل ذات كبد رطبة من مخلوقات الله .

     وحسبى بداية أن أشير إلى أن القرآن الكريم كتاب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قد أعلن بوضوح قاطع أن رسالة محمد هى الرحمة المهداة من الله إلى الناس ، وأن الرحمة والرأفة هما أبرز صفات صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم .

* * *

     جاء ذلك فى مثل قوله تعالى : ] وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[  (1) . ولو شئنا التعرف على هذه الرحمة المهداة إلى العالمين ، ونظرنا فى المحتوى الحضارى لهذه الرسالة من مختلف جوانبها فى التعامل مع الآخر ، وفى قبول " التعددية " ، وفى              " التعارف " والتعايش السلمى بين الأنظمة والشعوب . أو فى السياسة الشرعية ، وفى الاقتصاد والاجتماع ، وفى الحرب والسلام ، وفى العلاقات الدولية والعلاقات الأسرية ..

     لو شئنا التعرف على هذا المحتوى الحضارى والإنسانى لهذه الرسالة وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم لرأينا بوضوح أن الرحمة والرفق ورعاية الجانب الإنسانى فى كل التعاملات هو الجانب الأظهر والأمثل الذى تكون الرحمة دافعه وإطاره وغاية كل    توجه فيه .

* * *

     ولو أخذنا ـ على سبيل المثال ـ غاية " الجهاد " فى الإسلام لوجدناها تنحصر فى حماية رسالات السماء ـ كل رسالات السماء ـ اليهودية والمسيحية والإسلام ـ حماية أتباعها من بأس الكفار والملاحدة ، وحماية دور عباداتهم وفى ذلك من الرحمة ما فيه ..

     ولوجدنا الغاية ، بل الواجب الثانى للجهاد وهو حماية المستضعفين فى الأرض من بطش المتجبرين كما جاءت الدعوة إليه فى الآية الكريمة : ] وما لكم لا تقاتلون فى سبيل

الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا [ (2) .

     فدفاع الإسلام عن هؤلاء المستضعفين فى الأرض رحمة ما بعدها رحمة ، بل إنه قسمة حضارية للإسلام لم يشاركه فيها أى دين آخر لا سماوى ولا وضعى .

* * *

     من هنا ـ وفى إطار كون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هى الرحمة للعالمين كان وصف القرآن له تأكيدًا لطبيعة الرأفة والرحمة فى صفاته وأخلاقه كما قالت الآية :      ]  لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [ (3) .

* * *

     وتأكيدًا وتطبيقًا لما وصفه القرآن كانت الرحمة وكان الرفق أبرز شمائله صلى الله عليه وسلم . وكان اختياره دائمًا للأيسر من الأمور فكما تقول السيرة : إنه ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا ، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه ، وكان يحض أصحابه على الرفق ويقول :  " من حُرِمَ الرفق حُرِمَ الخير كله " ويقول : " إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله  " .

* * *

     ولم تكن رحمة الرسول ولم يكن رفقه ولينه وتلطفه مجرد فضيلة شخصية وإنما كان منهاج تربية وحماية وجدان المسلمين من القسوة والعنف بحيث يكون التراحم سمة المجتمع  كله وأسلوب تعامله مع كل من حوله من الإنسان أو الحيوان أو الطير .

* * *

     ولأن أحق الناس بالرحمة فى المجتمعات الإنسانية هم المستضعفون من النساء والولدان والعجزة والمرضى من الرجال ، فقد عنيت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برعايتهم والرفق بهم والإحسان إليهم على نحو ما هو مبسوط فى كتب السيرة والتاريخ ولا يتسع المقام هنا لتفصيله .

فقط أورد بعض أمثلة :

     يقول الصحابى البدرى أبو مسعود رضى الله عنه : [ كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتًا يقول لى : اعلم أبا مسعود ؛ فلم أعرف الصوت من شدة الغضب فلما دنا منى إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو يقول :

     [ إعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ، فقلت : لا أضرب مملوكًا لى أبدًا بعد هذا اليوم ] (41) .

     وعن ابن عمر رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم        يقول : [ من ضرب مملوكًا له فكفارته أن يعتقه ] (5)  .

     وهكذا رِفْق الإسلام ورحمته بالمستضعفين . مجرد لطمة للعبد أو ضربة له بالسوط لا يكفرها إلا تحريره وعتقه رحمة ورفقًا واحترامًا إسلاميًا لحق الإنسان فى الكرامة وصون كبريائه الإنسانى حتى ولو كان عبدًا مملوكًا دفع مولاه ثمن شرائه ،              وكان ذلك ـ بالطبع ـ قبل تحرير الإسلام لكل الأرقاء .

* * * 

------------------------------

(1) الأنبياء : 107 .

 (2) النساء : 75 .                                               

(3) التوبة : 128 .

(4)رواه مسلم فى صحيحة كتاب الإيمان باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده .

(5)السابق نفس الكتاب والباب .

ــــــــــ

(4) رواه مسلم فى صحيحه كتاب الإيمان ـ باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده .

(5) السابق نفس الكتاب والباب .

أما عن رفق الإسلام بالحيوان الأخرس

     فأعرض بعض مواقف ونماذج من كلمات رسول الرحمة والرفق محمد صلى الله عليه وسلم ومن سلوكيات بعض أصحابه ليرى من يكرهون الإسلام أنهم يظلمون أنفسهم ويظلمون الإسلام عسى أن يراجعوا أنفسهم ويصححوا مواقفهم . فقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمار موسوم على وجهه  ( يعنى مكوى بالنار كعلامة معينة يعرفه                 بها صاحبه ) فقال e : [ لعن الله من وسمه ] .

* * *

     وتروى كتب السيرة أن أعرابيًا من المسلمين كان يسير فى الصحراء وأدركه العطش فرأى طيور تعلو وتهبط فأدرك بخبرة أهل البادية أن هذا مكان فيه ماء فقصده فوجد        بئرًا فنزل وشرب فلما خرج رأى كلبًا يلهث ( يأكل الثرى من العطش ) ، فقال فى نفسه لقد بلغ العطش بهذا الكلب مثل الذى كان بى . فعاد ونزل البئر فملأ خفه ( حذاء من الجلد يطبق على القدم ) ثم صعد وسقى الكلب وظل يصعد وينزل ليسقى الكلب حتى ارتوى .. وبلغ خبره محمدًا صلى الله عليه وسلم فقال :   [ اطلع الله على هذا الأعرابى                  فغفر له ] (1) .

* * *

     وعند ذبح الحيوان أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال : [ فليحد أحدكم شفرته ولْيرح ذبيحته ] (2) .

* * *

ــــــــ

(1) مسند الإمام أحمد من حديث أى هريرة .

(2) رواه مسلم فى صحيحه كتاب الصيد والذبائح ـ باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة .

أما عن رحمة الإسلام بالطير :

     فقد مرّ عبد الله بن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا يترامونها ( يوجهون سهامهم إليها للتدرب على دقة الرمى ) فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا ، وأضاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا .

* * *

     وعن أبى مسعود البدرى رضى الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمّرة ( نوع من الطير ) معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمّرة فجعلت تعرش ( ترفرف بجناحيها على فرخيها لهفة وشفقة ) ، وجاء النبى صلى الله عليه وسلم فقال : من فجع هذه بولديها ؟ رُدوا ولديها عليها (1) . ففعلنا .

     ويقول أبو مسعود البدرى : ورأينا قرية نمل فأحرقناها فلما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم قال : [  من أحرق هذه ؟ قلنا نحن قال : لا ينبغى أن يُعذِب بالنار إلا رب النار ] (2) .

* * *

     وذات يوم مرّ الرسول صلى الله عليه وسلم على بعير قد لصق بطنه بظهره من الجوع فقال صلى الله عليه وسلم : [ اتقوا الله فى هذه المُعجمة ( الحيوانات ) اركبوها صالحة وكلوها صالحة ] (3) يعنى أعطوا هذه الحيوانات حقها من الطعام والشراب          ولا تجِيعوها أو تعطشوها .

* * *

     ومواصلة لمنهج الإسلام فى الرحمة بالحيوان والطير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ دخلت امرأة النار فى هرة ( قطة )  حبستها فلا هى أطعمتها ولا تركتها تأكل من خُشاش من الأرض ]  (4) .

     أسوق هذه الأمثلة التى حفل بها المجتمع الإسلامى فى عصر النبوة والراشدين وزمن الازدهار الحضارى لجوهر وتعاليم وقيم الإسلام ..

     أسوقها للذين تغرهم قوتهم أو سلطانهم أو أموالهم فيعاملون الأسرى والخدم والموالى بقسوة ما بعدها قسوة عسى أن يحرك الله فى قلوبهم مشاعر الرحمة والرفق بعباده  فيتأسّوْا بالإسلام ويتعلموا منه .

     وأسوقها كذلك لمن يزعمون أن الإسلام دين الإرهاب والعنف عسى أن تدفعهم هذه النماذج الرحيمة لإنصاف الإسلام .

    * * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     إن الدين ( الإسلام ) الذى يرفق بالإنسان بمثل ما عرفنا من صور الرفق والرحمة ، ثم تتسع رحمته ويمتد رفقه ليشمل الحيوان والطير وحتى النمل فى سراديبه وجحوره         لا يمكن أبدًا أن يكون دين إرهاب ولا دين عنف.

     بل إنه كما ذكرت قبل قليل أنه الدين الذى قامت شريعته فى معظم الأمور على الرحمة والرفق وعلى التيسير والمسالمة .

     ولو قدر للبشرية أن تقترب من الإسلام وتحسن التعرف على ما فى شريعته من رقى وتحضر وما تقوم عليه من حب الخير للناس كل الناس لدخلوا كلهم فى الإسلام طائعين مختارين سعداء .

* * *

ـــــــــ

(1) رواه أبو داود فى كتاب الأدب ـ باب 164 .

(2) رواه أبو داود فى كتاب الجهاد ، باب 44 .

(3) رواه أبو داود فى كتاب الجهاد ـ باب فى نزول المنازل .  

(4) رواه البخارى فى صحيح كتاب بدء الخلق ـ باب 16 .

لماذا ظهرت الجماعات الإرهابية فى ديار المسلمين ؟ !

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا

سألنى كثيرون من معدى برامج القنوات الفضائية فى أمريكا وغيرها : تقولون إن الإسلام دين السلام والرحمة والإنسانية فلماذا ظهرت الجماعات الإرهابية فى بلادكم المسلمة فى مصر والجزائر وباكستان وغيرها ؟ !

وبداية أقرر أن أعمال هذه الجماعات الإرهابية ليس له مبرر شرعى من الإسلام ، بل هم فى الواقع أسرى فكر غير معتدل . وكبار الفقهاء المسلمين رفضوا وأدانوا فكر وسلوك هذه الجماعات ليس موالاة للحكام ولكن دفاعًا عن صحيح الإسلام لأن فكرهم وسلوكهم كان ظلمًا للإسلام وإساءة إليه فى كثير من أعمالهم .

* * *

     أما الدوافع والعوامل التى أدت لظهور هذه الجماعات هى عوامل اجتماعية متشابكة نشير إلى بعضها :

* الوضع السياسى والاقتصادى والاجتماعى لعالم المسلمين وما هو عليه الآن من تخلف وضياع كان رد فعله التلقائى هو ضياع أحلام وآمال الشباب فى مستقبل أمتهم فاستداروا إلى داخلهم يحاولون بالقوة أن يغيروا الأنظمة القائمة .

*  ووصولاً إلى هذه الغاية كونوا لأنفسهم ـ وبأنفسهم ـ غطاء شرعيا يبرر مناهضتهم للسلطة فى بلادهم وخروجهم عليها .

* ولأنهم لا يملكون الفقه الصحيح للإسلام فقد اعتمدوا ظواهر بعض النصوص الدينية التى تدعو إلى الجهاد لرد العدوان على الدين وعلى الأمة دون أن ينفذوا إلى المضامين الحقيقية وراء هذه النصوص ، وأيضًا دون أن يلاحظوا بقية النصوص المنزلة فى الموضوع ذاته والتى تضبط الفهم على الحكم الصحيح للإسلام .

* * *

* جعلوا من الأمور المنافية للإسلام فى المجتمع مثل تبرج النساء وتورط أجهزة الإعلام فى إذاعة أنماط من السلوكيات تتنافى مع آداب الإسلام وتعاليمه .. جعلوا من هذه الظواهر المستفزة دليلاً على حكمهم بتكفير الحكام ، ثم تكفيرهم للمجتمع المسلم كله لأنه لم يُنكر أو يُغيَّر هذه الأنظمة الفاسدة .

* ولكى يبرروا دعوتهم إلى تغيير أنظمة الحكم بالقوة أعلنوا أن جميع الأنظمة الحاكمة فى العالمين العربى والإسلامى أنظمة غير شرعية لأنها لم تأت برغبة الأمة وإرادتها وإنما جاءت أحيانًا بقوة السلاح وأحيانًا بانتخابات غير صحيحة .

* * *

* أعلنوا فى الناس أنهم خارجون لتغيير المنكر الذى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتغييره فى قوله : [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ] (1) . مع أن تغيير المنكر باللسان من اختصاص الدعاة المتمكنين من العلم ، أما تغيير المنكر بالقوة فهذا من اختصاص ولى الأمر             الحاكم ، الذى يكون بالطبع مالكًا للقوة التى تضبط التغيير وتقننه حتى لا تتحول الأمور إلى فوضى وإلى فتنة عامة .

* * *

* أثبتت أدبيات هذه الجماعات واعترافاتها أمام القضاء أنهم يطلبون السلطة ويرغبون فى الوصول إلى الحكم ..

     وأن الإسلام ليس إلا شعارًا يستميلون به العامة والبسطاء إلى صفوفهم .

* * *

     ولأن المقام هنا لا يتسع لتفصيل وتحليل فكر ومواقف وأعمال هذه الجماعات الإرهابية التى ظهرت فى كثير من البلاد الإسلامية .

     فإنى أحيل القارئ إلى فصل عن هذه الجماعات فى بحث قدمه الفقيه المصرى       الكبير الشيخ يوسف القرضاوى إلى المؤتمر الثانى عشر لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمصر والذى عقد فى القاهرة .

* * *

وخلاصة القول فى إجابتنا أن الجماعات الإرهابية نشأت أول ما نشأت فى بلادنا الإسلامية أقول : نعم هى نشأت فى بعض البلاد الإسلامية .

ونعم هى أعلنت انتسابها إلى الإسلام وأنها تجاهد لتطبيق شريعته .

ونعم أن كثيرين من أفراد هذه الجماعات ملتزمون بالإسلام فى مظهرهم وعباداتهم ..

     لكن مكمن العلة فى عدم الالتزام بالرحمة والرفق والمسالمة ولجوئهم إلى العنف وإراقة الدماء سببه الأول والأكبر هو سوء فهمهم وقصور عقولهم عن إدراك حقيقة الإسلام ـ فأساءوا إليه وظلموا أنفسهم وظلموه . 

ــــــــــــ

(1)   رواه مسلم فى صحيح كتاب الإيمان ـ باب 2 بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان .

 

هل العنف والإرهاب ظاهرة إسلامية ؟

     وهنا إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا

      أطرح هذا التساؤل : هل العنف ظاهرة إسلامية ؟ وهل يعتبر الإسلام هو المسئول عنها ؟ ومن ثم تجب محاربته ويجب اعتباره عدوًا يجب القضاء عليه وفق نظرية وفلسفة الصراع التى تعتمدونها فى بلادكم وخاصة فى أمريكا ؟؟

* * *

     أقول : إخوتى فى الإنسانية : العنف والإرهاب ليس أبدًا ظاهرة إسلامية . فالإسلام كما ذكرنا دين الرحمة ودين السلام والحوار والتعارف والتعاون والتحضر أيضًا .

     ولو تابعنا حالات الإرهاب فى العالم اليوم لوجدناها تكاد تكون عامة فى معظم قارات وبلاد العالم ، وليست مقصورة على ديار الإسلام .

     ففى بلادكم إرهاب تسجله أحداث أوكلاهوما التى اتهم فيها العرب والمسلمون ثم أثبتت التحقيقات أنها صناعة أمريكية لجماعة إرهابية .

     وفى المملكة المتحدة إرهاب تمثل فى حوادث اعتداء على مدارس الأطفال كما أعلنته وكالات الأنباء .

     وهو إرهاب لا يقتل فردًا أو يحرق سيارة وإنما يروع المجتمع كله جهارًا نهارًا           لا يبالى بأحد ولا يرحم من يعترض طريقه طفلاً أو امرأة أو مقعدًا على دراجة كما نشرته الصحف والمجلات الناطقة بالإنجليزية .

* * *

     وفى الهند إرهاب شديد العنف يمارسه " الهندوس " ضد المسلمين ، وينفجر من حين إلى آخر كالإعصار يدمر فى طريقه كل شىء دون أدنى رحمة .

* * *

 وفى اليابان إرهاب ـ وفى الصين إرهاب .

    أما فى أفريقيا  فيكاد معظم دولها ـ غير مسلمة ـ فى حالة إرهاب مستمر لا ينجو منه دولة ولا يستقر معه نظام .

    ومع هذا كله لم يقل أحد ولم تقولوا أنتم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا إن جنسية الإرهاب أمريكية او بريطانية أو يابانية أو أفريقية وإنما أعطيتم الجنسية الإسلامية ـ والإسلامية وحدها ـ من دون العالم ـ للإرهاب . فهل هذا معقول ؟ !

وهل هذا إنصاف ؟!

* * *

     ولو شئنا ردّ الأمور إلى أصولها وجذورها لوجدنا الإرهاب صناعة عالمية تُسأل عنها كل دول العالم والغربى منها بصفة خاصة .

     ذلك لأن الإرهاب فى حقيقته إنما هو حالة ثورة وتمرد عنيف على ما يعايشه الإنسان من الإحساس بالظلم والإحباط واغتيال حقوقه وإهدار كرامته وامتهان إنسانيته فلا يجد تعبيرًا عن رفضه لكل هذه الأحوال سوى العنف والتمرد . ولا سيما عندما يبذل كل الوسائل المشروعة فلا يجد من يستجيب له .

* * *

     وقبل إنهاء الاستعمار فى عام 1960م هبت الثورات فى جميع دول العالم التى كانت مستعمرة تطالب بالاستقلال وتمارس العنف دفاعًا عن حقوقها .

     ومع هذا كان المؤرخون لهذه الثورات الوطنية لا يصفونها بالإرهاب أو بالعنف وإنما كانوا يمجدون أعمالها ويحيون قادتها وزعماءها ولا يصمونها بالإرهاب .

* * *

     حدث ذلك مع المهاتما غاندى فى ثورته على الإنجليز الذين كانوا يحتلون بلاده . وحدث ذلك مع سعد زغلول زعيم ثورة 1919م ضد الاحتلال البريطانى لمصر . وحدث مع جوليوس نيريرى فى ثورته من أجل استقلال جنوب إفريقيا . ولا ننسى ثورة الجزائر بلد المليون شهيد ضد الاستعمار الفرنسى وفى القريب حدث ذلك مع الثورة على شاه إيران ، وحدث مع جميع ثورات التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى المسالم منها أو الذى استخدم العنف ولم يقل مؤرخ أبدًا إن من قاموا بها إرهابيون .

* * *

إلا مع الإسلام فى عصرنا الحاضر ؟!

     فأى دفاع لبلد من بلاده عن حريتها واستقلالها توصف بالإرهاب ويقال عن أبطالها وشهدائها أنهم إرهابيون على نحو ما تساير فيه الإدارة الأمريكية السفاح شارون فى وصف المقاومة الفلسطينية بأنها إرهاب ؟!!

     فلماذا هذا الظلم للإسلام دون أى مبرر مقبول أو معقول ؟!

     ولماذا الكيل بمكيالين فى الحالات التى لا تقبل إلا رأيًا واحدًا فيه العدل وفيه الحق ويجب مناصرته ؟! .

شبهة آية السيف

     وكثيرون من المبشرين والمستشرقين الظالمين للإسلام يقولون إن الإسلام شرع القتال

( الجهاد ) لحمل الناس على الدخول فيه بالقوة وإنه انتشر بالسيف ويستدلون بأن فى القرآن آية تعارف المفسرون المسلمون على أن يسموها آية السيف .

     وأنها نَسخت مائة وعشرين آية من القرآن تسمح أو تدعو إلى الرفق والمسالمة .

وهنا تكون لنا وقفة .

* أشرنا من قبل إلى أن الواقع فى بلاد الإسلام يؤكد أنه دخل وانتشر فى بلاد لم تدخلها أى جيوش مسلمة ولا حدثت فيها أى معارك قتال .

ومنطقة شرق وجنوب شرق آسيا كلها خير شاهد على ذلك . فهذه شهادة الواقع على بطلان هذه المقولة .

* * *

ونعود إلى الآية التى سموها آية السيف بعضهم قال إنها قوله تعالى :   ]  إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حُرُمٌ ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين  [  (1) ، وواضح من منطوقها أنها تدعو المسلمين إلى التعامل مع أعدائهم بالمثل . كما يقاتلونكم فقاتلوهم كذلك .

* * *

     آخرون قالوا إن هذه الآية هى قوله تعالى : ]  فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ..   [ (2) (3)  . يقول الدكتور        يوسف القرضاوى : وهذه الآية نزلت فى مشركى العرب الذين نكثوا العهد وأخرجوا المسلمين من ديارهم وبدأوهم بالقتال . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : ] ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة                    

     .

أتخشونهم  فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين  [ (4) .

ويضيف الدكتور القرضاوى :

وقبل هذه الآية نقرأ قوله تعالى :   ] إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب              المتقين[(5). ويأتى بعدها قوله تعالى ] وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون  [ (6) .

     فالسياق كما ذكرنا لا يتحدث عن أى عدوان ولا عن أى قتال إلا مع الذين نقضوا العهد أو أعانوا الأعداء على قتال المسلمين ، ولا أظن أحدًا ـ مسلمًا أو غير مسلم ـ ينكر هذا الحق فى مواجهة من ينقضون العهد أو يساعد العدو فشأنه فى هذه الحالة شأن عدوٍ تجب مواجهته ..

     وعليه تبطل الشبهة .

* * *

     ونعود إلى آية السيف وما زلنا مع بحث الدكتور القرضاوى .

وقال آخرون :

     إن آية السيف هى قوله تعالى ] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر       ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون  [ (7) ، وهذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك ـ التى كانت فى قتال مع دولة الروم البيزنطية وواضح من قوله تعالى   ]  حتى يعطوا      الجزية [ أن المراد حتى لا يعودوا إلى قتالكم مرة أخرى ويخضعوا للدولة الإسلامية ويدفعوا لها ضريبة حمايتهم .

* * *

     على أن مما يوضح أن مقولة ( آية السيف ) واعتبارها دليل إدانة للإسلام هى فى حقيقتها مقولة ظالمة وتهمة ساقطة ينفيها من أساسها قوله تعالى : ] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم  [ (8) ، وبعدها قوله تعالى  ] وإن

يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين   [ 91) ، وخلاصة القول هى سقوط شبهة ومقولة إن الإسلام دين السيف أو إنه انتشر بالسيف .

* * *

---------------------

(1)   التوبة : 36 .                                                     

(2)    (2)  التوبة 5 .

(3) انظر البحث المقدم إلى المؤتمر الثانى عشر لمجمع البحوث بالأزهر للشيخ الدكتور يوسف القرضاوى     ص32

(4) التوبة : 13 .                               (5) التوبة 4 .                                 (6) التوبة 6 .

(7) التوبة 29 .                                ( 8) الأنفال : 61 .

(9) الأنفال : 62.

 

آيتا سورة الممتحنة

     على أن مما أحب أن يعلمه إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا أن فى القرآن الكريم آيتيين فى سورة تسمى " الممتحنة "  تشكلان إطارًا عامًا متوازنًا يحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين فى رؤية أخلاقية منصفة لطرفى التعامل مسلمين وغير مسلمين جوهرها " نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا " والآيتان هما قوله تعالى :     ] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين  ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون   [ (1) .

* * *

     وأعتقد أنكم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا ترون ـ كما أرى أن هذا الضابط الأخلاقى والإنسانى العادل والمتوازن الذى حددته الآيتان السابقتان أعظم شاهد على إنصاف الإسلام لنفسه وللآخرين لا يرفضه إلا من يكون العدوان بعض طباعهم فيعتدون ويعتدون فإذا قام المعتدى عليهم برد هذا العدوان صرخوا هذا إرهابى يمارس الإرهاب ومن حقنا أن نسحقه ونسقى الأرض من دمه ؟!!

     ألا ترون ـ معى ـ أن الإسلام فى تعامله مع الآخرين عادل ومنصف وعظيم وأنه يحفظ ويرعى حقوق الآخرين ولا يفرط كذلك فى حقه وحق أتباعه ، ومعياره فى كل ذلك هو رعاية الحق والعدل ؟!

     آمل وأرجو أن تحاولوا إقناع الإدارة الأمريكية الحالية ـ إدارة الرئيس بوش بأن تقف بإنصاف وحياد فى تعاملها مع الإسلام وأن تحاول التخفيف من عدائها                 

له واتهامه واتهام أتباعه بغير دليل خاصة وأن أمريكا وأوروبا من                        ديار أهل الكتاب الذين لهم فى الإسلام اعتبار خاص قوامه الإيمان برسلهم وكتبهم وإن كان بعض أهل الكتاب ـ حتى اليوم ـ ما يزالون يرفضون الاعتراف بالإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؟!!

قليلاً من الإنصاف

           وقليلاً من العدل فى التعامل مع الإسلام .

* * *

ـــــــ

(1)  الممتحنة : 8 ،9 .

 

حاجة العالم اليوم إلى الإسلام

على سبيل التقديم

     يسيطر على العالم حجم فساد رهيب يوشك أن يدمر الأرض وما عليها ما لم تتح الفرصة لمبادئ وسنن الإسلام أن تأخذ طريقها لحماية الإنسان من شرور نفسه ثم           لحماية الإنسانية كلها مما يهددها من الدمار الشامل .

     والفساد الذى أشير إليه هو فساد شامل : سياسى واجتماعى واقتصادى وأخلاقى وروحى تحمل المدنية الغربية وزره الأكبر ، كما تحمل وزره كذلك فلسفة ونظرية الصراع التى تتبناها وتعمل بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية بوصف خاص .

* * *

     وتؤسس لهذا الفساد الصهيونية العالمية التى تتحكم فى تخطيطها وأعمالها أقاويل         " التلمود " و " بروتوكولات حكماء صهيون  " والتى استطاعت عبر الزمن أن تحكم قبضتها الإعلامية والتوجيهية على سياسة أمريكا وعلى أفكار وسلوكيات المجتمع الغربى عامة والمجتمع الأمريكى بوصف خاص .

     كما لا ينجو من المسئولية عن هذا الفساد والمشاركة فيه العالم العربى الإسلامى الذى تملكته ـ فى ظل الخواء الروحى وغيبة الإسلام ـ حالة الانبهار والافتتان            بالمدنية الغربية فمضى يتبعها فى تقليد أعمى أُحكمت به حلقات الفساد على العالم كله فأصبح على حافة الكارثة .

* * *

فأما عن الفساد السياسى :

     فقد سيطرت على العالم الغربى سياسة " الماكيافيللية " التى تبرر الغاية فيها الوسيلة ، بمعنى أنه يجوز فى سبيل الوصول إلى الغاية استخدام كل الأساليب مهما تكن منحطة وغير أخلاقية مادامت توصل إلى الغاية المرجوة .

      فمثلاً إذا كانت الغاية هى الإخضاع والسيطرة على شعب من الشعوب فلا مانع فى سبيل تحقيقها استخدام كل الوسائل وأحطها وصولاً إلى هذه الغاية .

    

وأمثلة هذه النماذج مشهورة ومعروفة فى العالم كله .. هذا فى الأسلوب الغربى .

* * *

     أما السياسة فى الإسلام فمن ناحيتى الغاية والوسيلة فهما معًا قائمتان على المشروعية والأخلاق والإنسانية .

     وعلى سبيل المثال : فإن إباحة الجهاد ( القتال ) ارتبطت كما سبق ذكره بغايات ليس بينها الاستعمار أو إخضاع الشعوب بهدف استغلال أرضها أو تغيير عقيدتها ، بل كان من غاياتها تحرير الشعوب ممن احتلوها وعذبوا أهلها ، حتى ولو كان المحتلون على دين أهل البلاد على نحو ما حدث فى مصر إذ كان فتح مصر تحريرًا لها من بطش     الرومان .

     وكان الجهاد دفاعا عن المستضعفين فى الأرض تحريرًا لهم من عدو لا يستطيعون مقاومته .

* * *

أما عن الفساد الأخلاقى :

     وأخص به هنا الانفلات الكبير من الفضائل والتقاليد الأخلاقية  التى تحدثت عنها الأديان السماوية ، فإن هذه القيم قد تراجعت كثيرًا فى العالم الغربى بسبب تهميش دور الدين وإحلال العلمانية المادية مكانه ..

* * *

     وهنا وجدت القوى الشيطانية فرصتها لإفراغ الإنسان من محتواه الإيمانى والدينى ، فسيطرت وسائل الإعلام اليهودى الصهيونى ورأته فرصتها لامتلاك حس ووجدان الشباب وغرائزه الجنسية لتتمكن من إخضاعهم لها وقيادتهم إلى التسليم والقبول بكل ما يدعونهم إليه .

     وأصبح من الأمور المألوفة فى المجتمع الغربى شيوع مسائل الشذوذ كزواج           الرجل بالرجل والتصريح للفتاة بأن تجرب الشاب الذى يتقدم إليها بقصد الزواج فإن أعجبها أكملت المشروع معه ، وإلا جربت غيره وغيره حتى تقتنع ؟!!

     ولست أدرى أى فارق بين انحدار الأنثى ـ إلى هذه المرحلة وبين أنثى الحيوان ، بل إن الأنثى فى حيوانات كثيرة لا تقبل أن يباشرها إلا الحيوان الذى ارتبطت به !

* * *

     والمخزى أن مسألة الانفلات الجنسى فى الحضارة الغربية لا تشكل أى قلق للمسئولين وقادة الفكر والمجتمع ، وإنما تعتبر هذه عندهم من " الحريات الخصوصية " التى هى حسب زعمهم أنها حقٌ للأنثى والذكر .

     وكان من نتائج هذه الانفلات تسجيل حالات وبنسب عالية من حمل الطالبات فى المدارس والجامعات وابتلاء المجتمع بأطفال مجهولى النسب والهوية .. وأيضًا تحميل بعض الأزواج .. مسئولية أن يربوا أولادًا ليسوا من أصلابهم ؟!

* * *

الفساد الاقتصادى وانقسام العالم إلى شمال وجنوب

     ربما يعجب إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا أن ينقسم العالم المعاصر إلى شمال فيه الثروة والوفرة والارتفاع الهائل لمستوى دخول الأفراد ، وإلى جنوب فيه الفقر والمرض وانخفاض مستوى الدخول إلى ما لا يكفى الاحتياجات الضرورية      للإنسان .

     أقول ربما يعجبون أو يدهشون لأنهم لا يستشعرون ما يستشعره مواطن الجنوب         ( العالم الثالث ) فى جملته ، من وطأة الحرمان وقسوته ومشاعر الذل والحقد معًا على الأغنياء ـ ( كل الأغنياء ) الذين يراهم المحرمون يتقلبون فى النعمة بينما يعانى هو وأسرته الحرمان إلى حد الجوع .

* * *

     وتوضيحًا لنوع وعينات هذا الفساد الاقتصادى أشير إلى أن بعض الدول المعروفة بوفرة " الزبد " فى ديارها تقذف بالفائض منه إلى المحيط حتى لا ينخفض سعره بقانون العرض والطلب ..

     ودول أخرى فى عالم الشمال ـ  تحرق فائض القمح حتى لا ينخفض سعره وتنخفض أرباحهم ..

     وأخرى ترصف الطرقات بفائض القطن حتى لا تنخفض أسعاره كذلك . وجميع دول الشمال التى أشرنا إليها لا تفكر أبدًا فى الجياع والعرايا والمرضى والمحتاجين أشد الحاجة إلى قطعة زبد أو كوب لبن لأطفالهم ، والمحتاجين كذلك إلى بعض القمح ليصنعوا منه خبزهم .. ثم المحتاجين دائمًا إلى فائض ذلك القطن لينسجوا منه ثيابهم أو على الأصح لينسجوا منه أكفانهم قبل أن يوضعوا فى القبور عرايا !

* * *

الحاجة إلى الإسلام :

     فى هذا المناخ الذى ضربت بعض أمثلته تكون الحاجة قصوى وكبيرة إلى فلسفة الإسلام فى شئون المال والثروة وتوزيع الدخول وهذا ما نعرض له .

     بداية أشير إلى أن للإسلام فى علاقة الإنسان بالمال رؤية بالغة العدل وعظيمة الرحمة بالفقير والغنى على السواء .

     وأساس هذه الرؤية وهذا التوجيه يقوم فى الإسلام على ما يأتى :

أولاً : أن المالك الحقيقى للمال فى الإسلام هو الله لقوله تعالى :  ] وآتوهم من مال الله الذى آتاكم [ (1) وقوله تعالى : ] ولله ميراث السموات والأرض [(2).

ثانيًا :  أن الإنسان مستخلف عن الله فى تملك المال ( فهو بمثابة الوكيل )  لقوله تعالى  :  ] وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  [  (3) .

ثالثًا : أن لكل إنسان من خلق الله حق فى مال الله ( رزق الله ) على أساس أن الله هو الخالق للناس جميعًا وهو المتكفل برزقهم كما فى قوله تعالى : ] وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها  [  (4) .

رابعًا : الاستخلاف عام لكل البشر ولا يحصل الأفراد على حق الملكية إلا مقابل عملهم ،  ومن ثم فالملكية الخاصة للفرد هى ملكية أمانة يلزمه أن يحافظ عليها وينميها ليستفيد ويُفيد .

خامسًا : وضع الإسلام للثروة والمال ضوابط أخلاقية وحضارية تحمى الفرد والمجتمع من جنون الثروة وما تحدثه من البطر الذى يصيب بعض من يتوفر لهم الغنى فيحسبون أنهم قد استغنوا عن رازقهم وخالقهم كما أشار القرآن فى قوله : ] كلا إن الإنسان        ليطغى * أن رآه استغنى .. [ (5) .

*  كان من هذه الضوابط الأخلاقية تذكير الأغنياء دائمًا بأن فى أموالهم حقوقًا معلومة للفقراء عليهم أن يؤدوها لقوله تعالى: ] وفى أموالهم حق للسائل والمحروم [(6).

] والذين فى أموالهم حق للسائل والمحروم [(7).

* فرض الإسلام على المال زكاة لابد أن تؤدى فى نهاية كل عام واعتبر هذه الزكاة الركن الثالث بين الأركان الخمسة للإسلام ، كما أبيح قتال من يمنعونها كما حدث فى قتال أبى بكر لمانعى الزكاة باعتبارها حق المجتمع فى أموال الأغنياء . وحدد المصارف التى تصرف فيها ، وذلك فى قوله تعالى : ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم  [ (8) .

* وبناء على ما هو مقرر إسلاميًا ـ كما سبقت الإشارة ـ من أن المال مال الله          والمالك الحقيقى للمال هو الله والناس مستخلفون فيه . فإنه عند الأخذ بهذا المبدأ الإسلامى لن يوجد على وجه الأرض جائع أو محروم .

     حيث إن الإسلام بصريح توجيه الآيات فى القرآن الكريم قد شدد فى أكثر من آية على تذكير الأغنياء بما فى أموالهم وفى أعناقهم أيضًا من حقوق عليهم أن يؤدوها لذوى    الحاجات فى المجتمع ، حيث قال فى غير ما سبق ذكره فى قوله تعالى: ] وآتوهم من

مال الله الذى آتاكم .. [(9)، وقوله تعالى : ] ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو.. [(10). ثم أكدت الأحاديث النبوية هذا الاتجاه فى قوله صلى الله عليه وسلم : [ ليس منا من بات شبعان وجاره ( جائع ) وهو يعلم ] (11) وقوله صلى الله عليه وسلم : [ إذا بات مؤمن جائعًا فلا مال لأحد ] (12) .

* * *

     على أن رعاية هذه الحقوق التى للفقراء فى أموال الأغنياء لم تترك للطبيعة الإنسانية التى قد يسيطر عليها الشح ويغلبها البخل ، وإنما أصبحت وكأنها عرف عام يلتزم به المجتمع كحق مقرر . وفى هذا قال الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى : ( أنى لأعجب للرجل لا يجد قوت يومه ثم لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه ) .

وهذا الأمر نفسه قننه الفقهاء بما تحدث الفقيه الجليل الإمام ابن حزم فى كتابه عنه حيث قال : ( إذا مات رجل جوعًا فى بلد اُعتبر أهلها قتلة أو مشاركين فى قتله يجب عليهم الدية) .

* * *

رؤية الإسلام للظروف الطارئة للمجاعات :

     فى المجاعات والظروف التى تتعرض فيها المجتمعات لكوارث تدمر مزارعهم ومصادر أرزاقهم ، فالإسلام فى هذه الحالة يقرر أن يشترك الجميع فيما هو متاح ولا يسمح لأحد أن يحوز أكثر من حاجته . وحين يصبح الأمر تهديدًا للحياة يكون المال وكل          ما بأيدى الناس حقًا للجميع يتقاسمونه إنقاذًا لحياتهم كما يتقاسمون شربة الماء إذا فرغ الماء الذى معهم فى الصحراء ، وذلك إعمالاً لقوله تعالى : ] ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو[(12)، وقوله صلى الله عليه وسلم :[ إن الأشعريين كانوا إذا أرملوا فى الغزو ، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم فى ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد بالسوية فهم منى وأنا منهم ] (13) ، وقوله صلى لله عليه وسلم : [ كل شىء فَضَلَ    

 ( زيادة ) أو ظل بيت أو كسرة خبز أوثوب يوارى ابن آدم فليس لابن آدم فيه                حق ] (14) ، وواضح من الآيات والأحاديث التى سبقت الإشارة إليها أنها تضع العلاج الإسلامى للحالات والظروف الاستثنائية .

* * *

حدّ الكفاية حق أساسى لكل إنسان فى مال الله :

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا : أرأيتم مثل هذا التسامى الإسلامى العظيم فى تحديد علاقة الإنسان بالمال وكيف أحاطها بالتشريعات وبالضوابط الأخلاقية التى تجعل المال فى خدمة الإنسان وفى حماية حياته وكرامته بحيث يكون سيدًا للمال فى كل حال بينما المال فى مجتمعاتنا المعاصرة قد تحول ـ بفلسفة وتوجيهات الرؤية الرأسمالية ـ إلى إلّه على الإنسان أن يعبده ويخضع له ومكنت لسلطانه حتى أصبح يقيم الدول ويهدمها ويصنع الأزمات ويتحكم فى رقاب البشر .

أما الإسلام فقد وضعه فى الإطار الأخلاقى الذى أنزله من عليائه وحدد وظيفته فى أن يكون خادمًا لعباد الله محققًا لمصالحهم لا سيدًا عليهم .

* * *

     وهنا نتساءل : هل الإسلام يحرّم الغنى أو يحرّم السعى لكسب الثروة والمزيد منها ؟ وأقول : هذا أمر يرفضه الإسلام ولا يقره . فالله تعالى يأمر عباده بالسعى والكدح للحصول على الرزق والحصول على الغنى فى مثل قوله تعالى :  ] فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه [ (15) وقوله صلى الله عليه وسلم  : [ نعم المال الصالح للرجل          الصالح ] (16) .

     وفى عهد النبوة كان بين صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم رجال أغنياء نذكر منهم عبد الرحمن بن عوف وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان الذى أصبح الخليفة الثالث للمسلمين بعد عمر بن الخطاب .

     فالإسلام لا يرفض الغنى بل يدعو إليه ويحبذه ، فيقول صلى الله عليه وسلم  : [ إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس] (17) ويقول صلى الله عليه وسلم : [ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ] (18) .

* * *

     لكن هذا الغنى مقيد فى الإسلام بضوابط أخلاقية منها :

* أن يُكتسب من حلال وينفق فى حلال فلا يكون من غصب أو سرقة أو ما يماثلهما .

*أن يتم توظيفه التوظيف الأمثل لخدمة عباد الله أفرادًا أو جماعات  .

* ألا يستعبد الإنسان فيتحول الإنسان إلى أسير له مهمة حراسة دون أداء حق الله وحق المجتمع فيه .

* نفّر الإسلام وحذّر من النموذج القارونى ( رجل من قوم موسى آتاه الله من المال الكثير فرفض أن يؤدى حق الله ( حق الفقراء والمساكين ) فيه فخسف الله به وبداره وأمواله الأرض ) (19) .

* أن يكون أساس علاقة الإنسان بالمال أن يستبقيه فى يده ولا يسلمه قلبه .

* * *

     ولقد كان لهذا التوجيه الإسلامى فى علاقة الإنسان بالمال أثره العظيم فى نفوس صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يجودون به طيبة نفوسهم .

     ونذكر هنا عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضى الله عنهما اللذان جهزا من مالهما الخاص جيشًا بأكمله يسمى جيش العسرة ، حيث كانت الغزوة التى خرج لها هى غزوة تبوك فى مواجهة الروم ، وكان المسلمون فى عسر شديد فقام الصحابيان الجليلان بتجهيز الجيش من مالهما الخاص لا يبغيان من ذلك إلا مرضاة الله ورسوله .

* * *

 ــــــــ

ومثل آخر له دلالته على تخليص نفوس صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من نقيصة البخل وشح النفس بل وتدل على ارتقائهم إلى مستوى من السخاء والجود بالمال طيبة نفوسهم واضعين المال فى الموضع الذى يجب أن يوضع فيه .

     ذلك هو موقف الأنصار الذين استقبلوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معهم بعد ما خرجوا من مكة إلى المدينة تاركين خلفهم ديارهم وأموالهم ، فإذا الأنصار يستقبلونهم بكرم وسخاء ما بعده كرم ولا سخاء .

     وذلك عندما آخى النبى صلى الله عليه وسلم بالتجربة العظمى والفريدة فى مجال التكافل الاجتماعى لم يسبق ـ بل ولن يلحق بها ـ مثيل فى التاريخ .

     فقد كان الأخ من الأنصار يقاسم أخاه من المهاجرين داره أو خيمته ويقاسمه       كذلك ماله معبرًا بذلك عن الارتقاء الحضارى والسمو النفسى فوق إغراء المال          الذى كان عليه أهل المدينة ( الأنصار ) عند استقبالهم للرسول وللمهاجرين .

* * *

     ولقد وضع القرآن على صدور " الأنصار " بسبب هذا الموقف الإيمانى والإنسانى العظيم والنادر .. وضع على صدورهم هذا الوسام الذى سجلته الآية الكريمة فى قوله     تعالى فى سورة الحشر : ] والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون  [ (20) .

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     ما رأيكم فى هذه التجربة التاريخية والفريدة ـ تجربة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار على يد الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة ؟!

   هل يمكن ـ مثلاً ـ أن نطمع أو نطمح إلى إعادة تجربتها اليوم بين أهل الشمال الذين يملكون الوفرة والثروة فى بلادكم وبين أهل الجنوب ( العالم الثالث ) الذين           لا يملكون إلا الفقر والتخلف والجهل والمرض !

     بل هل يمكن إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا أن نطمع أو نطمح إلى أن تتنازل دول الشمال فى أوروبا وأمريكا عن بعض ديونها أو حتى عن فوائد بعض ديونها التى لها فى رقاب المدينيين فى دول إفريقيا وآسيا وغيرها من دول              الجنوب !

* * *

     وأخيرًا هل أن نطمع أو نطمح إلى أن يتوقف تجار السلاح فى بلادكم وتتوقف بعض المصانع التى تنتجه حرصًا على المزيد من أرباحهم وأرصدتهم ؟

     هل نأمل أن يتوقف هؤلاء ـ أفرادًا ودولاً ـ عن هذا الإنفاق الرهيب فى صناعة وتجارة السلاح ليوفروا مال الله الذى يستخدمونه فى الدمار ويحولونه إلى تجارة رابحة مع الله تُسقط الدين عن المدينين وتعالج المرضى وتكفل اليتامى وتنزل بأسعار الحاجات الضرورية للبشر الذين هم فى أشد الحاجة إلى الغذاء والدواء ؟؟!! 

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا

     وإذا كانت أحوال العالم اليوم قد بلغت هذا الحد المخيف من المظالم والفساد ،      حيث انقسم العالم إلى شمال فيه الثروة والعلم وغطرسة القوة وإلى جنوب مظلوم فيه الفقر والجهل والمرض والتخلف .

***

     وحيث شاءت الظروف بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتى وانفراد أمريكا بالسيطرة وحدها على العالم تتحكم فيه بنظرية الصراع التى قال بها " صموئيل هانتنجتون " فى كتابه معتبرًا " الإسلام " وحده هو العدو الأوحد الذى يجب على الغرب التخلص منه .

***

وإذا كان نصف قادة العالم ( الذين يمثلون العالم الثالث ) قد أدركوا مخاطر المستقبل ومخاوفه فاجتمعوا فى جوهانسبرج فى مؤتمر " قمة الأرض " يصرخون من خلاله طالبين سرعة إنقاذ الأرض ومن عليها من البشر والأحياء ، بل إنقاذ الأرض ذاتها مما أنزله بها الغرب من المظالم والتلوث الذى حطم الإنسان وأفسد البيئة ويمضى بها إلى الدمار والخراب .

***

      وإذا كان هذا كله قد حدث فهو ـ والكثير غيره ـ دليل على أن فى عالم اليوم فسادًا خطيرًا يحتاج إلى من يصلحه ، وظلمًا وعدوانًا يبحث عمن ينقذ الإنسانية منه .. فأقول لكم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     " إن إنقاذ عالم اليوم مما يتهدده من خراب ودمار لن يكن إلا بالإسلام ..

      نعم لن يكون إلا بالإسلام وإليكم الأدلة :

* الإسلام ـ وحده ـ هو الدين الذى شرع وطبق مبدأ المساواة بين البشر جميعًا فى أصل الخلقة والنشأة حيث قال القرآن : ]  يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء .. [ (21) .

* طوال عصر قوة الإسلام وسيادته شهد العالم من العدل والمساواة فى الحقوق والواجبات ما لم يكن ـ ولن يكون له أى نظير فى التاريخ ..

     وطوال عصر قوة الإسلام وجد المستضعفون فى الأرض من ينصفهم ويحمى وجودهم ويدفع عنهم ظلم الظالمين وفسادهم .

     وطوال عصر قوة الإسلام كان الحق والعدل وصيانة حقوق الإنسان هو الراية التى ترفرف على الأرض فتسعد فى ظلها وينعم برحمتها كل من على الأرض من الإنسان والحيوان والبيئة ..

     فلما تراجعت قوة الإسلام وسادت مدنية الغرب سادت معها ألوان المفاسد والمظالم من استبداد الأقوياء بالضعفاء واحتكار الأغنياء لأقوات الفقراء . وقام الغربيون باستعمار إفريقيا وآسيا وسرقة خيراتها وثرواتها بل وبنوا مدنيتهم على أنقاض عالمنا الثالث الذين اغتصبوا خيره وتركوا أهله فى مستنقعات الجهل والعجز والتخلف !

* * *

   

      ولأن التاريخ يعيد اليوم نفسه وربما بصورة  أكثر ظلمًا وأوسع أطماعًا وأوفر حظًا من الشر الذى يصنعه غلبة الفكر والإعلام الصهيونى ـ الذى تحكمه بروتوكلات        حكماء صهيون ومبادئ التلمود التى هى الحاكم اليوم بإعلامها المسيطر على الغرب ـ وخاصة على أمريكا أقول :

     إن التاريخ يعيد نفسه اليوم بصورة أوسع وأفظع وأعظم نصيبا من الشر مما يجعل الإنسانية فى حاجة إلى من يحميها من هذا الدمار الذى تسلح بالسلاح النووى وتقوده وتدعو إليه شياطين الصهيونية العالمية ..

      من هنا لا تجد الإنسانية خلاصها إلا بالإسلام الذى أصبحت الإنسانية إليه أشد    حاجة ..

***

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

    ربما تتساءلون وماذا بوسع الإسلام أن يصنعه للإنسانية اليوم وأهله المسلمون أنفسهم عاجزون عن أن يصنعوا خيرا لأنفسهم ؟!!

     هنا أقول مرة أخرى :

    صحيح أن الإسلام لا يملك القوة التى يستطيع أن يمنع بها " الفرعنة " ويحمى المستضعفين فى العالم ..

     لكن الأمر الذى أدعوكم إليه لا يحتاج إلى القوة إذ لو كانت هذه ـ دعوتنا لوقعنا         فى ذات الخطأ الذى صنعه المتجبرون والأقوياء ـ كما كان سابقا بين أمريكا والاتحاد السوفيتى  .

      ولو كانت للإسلام هذه القوة لما دعونا أبدًا إلى استخدامها حتى لا نقاوم الشر      بالشر ..

      لكننا ـ وبالإسلام ـ ندعو إلى إعمال العقل والحكمة فى مكان الاعتداء بالقوة ، وندعو إلى البحث عن السلام للجميع فى مكان ترويع الآمنين وتدمير الأرض والبشر ..

      بالإسلام ندعو إلى ملاحظة الواقع والوعى بالتاريخ ..

      والتاريخ يقول : لقد ذهب جنكيز خان ونيرون وهتلر ومعهم كل المستبدين فى العالم  كله ..

   وبقى أهل العقل والحكمة ـ بقى الطيبون الذين لم تغلبهم شياطين الشر ولم تضلهم إليه مقولات التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون بقى الحكماء العقلاء وبقيت رسالات السلام والمحبة التى أُرسل من أجلها الرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين ..

***

     ولنأخذ إخوتى بما يمكن أن تصنعه رسالة الإسلام فى إنقاذ البشرية مما هى عليه       وما يمكن أن تتعرض له فى المستقبل من دمار ..

***    

--------------------

(1) النور : 33 .

(2) الحديد : 10 .

(3) الحديد : 7 .

(4) هود : 6 .

(5) العلق : 6ـ7 .

(6) الذاريات : 19 .

(7) المعارج : 24 ، 25 .

(8) التوبة : 60 .

(9) النور : 33 .                                                                     

(10) البقرة : 219 .

(11) أخرجه الإمام أجمد فى مسنده عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه 1/55 .     

(12) أخرجه أبو داود .

(13) رواه البخارى فى كتاب الشرك ـ باب 1 . 

(14) رواه الإمام أحمد عن عمرو بن العاص فى مسنده حديث رقم 18236 .                                                      

(15) الملك : 15 .

(16) رواه الإمام أحمد فى مينده من حديث عمرو بن العاص .

(17) رواه البخارى فى صحيحه كتاب الوصايا أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس .

(18) رواه البخارى فى كتاب الزكاة باب 18 .

(19) للمزيد من التعرف عليه انظر ما جاء بسورة القصص ( سورة رقم 28 ) فى القرآن الكريم .

(20) الحشر : 9 .  

(21) النساء : 1 .

أولاً : الإسلام وحقوق الإنسان المضيّعة فى عالم اليوم

    

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

      بعثت إليكم برسالتى الأولى عن الإسلام وحقوق الإنسان مقارنة بما جاء فى الإعلان العالمى للأمم المتحدة ( ديسمبر 1948) بسطت فيها القول عن العدل الذى لا حدود له والذى التزمه الإسلام فى التعامل مع حقوق الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو عقيدته ..

     وحسبى هنا التذكير فقط ـ بما سبق أن أشرت إلى بعضه فى هذه الرسالة  .

     ذكرت فيها أن حقوق الإنسان فى الإسلام لم يسبقها إليه ولم يوازه فيه أى دين آخر لا سماوى  ولا وضعى . وأن هذا الاعتراف بحقوق الإنسان واحترام كرامته كان من أهم أسباب سهولة الفتوحات الإسلامية ، بل دخول الناس فى الإسلام بمجرد ملاحظة سلوك بعض المسلمين فكانوا يدخلون فيه من غير أن توجه إليهم أى قوة حربية على نحو ما هو موجود على أرض الواقع فى شرق وجنوب شرق آسيا ..

***

      ومما يتميز به احترام الإسلام لحقوق الإنسان أنه عند التطبيق على أرض الواقع لم يكن فيه تفضيل كبير على وضيع ولا غنى على فقير ولا حاكم على محكوم ..

***

     وأشير الآن إلى موقف ـ كانت له ظروف سياسية يمكن التعامل بها فى التجاوز عن حقوق الإنسان ، لكن رمز الدولة وممثل الإسلام فى أيامها عمر بن الخطاب أصر على حماية حق الإنسان المعتدى عليه ..

     وهى قصة شهيرة كان بطلها كبير من كبراء عصره وقبيلته يسمى " جبَلة بن الأيهم " وكان يطوف بالبيت بعدما أعلن إسلامه فداس على ردائه رجل من عامة الناس كان يطوف فى اللحظة نفسها .

     عندئذٍ لطمه " جبلة بن الأيهم " على وجهه ، وبلغ الخبر عمر بن الخطاب فأصر على يأخذ الرجل حقه ويلطم الأمير " جبلة " كما لطمه . وقال المحيطون بعمر بن الخطاب : إن هذا لو ذاع فى الناس أن " جبلة " هذا قد لطمه رجل من عامة الناس فربما أدت إلى الحرب أو فى أقل القليل أن يرتد " جبلة " عن الإسلام .

     فأصر عمر على تنفيذ القصاص حرصًا على تطبيق تعاليم الإسلام فى مسألة حقوق الإنسان .

     وعاد الأمير جبلة إلى بلده فأعلن ارتداده عن الإسلام فلما أخبروا عمر بذلك قال : لقد خسرنا رجلاً وإن كان أميرًا لكن الإسلام هو الذى ربح : وفعلاً ربح الإسلام تطبيق مبادئه على الجميع بالمساواة المطلقة فى حقوق الإنسان فكثر الداخلون فيه .

***

  

   إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     تُرى لو أن بلادكم فى الغرب تبنت مبادئ الإسلام هذه وأعلنت حمايتها والتزامها برعاية حقوق الإنسان ..  ساعتها سيكون موقف المظلومين والمضيعة حقوقهم هو موقف الولاء والانتماء بدلا من الرفض والتمرد ..

    بل سيكون موقف ولاء وانتماء للغرب كله فى أمريكا وأوروبا والدعوة إلى تأييد سياستها فى كل ما تنادى به .

     لكن حكامكم لا يقيمون أى اعتبار لحقوق الإنسان ..

     بل إنهم علنا يدوسون هذه الحقوق وينصرون الظالم على المظلوم .

     على نحو ما يجرى من إهدار علنى لحقوق الشعب الفلسطينى فى الدفاع المشروع عن نفسه وعن أرضه ووصف الفلسطينيين بنفس الوصف الذين أطلقه عليهم السفاح شارون بأنهم إرهابيون ..

     وزاد على هذا كله مطالبتهم ـ بنفس المطلب الذى أعلنه شارون ـ من ضرورة إبعاد الرئيس الفلسطينى الذى انتخبه شعبه باختيار حر ..

***

     أقول لإخوتى فى الإنسانية : إن هذا التجاهل والإهدار المستمر لحقوق الإنسان على يد أمريكا يصيب من كانوا يعلقون عليها الآمال فى تخليصهم .. يصيبهم بإحباط عميق وفقدان الثقة فى مصداقية أمريكا ـ ليس الشعب ولكن الإدارة الحالية إدارة الرئيس          بوش .

      ولأن وقوف أمريكا بجانب حقوق الإنسان سيكون لها لا عليها فعليكم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا أن تدعو الإدارة الأمريكية الحالية إلى تعديل سياستها بما يكون حتما فى مصلحة أمريكا ، ويجعل العالم كله يرحب بقيادتها له ويكون عونًا لها وحارساً لمصالحها ..

     أما هذا الانحياز الذى تمارسه الإدارة الأمريكية إلى إسرائيل وإلى الممارسات التى يرفضها العالم كله فى أوروبا وفى المنطقة العربية ضد مسألة ضرب العراق ، فإنه يخصم الكثير من رصيد التقدير والمحبة لأمريكا الدولة والشعب ..

     ومن ثم يكون الأمل فيكم مواطنى وشعوب أمريكا وأوروبا أن تفعلوا شيئًا لحمل قادة بلادكم على الإنصاف والعدل ..

      أما إذا بقى الغرب فى أمريكا وأوروبا على هذا الإهدار لحقوق الإنسان ، فلن يكون أمام البشرية  إلا دعوة الإسلام لينقذهم وينقذ العالم كله مما يعانيه ..

***

ثانياً : الإسلام وحماية الأرض من الدمار الشامل ( التى انعقدت لها قمة جوهانسبرج )

      كانت كلمة رئيس جنوب أفريقيا ورئيس المؤتمر وكأنها شكوى أهل الجنوب فى إفريقيا وآسيا مما يتعرضون له وتتعرض له بلادهم من أخطار التلوث الهائل الذى لم يقتصر ضرره على الإنسان فقط ، وإنما امتد إلى الحيوان والنبات والحياة والأشجار وإلى الأرض ذاتها ..

***

     ولم يكن هذا التلوث صناعة أهل الجنوب فى إفريقيا وآسيا ، وإنما كان فى معظمه صناعة أهل الشمال الذين كانوا يصدرون إلى العالم الثالث المبيدات الملوثة والتى تضر الزروع والثمار والإنسان ..

      بل كانوا يصدرون إليهم البذور الملوثة التى تضر الأرض والإنسان أكثر مما تضر الشجر ..

     وكان عجيبًا مثيرًا أن يكون نصيب أمريكا ( أكبر وأعظم وأقوى دولة فى العالم من دمار التلوث هو ما يعادل 25% خمسا وعشرين بالمائة بين الدول .

       ونقف فى البداية أمام التحذير القرآنى الصريح من الإفساد فى الأرض بأى وجه من الوجوه . وننبه الإنسان فى البداية إلى أمرين :

أولهما :  أن الحق تبارك وتعالى جعل هذه الأرض مهادا ومعاشا للإنسان ، ولهذا خلقها سبحانه بإبداع وإحكام وتوازن يجعلها صالحة له ولذريته  ..

* * *

 

مهمة الإنسان فى الأرض إعمارها :

 

     وهذا التوجيه الذى حدد به القرآن الكريم للإنسان مهمته فى هذه الأرض يعمرها      ولا يفسد فيها فقال سبحانه :

    ] هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها [ (1) .

      ويتضح من سياق ما سبق ذكره من الآيات إضافة إلى ما كشفته المعارف العلمية الحديثة أن الأرض لكى تستمر صالحة لحياة الإنسان عليها يجب أن تبقى كما خلقها الله تعالى مبنية على التوازن البيئى بين عناصرها ( الأرض والماء والهواء ) .. الأرض بصلاحها للإنبات الطيب الذى لا تفسده يد الإنسان بسوء الاستخدام من حيث العبث بتربتها أو إضافة ما يفسد عناصرها . والماء بحيث تبقى عذوبته يسقى النبات فينمو           ولا يموت . والهواء بحيث يبقى كذلك مصونا من عناصر الإفساد فينقل اللقاح والأشعة الصالحة لكل ما حوله من نبات وحيوان وإنسان .

        وهكذا يتم التوازن البيلوجى الطبيعى فيصبح كل شىء كما كان قبل                عصر الصناعة ، وقبل أن تتدخل يد الإنسان فتحدث الخلل فى التوازن البيولوجى الذى فسدت به الأرض وفسد الهواء ، فتلوثت البيئة وانعكس تلوثها على الإنسان والحيوان والنبات ..

***

     وهنا تحققت النبؤة القرآنية التى قالت : ] ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون [ (2) .

     وهى تقرر مسئولية الإنسان عن الإفساد الذى أحدثه فى التوازن الطبيعى فى البيئة بتدخله الضار لها .

      ونلحظ فى هذه الآية أمرين لهما دلالتهما :

أولهما :  قوله تعالى : ] بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا [ وفيها الإشارة الواضحة لما انعكس على الإنسان نفسه من الأضرار نتيجة تدخله المفسد للبيئة فأصبح يعانى من التلوث والأمراض المختلفة التى لم تكن معروفة من قبل .

وثانيهما :  قوله تعالى فى الآية نفسها : ] لعلهم يرجعون [ بما يعنى أن تذكير الإنسان بمسئوليته عن الإفساد فى الأرض وما نزل به من أمراض وأضرار يرجى أن يكون هذا التذكير منبها له ليرجع عن استمراره فى الإفساد ويحاول التوبة والتكفير عن خطيئته  ويعمل على إصلاح ما أفسده ..

    وهذا ما يحاوله العالم اليوم بعد إدراكه لحجم الكوارث التى تهدد الأرض ومن عليها بالدمار الشامل .

     ولأن التلوث لا يقتصر على من يصنعه مثل التلوث الذى أحدثته الدول الصناعية فى أوروبا وأمريكا وأدى إلى الكارثة المعروفة بثقب الأوزون ـ وهو الطبقة التى جعلتها إرادة الخالق الأعظم سبحانه لحماية الأرض وما عليها ومن عليها من الأشعة الضارة .

    لأن هذا التلوث قد شمل العالم كله ولم يبق قاصراً على من تسببوا فى إحداثه فى أمريكا وأوروبا ، فقد أعلن علماء البيئة المحدثون أن التلوث لا يعرف الحدود بين الدول .

      وفى مواجهة هذا الخطر الذى أدى إلى ارتفاع حرارة الكون عن معدلها بما يتبعه من ذوبان الثلوج القطبية والفيضانات المدمرة من ناحية ، ثم ما يستتبعه كذلك من التصحر فى كثير من الأراضى من ناحية ثانية ..

      فى مواجهة ذلك الخطر بدأ الإنسان يتحرك ويعقد المؤتمرات للنظر فى الأمر :

* فكان مؤتمر الأمم المتحدة الذى عقد فى استوكهولم 1974م .

* وكان مؤتمر الأمم المتحدة الثانى الذى عقد فى ريو دى جانيرو فى يونيو 1992م وأطلق عليه اسم مؤتمر قمة الأرض .

* ثم كان المؤتمر القريب الذى عقد فى جوهانسبرج بجنوب إفريقيا وأيضاً باسم مؤتمر قمة الأرض أغسطس 2002م . والذى سنعرض فيما بعد لنتائجه .

     وكل هذا لمحاولة إصلاح ما أفسدته يد الإنسان الضارة بتدخلها فى خلق الله ، والتى نبه إليها وحذر منها الإسلام فيما سبق ذكره من الآيات ، وأيضًا ما جاء فى الأحاديث النبوية التى لا يتسع المقام لذكرها الآن .

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا  :

     فهل من سبيل إلى تنبيه الإنسان الغربى لكى يستمع إلى ما دعا إليه الإسلام مما ذكرنا بعضه فى القرآن والسنة النبوية عن مخاطر التدخل البشرى فيما صنع الله والتى ظهر فسادها وهددت العالم كله بالدمار ؟

     هل من سبيل إلى أن تتذكر الدول الغربية الكبرى وفى مقدمتها أمريكا أن التلوث       لا يعرف الحدود بين الدول ؟ .. وأنه إذا حدثت القارعة فلن يسلم منها أحد ؟ ‍!!

     إن مشكلة الغرب فى تقديرى ـ وخاصة أمريكا أنهم يتسابقون فى السيطرة على كل شىء فى العالم من خلال التدفق الدائم فى صناعة السلاح بما يتكلف من الإنفاق الرهيب الذى لا يوظفونه لخدمة متطلبات السلام .

     ومشكلة الغرب كذلك ـ وخاصة أمريكا ـ هى حالة الأنانية الغريبة التى تسيطر عليه فلا يفكر إلا فى نفسه وفى منع الآخرين ـ فى أى مكان آخر أن يكونوا أندادًا له ليبقى وحده على قمة الكون ولو تسبب ذلك فى الدمار الشامل ..

     ***

    إنها نفس الخواطر التى عاشها فرعون مصر فى القديم حين قال لقومه : ] أنا ربكم الأعلى [ (3) لكن ما حدث لفرعون جدير بأن ينبه وينذر كل من يحاول ـ ثانية ـ أن يقول : أنا ربكم الأعلى ـ أنا رب هذا الكون وأنا سيده وحدى ..

    ما حدث لفرعون مصر من إغراق الله سبحانه وتعالى له ولجنوده هو إنذار لم يتخلف ولن يتخلف لكل من يحاول فى عصرنا أن " يتفرعن " ( يكون مثل فرعون ) أن يكون مصيره مصير فرعون مصر .

     خطر القارعة التى تشمل الجميع :

     لكن أخوف ما نخافه ـ وقياسًا على ما قاله علماء البيولوجيا المحدثون من أن التلوث لا يعرف الحدود بين الدول أن يكون بلاء " الفرعنة " كذلك ليس وقفا على المتفرعنين وحدهم ، بل يمتد كذلك إلى جميع من تركوا هذا " الفرعون " فلم يقولوا له .. لا ..

فلا يقف الانتقام من " الفرعون " وحده ، بل يمتد ليشمل كل من سكتوا على " تفرعنه " .

وهنا نكون أمام تحذيرين خطيرين للعالم كله من ترك الفرعون " يتفرعن " :              أولهما : كان خاصا بقوم فرعون وملته الذين أطاعوه وشاركوه ـ بالسكوت ـ عن غروره وقال عنهم القرآن : ] فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين [ (4) . وقد أنزل الله بهم من البلاء ما لا حاجة هنا إلى ذكره ..

 وثانيهما : وهو الإنذار الأكبر والأخطر أن تُنزل السماء لعنتها وبطشها بجميع أهل الأرض الذين غرتهم قوتهم وتفوقهم العلمى فظنوا أنهم أصبحوا أكبر من أن ينالهم غضب السماء .. فساعتها تكون القارعة الكبرى قارعة النهاية ... نهاية الكون كله بما فيه ومن فيه وهو ما حذر منه القرآن فى قوله : ] حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن            بالأمس [ (5) .

      إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

    الأمر جدّ خطير والنذر تملأ الآفاق من حولنا وعلينا جميعًا أهل الشمال وأهل الجنوب والأقوياء والمستضعفين ..علينا جميعًا أن نتحرك وأن نصنع شيئًا للحيلولة دون الكارثة ..

     فهل تتكاتف أيدى كل الشرفاء والعقلاء والطيبين فى العالم لنؤجل النهاية المحتومة للإنسانية كلها إذا مضى الإنسان فى غروره .. ؟!

     هل تتكاتف أيدى الطيبين لنؤجل القارعة ونتيح فرصة أكبر لعالم مطمئن يسوده المحبة وتتفتح فيه الزهور ويغنى فيه الأطفال وهم يحتفلون بأعياد ميلادهم ؟؟ !!

     إن يدى ممدودة ، وستظل ممدودة للتعاون لحماية أنفسنا من المفسدين فى        الأرض ؟؟!!

فهل تفعلون ؟؟!!

* * *

      ونعود كما وعدنا إلى قمة الأرض فى جوهانسبرج وما جرى فيها :

كلمة رئيس جمهورية جنوب إفريقيا فى افتتاح قمة الأرض المنعقدة بجوهانسبرج فى  27/8/2001م :

     إن الفقر ونقص التنمية والظلم واللامساواة بين الدول المختلفة بالإضافة إلى تفاقم الأزمة البيئية فى سائر أنحار الكرة الأرضية تلخص أبعاد الظل الكئيب الذى يعيش تحته معظم سكان كوكب الأرض ..

ثم قال :

   وإن بالإمكان تغيير هذه الصورة . فلأول مرة فى التاريخ الإنسانى أصبح فى قدرة البشر معرفة الموارد التى تكفى لاستئصال الفقر والتخلف ثم دعا رئيس جنوب إفريقيا إلى التوصل إلى نتائج ملموسة وأكد على أهمية وضرورة التضامن بين الحكومات المشاركة فى المؤتمر للتصدى لقضايا الفقر والتخلف واتخاذ الإجراءات اللازمة لخفض عدد الفقراء فى العالم حتى عام 2015 وقال :

     إن العالم ليس فى حاجة لاتفاقيات جديدة من الدول النامية والمتقدمة ولكن فى حاجة لآلية خاصة لتنفيذ تلك الاتفاقيات .

      كما أكد رئيس جنوب إفريقيا رئيس المؤتمر على ضرورة اعتماد خطة  تنفيذية تهدف إلى مكافحة الفقر والتدهور البيئى فى جميع أنحاء العالم ، خاصة وأن العالم يمتلك الموارد الكفيلة لتحقيق الرفاهية للبشرية أجمع بشرط الالتزام بأنماط الاستهلاك الرشيد .

     وأشار إلى اتساع الفجوة بين الشمال والجنوب نتيجة عدم اتخاذ المجتمع الدولى لأى إجراءات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه فى المؤتمرات السابقة ,

     وهو ما يعد إشارة ضمنية إلى الموقف السلبى الذى اتخذته الإدارة الأمريكية تجاه الالتزام بالاتفاقيات الدولية الرامية إلى مساعدة الدول الفقيرة فى تحقيق التنمية .

* * *

     وفى الوثيقة التى قدمتها مصر لهذا المؤتمر أشارت فى مجال مكافحة الفقر أنها كدولة نامية تعانى من الزيادة السكانية المطردة التى تلتهم الموارد .

* * *

وقال أمين عام المؤتمر ( نيفين ديساى ) :

     إن العالم أصبح يعيش فى وسط مناخ يغلب عليه التمييز العنصرى خاصة بين دول الشمال والجنوب وقال : إنه على المجتمع الدولى أن يقاوم هذا التمييز بأقصى                ما فى وسعه .

وقال : إن على قمة جوهانسبرج أن تناقش الأسباب الحقيقية لعدم التزام الدول الغنية بما تعهدت به فى إعلان ريو دى جانيرو الأخير رقم 21 ، وكذلك أن تبحث القمة ما يجب على العالم أن يفعله لضمان تحقيق أهداف التنمية المستدامة ( قمة الأرض ) ، وطالب  بضرورة وضع الإجراءات اللازمة لمواجهة وباء " الإيدز " فى القارة الإفريقية والذى أودى بحياة الآلاف من سكانها .

* * *

     وهنا يجدر الانتباه إلى ما قدمه الإسلام من حلول عملية ودائمة لمحاربة الفقر والتمييز العنصرى على نحو لم يسبق له مثيل . وما سنعرض لبعضه فى الحديث عن موقف الإسلام من العدل الاجتماعى بين البشر .

* * *

----------------------

(1) هود : 61 .

(2) الروم : 41 .

(3) النازعات : 24 .

(4) الزخرف : 54 .

(5) يونس : 24 .

 

ثالثاً : الإسلام والعدل الاجتماعى المفقود فى عالم اليوم

    إثبات أن العدل الاجتماعى فى عالم اليوم مفقود .. لا يحتاج إلى دليل .

لأنه واقع ملحوظ تشهد به طبيعة الأحوال المعيشية لأهل الشمال ( أهل القوة فى أمريكا وأوروبا ) والذين يرتفع مستوى دخول الأفراد عندهم إلى ما يصنع الرفاهية المترفة والمفسدة .. مقارنة بأهل الجنوب الذين يعيش أغلبهم تحت خطر الفقر والذين تسقط دولهم وشعوبهم جميعًا فى هاوية الديون وفوائدها المركبة التى تصل فى النهاية إلى أهل       الشمال .

***

     وأوضح ما يشير إلى هذا الواقع السيئ لأهل الجنوب هو تحرك الأمم المتحدة لعقد قمة الأرض الأولى فى ريو دى جانيرو1992 والثانية فى جوهانسبرج فى جنوب أفريقيا أغسطس 2002م . والتى جاءت فيها كلمة رئيس جنوب إفريقيا بمثابة إعلان صارخ يشكو فيه باسم ملايين الأفارقة وغيرهم من وطأة الفقر التى يعيشونها ، وناشد الدول الغنية أن تأخذ بيد شعوب هاتين القارتين ..

      ولأن الأغنياء فى الغرب وأمريكا خاصة لا يهتمون بما يجرى فى العالم الثالث ، فإنى أود تذكيرهم وتذكير الأغنياء فى العالم الإسلامى قبلهم برؤية الإسلام فى هذا الموضوع البالغ الحساسية والأهمية معاً .

     بداية يعتبر الإسلام أن المال فى أى مكان من أرض الله هو مال الله وتصرح بذلك آيات القرآن الكريم فى مثل قوله تعالى : ] وآتوهم من مال الله الذى آتاكم [ (1) .

      والقرآن فى آيات أخرى يسمى المال رزق الله ، وينبه الإنسان إلى أن الله هو الرزاق وهو الذى يرزق العباد ويتكفل برزقهم بل وبرزق كل كائن حى حيث يقول :         ] وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها [ (2).

     ويتحدث القرآن عن مكان الإنسان فى مال الله بأنه المالك المؤقت ( مالك المنفعة      لا الرقبة ) والوكيل المستخلف عن الله فى التصرف فى هذا المال لقوله تعالى :             ] وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه [ (3) .

***

     ويضع القرآن ضوابط صريحة وحاكمة لضمان حق الفقراء فى أموال الأغنياء ، فيشرّع فريضة " الزكاة " ويعتبرها أحد أركان الإسلام لا يجوز منعها ، ويبيح لولى الأمر أن يقاتل مانعى الزكاة باعتبارها نصيب الفقراء فى أموال الأغنياء . ويحدد مصارف ثمانية تنفق فيها هذه الزكاة باعتبار حاجتهم إليها ، ويأتى ذلك فى قوله تعالى : ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم  [ (4) .

     ثم تأتى السنة النبوية المشرفة لتؤكد على حقوق الفقراء فى أموال الأغنياء وتوجب على الأغنياء .. بل وعلى القادرين فى المجتمع وإن لم يكونوا قد وصلوا مرتبة الغنى فتطالبهم أن يتفقدوا أحوال جيرانهم حتى لا يسقطوا تحت وطأة الجوع . فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ لا يشم ريح الجنة من بات شبعان وجاره طاوٍ وهو يعلم ] .

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : [ إذا جاع إنسان فلا مال لأحد ] .

     وما رواه أبو هريرة أن رسول الله e كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل :     [ هل ترك لدينه من قضاء ] . فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال [ صلوا على صاحبكم ] . فلما فتح الله عليه الفتوح قال : [ أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته ] (5).

    ويأتى الفقهاء المسل  مون ليعلنوا إعلاناً حضارياً إسلامياً يجعل الأغنياء مسئولين مسئولية جنائية إذا مات بينهم فقير جوعا .

    حيث يعتبر الفقهاء أن هؤلاء الأغنياء كالشركاء فى المسئولية عن موته فكأنهم شاركوا فى قتله خطأ .

      وعلى هذا يلزمهم الفقهاء : بأن يدفعوا ديته إلى أهله ..

***

     وهكذا يكون الإسلام عظيماً يحفظ للنفس الإنسانية حقها فى العيش الكريم وحقها فى  التمتع بعزة النفس وكبريائها . بمعنى أن يكون عيشها فى مستوى ما يسميه الفقهاء ( حد الكفاية ) .

      وحد الكفاية يتحدث عنه الإمام ابن حزم فيقول :

إنه يعنى أن يكون لدى الإنسان ـ حتى لا يضطر إلى السرقة أو العدوان ـ أن يكون لديه بيت يؤويه وطعام يكفيه وزوجة وخادم ودابة ( يقصد بها ما يستعمل للركوب من الحيوانات حسب مفهوم زمانهم ) .

      وحدّ الكفاية هذا هو الحد الأدنى الذى يقبل الإسلام أن يكون عليه الإنسان فى   الحياة ..

     ذلك لأنه بموجب الإسلام لا يُسمح بأن يكون فى الإسلام جائع أو محروم بسبب خارج عن إرادته كالعجز والمرض والشيخوخة .

***

     وفقهاء الشريعة يعتبرون الحاكم آثماً ( ظالماً مذنباً ) إذا لم يوفر حد الكفاية لكل       فرد من أفراد الرعية أخذا مما زاد عن حاجة الأغنياء . وهو ما عبر عنه الإمام على       ( زوج بنت رسول الله والخليفة الرابع للمسلمين ) فى قوله على ما جاء فى كتاب               " المحلى لابن حزم جـ6/12 " :

      * " إن الله فرض على الأغنياء ما يكفى فقرهم ، والمعنى نفسه يتحدث به السلف معبرين عن مسئولية ولى الأمر ( الحاكم أو السلطان ) عن توفير الاحتياجات الأساسية لأبسط مواطن من رعيته فقالوا : السلطان ولىُّ من لا ولىَّ له " .

***

      والإسلام بهذا يعتبر من أسبق الديانات السماوية والمذاهب الفكرية فى وضع التقييم الصحيح والدقيق للمكانة التى تصنف بها الدول فى المسئولية الحضارية فى العالم ، وأن مكانة الدولة لا تقاس بمقدار ما لديها من ثروة أو من تفوق تكنولوجى بل ولا بالمستوى المرتفع لدخل الفرد .. وإنما تقاس بالمستوى المعيشى الذى توفره الدولة لأقل وأضعف مواطن فيها ..

      وهنا يكون الإسلام ـ والإسلام وحده ـ هو الدين الأعظم والأرقى والأكثر تحضرًا فى توفيره للعدل الاجتماعى المفقود فى العالم اليوم ..

      ويكون الإسلام ـ والإسلام وحده ـ هو دين المستقبل الذى ستجد فيه الإنسانية حاجتها وآمالها فى الخلاص مما فرضته ومكنت له الحضارة الغربية حضارة أمريكا وأوروبا من المبادئ والمفاهيم الفاسدة التى قننت المظالم وأقرت الشذوذ عن سواء الفطرة وأفسدت حياة الإنسان وفرضت عليه سيطرة الطغاة والمفسدين فى الأرض .

      وحين أتهم الحضارة الغربية بالإفساد فى الأرض ، فإنى لا أقول ذلك بغير دليل        ولا بينه وإنما أتحدث عن واقع رهيب تعيشه الإنسانية فى كل أنحاء العالم صباح مساء وتسجل فيه الحضارة الغربية وحضارة أمريكا بوصف خاص أسوأ أنواع الاستغلال التى يمارسها الغرب الغنى ضد فقراء العالم الثالث عالم الفقراء والمطحونين ، من خلال النهب الربوى الذى تأخذه مؤسستا " صندوق النقد " و" البنك الدولى " من الفوائد الباهظة والمركبة التى تُجاوز أصل الدين ( القرض الممنوح ) عدة مرات .

***

      هذه واحدة وهى كاشفة يعانى منها ويعيشها كل من اضطرتهم ظروفهم من الدول للاقتراض منهما ..

      ولو قدمنا تسجيلا لهذه الحالات هذه لثبت أن العالم الثالث كله كان ضحيتها والمجنى عليه فيها ..

     والثانية هى أكذوبة " المعونات " التى يقدمها الغرب ـ حالة أمريكا ـ للدول الأخرى تحت أى مسمى ..

     فالحقيقة أن هذه " المعونات " لا يبقى منها للدولة الممنوحة إلا أقل من 20% عشرين بالمائة ، بينما باقى قيمة المنحة يعود على أمريكا المانحة فى صورة مستشارين أمريكان ومسائل أخرى تستهلك معظم المعونة .

     وربما قيل : ألا تشكرون الغرب وأمريكا خاصة لما يقدمونه لكم من هذه            المعونات ؟؟

     وأقول : نشكر الغرب ـ وأمريكا خاصة ـ إذا قدمت هذه المعونات خالصة لوجه الإنسانية وشكرا لله الذى مكن لها وزاد فى رزقها من فضله ..

     أما أن تكون المعونة مربوطة بالشروط التعسفية التى تعطى فيها المعونة باليد اليمنى ثم تؤخذ باليد اليسرى ، فهذه ليست معونة بل هى ضحك على الذقون كما تقول الأمثال الشعبية فى مصر ..

     وأما أن تقدم المعونة ويكون بعض شروطها ماسّا بالاستقلال الوطنى للبلاد الممنوحة فهذا عدوان صارخ على استقلال الشعوب ، وهو كذلك ضرب جديد ومبتكر للاستعمار الاقتصادى الذى يتم فيه استغلال فقر العالم الثالث لإخضاعه من جديد للسيطرة            الغربية . فهل هذه معونات ؟! وهل يجوز لنا أن نشكرهم عليها ؟!

* * *

 إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

       إن الإسلام فى تحديده لمصارف الزكاة حدد واحداً منها لمن يسمون " أبناء          السبيل " ، والمراد بهم من يكونون على سفر وينفد ما بأيديهم من المال والزاد ويحتاجون لمن يعينهم على العودة إلى بلادهم فهؤلاء يقرر الإسلام لهم حقًا فى مال المسلمين ولو كانوا هم غير مسلمين .

     وهذه إحدى القسمات الحضارية للإسلام العظيم الذى لا تغيب عنايته أبداً من رعاية الإنسان والحفاظ على أن يصله حق من رزق الله إليه ( مال الله ) ولو كان عابر سبيل نفد منه زاده فيفرض على المقيمين فى الديار ممن يمرّ بهم هذا العابر السبيل أن يقوموا برعايته وعونه حتى يبلغ أهله ودياره .

* * *

    ألا ترون ما فى ذلك من رحمة وحضارة يجدر بكم أن تعترفوا للإسلام بها بدل أن تصفوه بالإرهاب ؟!

     وقد أفرز هذا البعد الدينى فى رعايته حق الإنسان ـ كل إنسان ـ فى مال الله .. أفرز بعدًا اجتماعيًا جميلاً حدث فى الواقع الحضارى للمسلمين ، وهو إنشاء ما عرف باسم " الزوايا " و " الربُط " (6) . التى يستضاف فيها المسافرون بين البلاد الإسلامية وتوفَر لهم فيها كل وسائل الإقامة والصلاة دون أى مقابل .

* * *

      فإنى لهذا أدعوكم أن تناشدوا حكوماتكم وتناشدوا وسائل الإعلام لديكم أن تنصف الإسلام وتحاول التعامل معه بعقلانية وموضوعية ، لأن فى هذا خيراً للجميع ومنفعة كبرى للبشرية .

     وبدل أن يشقى العالم بهذا التفاوت المخيف والظالم بين الأغنياء والفقراء وبدل          أن تمتلئ قلوب الفقراء كراهية وحقدًا على الأغنياء ..  

     وبدلاً من أن يعود العالم من جديد إلى مناخ الصراع الطبقى الذى انتهى بسقوط الفكر الماركسى ، فإن ما يقدمه الإسلام للإنسانية يكفل لها الاستقرار ويزيح عنها أسباب الاضطراب والتوتر .

     فهل لكم إخوتى فى الإنسانية أن تناشدوا حكوماتكم ومجتمعاتكم أن تهتدى بهدى الإسلام الذى كله خير وسلام وعدل ؟‍‍!

     إنى آمل وأتمنى . فهل تستجيبون ؟!‍

* * *

------------------------

(1)   النور : 33 .                                                          

(2)    هود : 6 .

(3)   الحديد : 7 .                                                           

(4)    التوبة : 60 .

(5) رواه مسلم فى صحيحه .

(6) المفرد: : زاوية ورباط ويمثلان بلغةعصرنا  استراحات على  الطريق الطويلة تكون معدة لاستضافة المسافرين وإعاشتهم وتوفير أماكن العبادة لهم .وهذا كله دون مقابل يتفق المجتمع الإسلامى على العمل به .

رابعاً : الإسلام وحرية الإنسان

     يمتاز الإسلام بحرصه على صيانة حرية الإنسان واحترامها إلى أبعد مدى بأنها العامل الأكبر فى أهلية هذا الإنسان لمهمة الخلافة عن الله فى الأرض . كما تقررها آيات القرآن الكريم .

     وهذا الاستخلاف للإنسان عن الله فى الأرض ليس بالأمر الهين ولكنه مهمة ذات قدر كبير وخطير لا ينهض بها إلا نوع من الرجال أولى العزم والذين تتوفر فيهم الأهلية لإنفاذ مطالب الخلافة عن الله فى إعمار الأرض حيث خوطب الإنسان عن هذا التكليف بقوله تعالى : ) هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ( (1) . وحمايتها كذلك من الإفساد والمفسدين . وقد خوطب الإنسان بهذا التكليف فى قوله تعالى : ) ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ( (2)

     كما خوطب الإنسان الذى يمكِّن الله له فى الأرض برعاية حدود الله فيها والالتزام بشريعته الدالة على كل ما هو صلاح وخير حسب ما جاء فى قوله تعالى :

      ) الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ( (3) .

     مثل هذه التكاليف التى خوطب بها الإنسان المستخلف عن الله فى الأرض لا ينهض بها ـ كما أشرت ـ إلا نوع من الرجال أولى العزم يكونون قادرين عليها أمناء على طاعة أمر الله فيها .

     والتكوين الأساسى لهذه النوعية من الرجال عماده وقاعدته أن ينشأوا فى مناخ الحرية ويتربوا عليها فى كل أمورهم حتى يكونوا قادرين على إعلاء كلمة الحق لا يخشون فى الله لومة لائم فيستطيعون قمع الفساد والإفساد والتمكين فى أرض الله لكل ما هو حق وعدل .

* * *

_________

     فالحرية المقررة للإنسان ـ فى الإسلام ـ بالمفهوم المشار إليه لا تأتى منحة من حاكم ولا قرارًا من ذى سلطان ولا ترتبط بظروف اقتصادية أو اجتماعية على نحو ما تزعمه بعض الرؤى الفكرية والسياسية المعاصرة .

     لكنها منحة إلهية قررها الإسلام للإنسان ـ كل إنسان ـ بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو عقيدته تكون مصاحبة لميلاده فى الدنيا حتى ليصح أن نقول ـ وحسب المفهوم الإسلامى ـ أن كلمة " أنت حىّ تساوى أنت حر " . وهذا هو ما عبر عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى مقولته الشهيرة : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم  أحرارًا " .

* * *

حرية لا فوضى :

     وقبل أن أعرض لجوانب وآفاق هذه الحرية أنبه إلى أن هذه الحرية فى            الإسلام لا تعنى الانفلات والفوضى بأى حال من الأحوال ، بل حرية منضبطة بإطار أخلاقى طبيعته الالتزام والمسئولية التى تخضع فى النهاية للعقاب والمثوبة . فالإنسان لم يقبل التسخير كغيره من بقية الكائنات التى تضبطها قوانين كونية صارمة لا تتبدل           ولا تتغير . 

* * *

      فالشمس مثلاً ـ كما تحدث القرآن ـ : ) لا ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون ( (4) .

     و" النار " لا ينبغى لها ـ كما تحدث القرآن ـ أن تغير طبيعتها فى الإحراق                    إلا بمشيئة إلهية تخرق ناموسها فتتحول إلى برد وسلام كما قال تعالى فى محاولة قوم إبراهيم عليه السلام أن يحرقوه فإذا الأمر الربانى يغيّر من طبيعتها فى قوله : ) قلنا يا نار كونى بردًا وسلامًا على إبراهيم ( (5) .

_________

     وثمة أنواع من الأشجار مسخرة ومنضبطة كونيًا على أن تُسقط أوراقها فى    الخريف ، فإذا جاء الخريف أسقطتها ؛ وعندما يعود الربيع تنبت أوراقها من جديد .

* * *

وهكذا كل ما فى الكون إلا الإنسان :

     فالإنسان وحده الذى ارتضى لنفسه وبالتكوين الإلهى الذى أودعه الله فيه لحمل   أمانة الاستخلاف .. الإنسان وحده هو الذى آثر أن تكون له الحرية فى الاختيار . وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة : ) إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً ( (6) . فالأمانة            التى حملها هى أمانة الاختيار والتى على أساسها تكون المسئولية ويكون العقاب             والمثوبة .

* * *

_________

 

آفاق حرية الإنسان

     ولأن حرية الإنسان فى الإسلام تعنى تحرير كيانه كله عقله ووجدانه وأفكاره بحيث يصبح وكأنه نموذج للحرية يمشى على الأرض .

      من هنا ومن الطبيعى بحسب المنظور الإسلامى أن يكون المناخ كله الذى يعيشه   الإنسان متمتعًا بهذه الحرية .

     وهذا ما كان عليه مجتمع المسلمين عصر النبوة والراشدين حتى فترة التراجع الحضارى لدولة الإسلام .

     وتجدر الإشارة إلى أن كفالة الإسلام لحرية الإنسان إنما هى لمطلق الإنسان رجلاً    أو امرأة .. غنيًا أو فقيرًا ، محكومًا أو حاكمًا . لأن الجميع يشملهم أمر الاستخلاف عن الله فى الأرض بما له من تبعات كبار لا ينهض بها إلا الأحرار .

     ولأن من أبرز معالم الحرية التى يكفلها الإسلام للإنسان معلم حرية إبداء الرأى ومعلم حرية الاعتقاد ، فإنى أسوق لهما بعض النماذج الدالة عليهما :

فى مقام حرية إبداء الرأى

     تبرز شخصية المرأة المسلمة التى جادلت رسول الله r فى زوجها ونزل بشأنها القرآن الكريم فى قوله تعالى فى سورة " المجادلة " : ) قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ( (7) .

* * *

     ومثل آخر من تقرير الإسلام لحرية الإنسان وحقه فى إبداء رأيه ما جاء فى حالة امرأة تسمى " جميلة بنت عبد الله " التى ذهبت إلى الرسول  r وقالت : " إن أبى زوّجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته وأنا له كارهة " .

_________

 

     فقال r : ليس لأبيك أن يزوجك بغير رضاك . فقالت : يا رسول الله لكنى أجزت  ما صنع أبى . فقال لها r : ولماذا جئت إلىَّ تشكين ؟ قالت : فعلت ذلك ليعلم الرجال    ( الآباء ) أنهم ليس لهم حق فى تزويج بناتهم بمن يكرهنه .

* * *

     فهاتان المرأتان ليستا مجرد سيدتين أبديتا رأيهما فى مشكلة خاصة بهما لكنهما دليل ونموذج على وفرة مناخ الحرية الذى وفره الإسلام للإنسان ليعلن رأيه فيما لا يرضيه ويجاهر به على أعلى مستوى .

* * *

     ونموذج ثالث ـ وهو أيضاً لامرأة ـ عارضت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكان يخطب على المنبر يدعو المسلمين إلى عدم المغالاة فى المهور التى تقدم للنساء عند الزواج .

     فإذا امرأة من آخر المسجد تقف لتقول له : كيف تقول ذلك والقرآن يقول :

     ) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا ( (8) . فرجع عمر إلى المنبر وأعلن عدوله عما كان قاله فى مسألة   المهور .

* * *

     وهكذا ـ كما ترون ـ تربية الإسلام لشخصية الإنسان على الحرية التى رحب بها الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم ، كما رحب بها عمر الذى عاد إلى المنبر واعترف بصحة ما قالته له المرأة أمام المسلمين الموجودين فى المسجد .

     وهذه نماذج لا أجد لها نظيرا إلا فى الإسلام وفى الإسلام وحده .

* * *

_______

أما عن حرية الاعتقاد :

     وهى مسألة تبدو بالغة الحساسية بالنسبة لدين جديد يدعو الناس إلى اعتناقه ـ ويتوقع منه حسب ما يجرى فى زماننا ـ أن يستخدم قوته فى حمل الآخرين على الدخول فيه والانقياد إليه .

     لكننا نرى الإسلام ـ تمامًا على غير ذلك ـ بل إنه يعلن صراحة فى القرآن الكريم إنه : ) لا إكراه فى الدين ( (9) .

     وأسوق إليكم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا قصة هذه الآية . نزلت هذه الآية فى رجل من الأنصار كان اثنان قد تنصرا وأراد أبوهما أن يدخلهما فى الإسلام فاستأذن الرسول r وقال له : ألا أستكرههما ( يعنى أعيدهما إلى الإسلام بالقوة ) فإن أبيا إلا النصرانية فماذا أفعل ؟ فنزلت الآية المشار إليها ( تفسير الطبرى / 3 ) .

     وفى هذا النموذج وحده خير دليل على احترام الإسلام لحرية الإنسان إلى أبعد مدى حتى لو أدت هذه الحرية إلى ترك بعض أبنائه على دين غير الإسلام .

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

      أرجو أن تلاحظوا أن النموذج المشار إليه هو أمر الرسول بترك الولدين ونهى  أبيهما عن إكراههما للرجوع عن النصرانية . وفى هذا دلالة على أن الإسلام لا يُكره أحدًا على الدخول فيه . والإسلام يأمرنا نحن المسلمين جميعاً بهذا . وإضافة إلى ذلك يعتبر شرط صحة إسلام المسلم ألا يفرق بين أحد من رسل الله كما سبق أن ذكرنا .

     لكن المؤسف أنه فيما يأمرنا الإسلام صراحة بالإيمان بجميع رسل الله نرى الآخرين من اليهود والنصارى فى هذا الزمن يرفضون حتى مجرد الاعتراف بالإسلام .

* * *

     ألا ترون ما فى ذلك من رحمة وحضارة يجدر بكم أن تعترفوا للإسلام بها بدل أن تصفوه بالإرهاب ؟!

***

________

الجهـــاد

     أذاعت وكالات الأنباء أن الولايات المتحدة طلبت إلى الدول العربية والمؤسسات الدينية . فى جميع أنحاء العالم الإسلامى ضرورة إعادة النظر فى مناهج التعليم الدينى وحذف كل ما يتعلق بآيات الجهاد فى القرآن أو السنة أو السيرة النبوية من كل ما فيها من دعوة إلى الجهاد والتحريض على الاستشهاد فى سبيل الله ، لأن هذا كما ترى أمريكا هو مصدر الإرهاب والعنف الذى تقول أمريكا أنها نذرت نفسها لمحاربتها . وتقول لأمريكا وللعالم كله :

      إن الجهاد فى الإسلام ينطلق من رؤية مختلفة عما عليه الأمر فى الحضارة الغربية فالجهاد فى الإسلام دفع حضارى لحماية الأرض من الإفساد ، ولحماية معابد الديانات السماوية جميعاً ( اليهودية ، والنصارنية ، والإسلام ) من التدمير والخراب فالجهاد فى الإسلام دفعٌ حضارى لا صراع ،  وهذا ما يُعبر عنه فى الأدبيات الإسلامية بالدفع الحضارى من أهل الحق لأهل الباطل ومن أهل الصلاح للمفسدين فى الأرض .

     وهذا ما تحدث به القرآن الكريم فى قول الله تعالى :] ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز[ (10). وقوله تعالى : ] ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .. [ (11) .

* * *

      والجهاد بهذا المفهوم ومن أجل هذه الغايات النبيلة يعتبر قسمة حضارية يفتقدها عالمنا المعاصر الذى يتحرك فيه العنف وتستخدم فيه القوة فى غير موضعها ..

       كما هو الحال فى المجتمع الغربى ، وفى الولايات المتحدة بوصف خاص ، أخذاً بنظرية الصراع التى أسسها " صمويل هانتنجتون " ، والتى تقوم على توهّم عدو تجب هزيمته والقضاء عليه . وفى سبيل هذه الغاية .

* * *

     وتقوم نظرية وفلسفة " الصراع " على توهّم عدوّ ـ تجب هزيمته والقضاء عليه ، وفى سبيل هذه الغاية يدخل المؤمنون بهذه النظرية وفى طليعتهم الولايات المتحدة _______

يتم السباق الرهيب فى صناعة أسلحة الدمار والتى كان آخرها مشروع حائط الصواريخ كما هو معروف .

* * *

     فما أن فرغت أمريكا من عدوّها وهو الاتحاد السوفيتى حتى توهمت وفق نظرية الصراع عدوا آخر كان هو الإسلام .

      فصرح رئيسها الأسبق ريتشارد نيكسون بذلك فى كتابه " الفرصة السانحة ".

     وشارك البابا يوحنا هو الآخر بما صرح به فى مؤتمر " كولورادو " عن ضرورة سيادة النصرانية على العالم فى مطلع الألفية الثالثة ؛ فلما لم يحدث ذلك أعطى مهلة ربع قرن جديد لتحقيق ذلك .

* * *

     القوم إذن أسرى فلسفة الصراع ثم أسرى أيضاً لفكرة الخلاص من الإسلام ، وتصرفاتهم ومواقفهم لا تحتاج إلى دليل ومعروفة للكافة فى مختلف أنحاء العالم .

     لكن ما يعنينى أن أقف أمامه هنا هو الفارق الكبير بين دوافع الإسلام لاستخدام القوة وهى دوافع إنسانية ونبيلة لحماية الأرض من الفساد " أو لحماية بيوت الله لمن يعبدونه فيها .

     بينما غايات ودوافع صناعة واستخدام القوة فى الغرب وعلى رأسه أمريكا هى دوافع الرغبة فى السيطرة والهيمنة وفرض النموذج الثقافى الغربى على العالم ..

* * *

مشروعية الجهاد فى الإسلام :

      لم يأذن الإسلام للمسلمين بالجهاد إلا عندما توفرت دوافعه وأصبح القيام به ضرورة لحفظ الحياة ، ودفع ما تعرض له المسلمون من مظالم وما فعله كفار مكة بمن دخلوا فى الإسلام من التعذيب يعرفه التاريخ يحفظه طوال مسيرة الدعوة فى عهدها المكى الذى كان ثلاثة عشر عاما من العذاب فى مناخ لم يكن يملك المسلمون فيه ما يحمون به أنفسهم وكان الرسول e يمرّ على بعضهم من ( آل ياسر : عمار وأمه ) وهم يعذبون فلا يملك إلا أن يقول لهم : " صبرا آل ياسر : موعدكم الجنة " .

* * *

     هنا ـ فقط ـ أُذن بممارسة حق الدفاع عن النفس فى قوله تعالى :] أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله [ (12) .

     فبصرح النص القرآنى .. الجهاد هنا ليس عدوانا ولكنه دفع للعدوان ، فالمسلمون ظلموا وأخرجو من ديارهم بغير حق ولذا كان الإذن لهم بالجهاد .

* * *

أخلاقيات وآداب الجهاد فى الإسلام

أولاً : السلام هو غاية الإسلام :

* فالسلام أحد أسماء الله تبارك وتعالى : ] هو الملك القدوس السلام .. [ (13) .

* والسلام تحية المسلمين بعضهم بعضاً فى الدنيا : السلام عليكم ويكون ردها عليكم السلام ، ويقول الرسول e : [ ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم : أفشوا السلام بينكم ] .

* ثم هو تحية المسلمين فى الجنة وتحييهم الملائكة : فتقول الآية : ] الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ..[ (14).

* ثم هو كذلك أمان لأهل الذمة ممن يكونون فى رعاية الدولة المسلمة فيقولe : [ إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا ] (15) .

* وفى ميدان القتال إذا قال من يقاتل المسلمين لهم : " السلام عليكم " وجب الامتناع عن مقاتلته . وفى هذا تقول الآية الكريمة :] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست        مؤمنا[ (16) .

_______

* اسم الجنة ـ فى الإسلام هو دار السلام كما تقول الآية : ]لهم دار السلام عند ربهم [ وتقول عنها الآية : ] لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما[ (17).

     وحسب الإسلام أن تكون للسلام به هذه العناية لتكون كافية فى نفى ما يتهم به الإسلام اليوم فى الغرب عامة وفى أمريكا بوصف خاص بأنه دين إرهاب ودين عنف .

* * *

ثانياً :

أ - أن يكون الجهاد فى سبيل الله ، وهذا ما تقرره الآيات :

* ] انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله [ (18) .

* ]  وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم[ (19) .

* ] وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين[ (20) .

     وتحديد أن يكون القتال فى سبيل الله مراد به أن تكون غايته حماية الكون من الفساد وحماية بيوت عبادة الله من التخريب سواء كانت يهودية أو نصرانية أو إسلامية كما سبقت الإشارة .

      ولا تكون غايته دنيوية كاستعمار الأرض أو الاستعلاء على خلق الله على نحو          ما عليه الآن جنون القوة فى الولايات المتحدة . لأن القرآن يقول فى ذلك صراحة :

] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فساداً والعاقبة       للمتقين[ (21) .

* * *

     وتقول كتب السيرة : جاء رجل إلى النبىe فقال : يا رسول الله : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذِكر والرجل يقاتل ليُرى مكانه .. فمن منهم قتاله فى سبيل الله ؟  فقال e : [ من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله ] (22) .

________

وسبيل الله يراد به التمكين فى أرض الله لكلمات الحق والعدل والخير وصون حقوق الإنسان والقيام بحقوق عباد الله فى الأرض ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة : ] الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [ (23) .

* * *

     ولعل أعظم ما يحسب للإسلام من رقيه الحضارى فى مسألة استخدام القوة ( الجهاد) أنه جعل من أهم وأقدس مسئوليات المسلمين أن يقاتلوا دفاعًا عن المستضعفين فى الأرض الذين يعجزون عن حماية أنفسهم ويُلزم القرآن المسلمين بوجوب الدفاع عنهم ، وذلك فى قوله تعالى : ] وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من ذلك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا [ (24) .

     ثم يكون التعقيب القرآنى الذى يؤكد على أن الدفاع عن هؤلاء يصبح فى سبيل الله فيقول : ] الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا [ (25) .

     فالقتال هنا ليس للتوسع فى الأرض أو استعمارها واستغلال خيراتها ، وإنما هو لحماية هؤلاء من استغلال الأقوياء لهم واغتصاب ما يكون من الخيرات فى أرضهم .

* * *

     وهنا تجدر الإشارة إلى أن التاريخ لم يعرف أبدًا أمة أو جماعة كان من أهدافها الدفاع عن المستضعفين والتضحية فى سبيل حمايتهم .

     بل كان المعروف ـ وما يزال ـ هو العدوان عليهم فإذا قرر الإسلام حمايتهم وأوجب الجهاد على المسلمين والدفاع عنهم ، فهذا ما يميز الإسلام عن غيره وما يعطى للجهاد هنا قيمته النبيلة .

* * *

ــــــــ

ب ـ ألا تكون بدايته بالعدوان على الآخرين وألا يكون فى ممارسته أى نوع من         العدوان ، وفى هذا ما تحدثت به الآيات الكريمة : ] وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ (26) وقوله تعالى : ] ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ (27) .

* * *

جـ ـ لا قتال لمن لم يقاتل ومن لا يقدر على القتال :

     وهنا نجد النهى عن ذلك بصريح الآية الكريمة المشار إليها : ] وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [ .

     ثم تأتى وصايا رسول الله e لأصحابه ، ثم وصايا الخلفاء الراشدين من بعده لمن يخرجون للجهاد فى سبيل الله وخلاصة هذه الوصايا : لا تقتلوا امرأة ولا شابا ما دام             لا يحمل السلاح ولا ذا العاهة كالأعرج والأعمى ..

ولا تروّعوا عابداً فى محرابه ولا راهباً فى صومعته .

ولا تجهزوا على جريح ، ولا تمثلوا بحثه قتيل .

ثم : وهذه قسمة حضارية للحفاظ على البيئة حتى ينتفع بها الجميع : المسلمون وغيرهم ـ فتقول الوصايا :

    لا تعفروا بئراً ( لا تردموا البئر الذى يستقى منه الجميع ) ولا تقطعوا شجرة مظلة             ولا مثمرة .

سرعة الاستجابة للسلام :

      ثم ـ وهى قسمة حضارية أخرى هو حرص الإسلام على السلام متى لاحت له أى بادرة ولو مجرد كلمة " سلام " ينطق بها أحد من مقاتلى الأعداء . وفى هذا تقول الآية الكريمة : ] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا [ (28)

* * *

     إذا بدت ممن يقاتلون المسلمين أى بادرة سلم وجب على المسلمين الاستجابة لها والتوقف عن القتال مع أخذ الحذر من الغدر والخيانة ، وفى هذا تقول الآية الكريمة :         ]  وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله[(29) .

ــــــــ

     ثم قوله تعالى : ] فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا [ (30).  

* * *

      ومما يحسب للإسلام أيضاً ويؤكد أن الحرب فى الإسلام ضرورة تقدر بقدرها ولا يجوز التجاوز فيها حسن معاملة الإسلام لأسرى الأعداء . وفى هذا يثنى القرآن الكريم على من يحسنون معاملة الأسير فى قوله تعالى : ] ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيماً وأسيراً *إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا[ (31) ثم وضع أمرهم بين حالتين :

إما أن يمن عليهم رأس الدولة فيطلقهم أحرارًا وإما أن يدفعوا الفدية للخلاص من أسرهم ويعينهم الإسلام على تحصيل هذه الفدية بتمكينهم من العمل لكى يكسبوا ما يساعدهم على الخلاص من الأسر .

* * *

جهاد لا إرهاب :

      ونظراً لما كثر فى الغرب عامة ، الولايات المتحدة بوصف خاص من اتهام الإسلام بالإرهاب بعد أحداث سبتمبر الشهيرة .

     لذا يصبح من الواجب إيضاح مقدار الفرق الهائل بين الجهاد وبين الإرهاب .

    فالإرهاب حسب المصطلحات هو ترويع الآمنين والعدوان عليهم على نحو ما يمارسه قطاع الطرق ومن يخطفون الطائرات والأطفال للحصول على الفدية . وكذا من يعتدون على الآمين فى ديارهم فيغصبوها ويطردوا أهلها منها . ( على نحو ما يفعل السفاح شارون فى فلسطين ) ..

      وهذه النماذج معروفة وكثيرة ومتكررة  فى مختلف أنحاء العالم وجميعها لا يعبر عن أى موقف أو انتماء دينى سواء كان الإسلام أو غيره من الديانات .

     لكن الغريب والعجيب معاً أن القوم فى الولايات المتحدة عندما وقع ما وقع فى سبتمبر وجهوا اتهامهم مباشرة إلى الإسلام ..

* * *

وكان الاتهام فى شخص أسامة بن لادن قبل أن يتم التحقيق معه وقبل أن تعلن نتائج هذا التحقيق .

وحتى لو كان أسامة بن لادن هو الفاعل الحقيقى ، فأسامة بن لادن لا يعبر إلا عن شخصه ولا يمثل الإسلام فى شىء ولم تكلفه لا جماعة ولا جمعية ولا أى جهة من الجهات الرسمية التى تعبر عن الإسلام ويحق لها الحديث باسمه .

      وحيث سبق حديثنا عن الجهاد فينبغى بيان موقف الإسلام من الإرهاب ومن كل أعمال العنف وكيف يتعامل الإسلام معها جميعاً لحماية المجتمع منها .

      فبالنسبة للقتل العمد أوجب الإسلام القصاص بصريح الآية الكريمة : ] ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب [  (32). وهذا القصاص يتم تطبيقه بالفعل فى جميع ديار المسلمين وإن اختلف الأسلوب بين ضرب بالسيف وتعليق على المشنقة حيث النتيجة فى الحالتين هى إزهاق روح القاتل جزاء ما فعل وحماية للمجتمع حتى لا يرتدع المجرمون والقتلة .

* * *

    وبالنسبة لمن يروّع الآمنين ويعتدى بالإكراه على أموالهم أو أعراضهم أو ما يملكون؛ وكذلك من يقطعون الطريق على الآمنين .

  الآية الكريمة : ] إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم[ (33).

     وفى هذا أبلغ دليل على رفض الإسلام للعدوان على الأرواح والأعراض والأموال ورفضه لأى ترويع للآمنين ، وهو ما يعنى أيضًا أن الإسلام دين ينافى الإرهاب فى جوهره وفى تشريعاته ، وإن الجهاد فيه إنما هو لغاية إنسانية تحمى المستضعفين من بطش الأقوياء ولا تعتدى أبداً على أحد ، فإن اُعتدِى على المسلمين كان الجهاد واجبهم وكان حقهم المشروع الذى تعترف به كل الشرائع ويجمع عقلاء الإنسانية فى كل أنحاء الأرض على مشروعيته .

.

      وفى هذا الاتجاه يأتى أمر القرآن الكريم للأمة بأن يكونوا على استعداد لحماية أنفسهم وأوطانهم من أى عدوان يمكن أن يتعرضوا له ولكى يحققوا ما يسمى فى لغة عصرنا بالردع العسكرى ـ بمعنى منع العدو من التفكير فى العدوان عليهم . وفى هذا تقول الآية الكريمة : ] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم[ (34).

* * *

حالة يحرم فيها القتال :

         وهنا يجب التنبيه إلى أن لفظة " ترهبون " لا تعنى أن الإسلام يدعو إلى الإرهاب كما فُهم خطأ ، بل المراد الصحيح هو تحقيقه الردع للعدو وفق المصطلح العسكرى المعروف .

حالة إبلاغ الدعوة والتعريف بالإسلام :

       فى هذه الحالة لا يجوز أبداً استخدام العنف تحت مسمّى الجهاد أو أى مسمى        آخر ، لأن فى هذا مخالفة صريحة لنصوص القرآن التى تحدد أسلوب ووسيلة الدعوة فتكون المخاطبة لرسول الإسلام e والمسلمين جميعاً : ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن[ (35) . وتقول : ] ولا تجادلوا أهل الكتاب       إلا بالتى هى أحسن [ . .

* * *

     كما يضع القرآن منهجاً عاماً للوصول إلى استمالة المتكبرين والمتجبرين عسى أن يهديهم الله فتلين قلوبهم وعقولهم للحق وذلك فى قوله تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما السلام عندما أرسلهما إلى فرعون الطاغية : ] اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى[ (336).

* * *

    وكما واضح فالحق سبحانه يأمر موسى وأخاه هارون بأن يتلطفا فى خطاب الطاغية فرعون بالقول اللين الذى يمكن أن يقبله مثل من هو فى جبروته  .

* * *

فإذا تصفحنا آيات القرآن الكريم التى تأمر بالقتال وجدناها محاطة جميعها بضابط أخلاقى إسلامى يعتبر قتل نفس واحدة بغير موجب شرعى كالقصاص من القاتل أو بمنعه من الفساد فى الأرض كأنه قتلٌ للبشرية أجمعين ، ثم يحذر وينهى المقاتلين ( المجاهدين ) عن أى اعتداء وذلك فى قوله تعالى : ]  إنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى           الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها ( امتنع عن قتلها ) فكأنما أحيا الناس جميعا [ (37) .

* * *

    ثم يأتى التحذير من العدوان مع كل أمر بالقتال فتقول الآيات : ] فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ (38). وتقول : ] وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ (39) .

     وهذا النهى الصريح المتكرر عن الاعتداء يؤكد أن القتال وأن الحرب عامة فى الإسلام ضرورة تقدر بقدرها وأساسها الدفاع عن الدين والوطن والأنفس والأولاد والأموال .

     وقد سبقت الإشارة إلى ما أسميناه أخلاقيات القتال فى الإسلام والتى تحرم قتال من لم يقاتل ومن ليس مهيأ للقتال بطبيعته كالمرأة والطفل والشيخ الفانى والشاب الذى           لا يحمل السلاح والعابد فى محرابه والراهب فى صومعته بما يؤكد التزام المسلمين بمبدأ الدفاع والتزامهم بعدم العدوان على ما هو فقط ضرورة للدفاع .

     وسبقت الإشارة كذلك إلى القَسَمَة الحضارية للإسلام فى ميدان القتال بتحريم           التمثيل  بالقتيل أو الإجهاز على الجريح أو حرمان الأعداء من الماء أو قطع الشجر الذى يمكن أن يأوى إليه الجرحى فى المعارك ، وكلها قسمات تؤكد أن الحرب فى الإسلام ليست غاية ، بل هى ضرورة تقدر بقدرها .

أفبعد هذا يقال إن الإسلام دين إرهاب ودين عنف ودماء !

* * *

أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف

        أعداء الإسلام والظالمون لهم باتهامهم له بأنه دين إرهاب وعنف يحتاجون إلى مراجعة تاريخ وأحداث العنف .

* * *

        الإحصائيات تقول : إن جميع من قتلوا فى الحروب التى دخلها المسلمون دفاعاً عن أنفسهم سواء من شهدائهم أو من قتلى الآخرين لم تبلغ الأربعمائة ( 400) قتيل وهو رقم يمكن أن يقع فى حوادث مرور خلال شهر واحد وربما أسبوع واحد فى مدينة من المدن المزدحمة .

* * *

     القوم فى الغرب يزعمون أن الإسلام انتشر بالسيف وأنه دين الإرهاب والعنف .

     وعن هذه مقولة تكفى الإشارة إلى أن أى بلد فتحها الإسلام لم تحدث فيها ثورة واحدة ولم يتمرد أهلها على الإسلام والمسلمين فيه .  ولعل ما حدث فى تركيا بعد ما دخلها السلطان محمد الفاتح وأعطى فيها الأمان الكامل لمن كانوا بها من المسيحيين بل إنه أكثر من هذا أنه أعطى لرؤساء الكنيسة فيها السلطان التام لمباشرة أمورها وأمور المسيحيين دون أى تدخل مما أسبغ الطمأنينة عليهم فلم يقع بينهم وبين المسلمين أى نزاع .

* * *

     وتجربة فتح الإسلام لمصر من أروع النماذج التى تنفى كلية مقولة انتشار الإسلام بالسيف ...

     حيث أن الصراع لم يكن أبداً مع شعب مصر الذى عامله الفاتحون باعتباره شعباً يتبع ديانة سماوية ( من أهل الكتاب ) ولأهل الكتاب فى الإسلام وضع خاص حددته آيات القرآن بوضوح وصراحة حيث تقول : ]   لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون [ (40) .

* * *

وفى دعوة الإسلام لأهل الكتاب إلى الحق تأمر الآيات بأن نقول لهم : ]  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهد بأنا مسلمون [ (41) .

* * *

     وهكذا بوضوح لم تكن بين الفاتحين وبين شعب مصر أى خصومة .. كما كانت موجودة ومتأججة بين شعب مصر وبين حكامه الرومان الذين هم شركاءه فى العقيدة .

     وبسبب اختلاف مذهب السلطة ( الملكانى ) ومذهب الشعب ( اليعقوبى ) أذاق الرومان شعب مصر ورجال الكنيسة القبطية خاصة صنوف الاضطهاد الدينى التى سجلها التاريخ وحملت كثيرين من رجال الكنيسة القبطية على الفرار إلى الصحراء والسكن فى أديرتها ، وهو ما لم يحدث أبداً مع الإسلام .

* * *

     بل على النقيض من ذلك عندما دخل عمرو بن العاص والفاتحون المسلمون مصر كان رجل الكنيسة الكبير الأنبا بنيامين هارباً إلى الصحراء فراراً بعقيدته من الاضطهاد الرومانى .

     فإذا بعمرو بن العاص يعطى الأمان لبنيامين ويطلب إليه العودة إلى مصر ..

     ليس هذا فحسب بل ويسافر بنفسه إلى الإسكندرية لاستقباله عن عودته ، مما أشاع مناخاً من الطمأنينة الكاملة إلى عدل الفاتحين المسلمين وتمكينهم الشعب القبطى من ممارسة دياناته على مذهبه الذى ارتضاه فى حماية المسلمين الكاملة .

* * *

     فإذا جاء من يحاول غمز الإسلام بالإرهاب أو أنه يقهر الحريات أو رفضه للآخر أو عدم قدرته على التعايش السلمى فإنا نجعل من التاريخ ومن الواقع حكماً نثق ثقة كاملة فى أن حكمه كما ذكرنا سيكون فى صالح الإسلام بشهادة ما ذكرنا عن السلطان محمد الفاتح فى القسطنطينية وعن عمرو بن العاص فى مصر .

     وكلاهما كان نموذجاً لسماحة الإسلام مع أهل الكتاب ونموذجاً للتدليل على أن الإسلام انتشر بعدله واحترامه للآخر ، ولم يكن كما زعموا وما يزالون يزعمون أنه انتشر بالسيف ، وأنه دين إرهاب وعنف .

حوار مع الغرب المعاصر ( فى أمريكا وأوروبا ) :

     وتحت هذا العنوان كتبت ـ حتى الآن ـ ثلاثة بحوث تحت عنوان : ( رسائل إلى العقل الغربى : الأمريكى والأوروبى ) يجرى الآن طبعها والاستعداد لترجمتها إلى اللغات العالمية .

     أخاطب فيها القوم بالأسلوب الذى أمر به الحق تبارك وتعالى نبى الله موسى وأخاه هارون حين أرسلهما إلى فرعون ، وقال لهما :

) اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى [ (42) .

* * *

     بالأسلوب وبالقول اللين والموضوعية الصارمة كتبت وسأكتب إلى القوم هناك مستحثًا لهم على قليل من الإنصاف أن يُحكِّموا عقولهم ويُحكِّموا التاريخ شاهدًا على ما فعله الغرب بالإنسانية فى العالم الثالث ( أفريقيا وآسيا ) : العالم الثالث الذى أغلب سكانه هم من المسلمين .

    ماذا فعلوا هم بهم زمان الاستعمار ؟ ‍! وكيف سرقوا خيرات الأرض وحرموا أهلها من الإفادة بها ونقلوها إلى بلادهم يبنون بها مدنيتهم وتقدمهم تاركين أصحاب الأرض فى أفريقيا وآسيا فى ظلام الفقر والجهل والتخلف .

     أسألهم مستحثًا إياهم على قليل من الإنصاف أن يراجعوا تاريخ الاستعمار ليروا    ما فعله أجدادهم بشعوب العالم الثالث وما أنزلوه به من المظالم ؟ وكيف كانوا يقتلون عشرات الألوف ومئات الألوف من أهل البلاد ليوطدوا حكمهم ويحكموا قبضتهم على الإنسان والأرض ظاهرها وباطنها دون أدنى رحمة ..

     وأسألهم : من الذى وطد ظلمه بالسيف : الإسلام أم أنتم ؟ !

     ومن الذى سرق إنسان أفريقيا وشحنه فى السفن التى تحمل الحيوان ليصلوا به بعيدًا إلى بلادهم ليعمل فى مزارعهم ومصانعهم ويبنى مدنيتهم ساقيًا أحجارها بدمه .. الإسلام أم أنتم ؟ !

ثم أتجه إلى أمريكا لأسأل أهلها الحكام والشعب :

     من الذى ضرب نجازاكى وهيروشيما بالسلاح النووى فأباد الإنسان بعشرات المئات من الألوف وأهلك الحرث والنسل ـ كما يقولون ـ ليس هذا فحسب بل دمّروا البيئة ولوثوا مناخها بالإشعاع المدمر ؟!

     وأذكِّر الأمريكيين .. الحكومات والشعب بالدموية والعنف الرهيب فى إبادة أهل أمريكا الأصليين من الهنود الحمر ..

     من الذى ارتكب الجريمة التى لن ينساها التاريخ جريمة إبادة الهنود الحمر ليحل محلهم الأمريكيون المحدثون ؟ !

     من الذى فعل ذلك أو مثله من الفظائع ؟ : الإسلام أم أنتم ؟!

* * *

     أسأل الجميع الأوروبيين والأمريكيين وأتمنى أن أسمع إجابة .. أى إجابة وأى نوع من التفسير لما فعلوه أجمعين ؟

     من أذن لكم بذلك ؟!

     وبأى حق أو منطق أبحتم لأنفسكم أن تُنزلوا بالبشرية هذا البلاء المبين ؟! ثم بعد هذا كله !!! تزعمون أنكم أصحاب حضارة ؟ ! وأنكم شعوب وأنظمة راقية ؟!

     بل تزدادون عتوًا بما تعملون فى هذا القرن كى تكونوا أصحاب الهيمنة على العالم .

     بل وأن تكونوا أنتم ولاة أمره ! حتى يكون النموذج هو النموذج الحضارى الذى يجب أن يسود العالم !!

* * *

     أبدًا لا تصلح حضارتكم المادية والعلمانية الفارغة تمامًا من كل المعانى والقيم والأخلاقيات .. لا تصلح حضارتكم الفارغة من عطاء الدين وروحه ورقيه لقيادة الإنسانية ..

 

     الحضارة المرشحة لذلك وحدها هى حضارة الإسلام الذى كفل للإنسان من الحقوق ومن التكريم ما لم يعطه إياه أى دين آخر لا سماوى ولا وضعى .

     وحسب الإسلام أنه رفع مكانة الإنسان واستخلفه عن الله فى أرض الله وكرمه وأسجد له ملائكته .

     ثم تجىء حضارتكم العلمانية المادية لترتكس بالإنسان إلى أسفل سافلين فتجعل منه حيوانًا تطمس الشهوات بصيرته وتعمى البهيمية أبصاره . فلا يكون أبلغ همه إلا الاستسلام لشهوتى البطن والفرج يرتكب فى سبيل إشباعهما ما لا يتصور من ألوان السقوط فى الممارسات والسلوكيات .

* * *

     ثم بعد هذا تريدون أن تهيمنوا على العالم ؟ وأن تكونوا أنتم القدوة والمثال ؟!   كبرت كلمة !! ..

     إن المرشح الأول والأعدل والأمثل لقيادة البشرية هو الإسلام .. وأنه المنقذ الحقيقى للإنسان من شرور نفسه ومن سيئات أعماله ومن عدوانه على الآخرين .. الإسلام .. والإسلام وحده ..

* * *

     لكن أمة الإسلام اليوم مستضعفة ، انفرط عقد وحدتها فتراجعت عن دورها القدرى الذى تكون به خير أمة أُخرجت للناس .

     وريثما تكتمل دورة الحضارات وتتحقق سنّة الله وحكمته فى مداولة الأيام بين   الناس ..

     ريثما تتحقق هذه السنُّة ، فمن يحمى البشرية اليوم من جنون وغطرسة القوة فى الولايات المتحدة التى تحكمها الآن جماعة ممن يسمونهم " صقور البيت الأبيض " الذين تملكهم الفكر العلمانى المادى فخلت قلوبهم وعقولهم من أى وازع روحى أو دينى فيخططون ويعملون لإبادة من لا يسير على طريقهم أو يخضع لإراداتهم ؟ !!

* * *

     ريثما تتغير دورة الحضارة ، من يحمى البشرية اليوم من غطرسة وجنون القوة مع غياب أمة الإسلام ؟ !

     أقـول :

     لا سبيل إلا أن تتغير أمريكا نفسها من الداخل وتتحرر من عنفوان جماعة                   " الصقور "، ويعود إليها رشدها من جديد وهذا ما أراه قريبًا ويراه الآخرون بعيدًا !

     لأن أمريكا نفسها لن تهزم إلا من الداخل ونذر الهزيمة الداخلية تتجمع لتُحدث  التغيير . أعنى نذر العنصرية البشعة التى تحكم الناس والحياة هناك يصحبها الانفلات المسيطر من ضوابط الفضائل فى تمكين الشواذ فى العمل فى صفوف الجيش                 وما يزعمونه أنه حق الفرد فى كامل حريته ..

     أضف إلى ذلك بعض بريق الأمل فى بعض الأصوات العاقلة التى أخذت تتململ من الخضوع الأمريكى لإسرائيل وللصهيونية العالمية ، وغير ذلك مما لا يتسع المقام       لتفصيله .

* * *

     ولا أرى هذه النذر لسقوط أمريكا من الداخل إلا بعض حكمة وتدبير الخالق الأعظم الذى أهلك " عادًا " الأولى ، وهو القهار القادر على أن يُهلك " عادًا " الثانية .

* * *

     وفى هذا يقول القرآن الكريم :

     ) ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها فى البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا فى البلاد * فأكثروا فيها الفساد فصبّ عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد( (43) .

     هذا نذير ، ] والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ (44).. هذه              سنن الله .

     ولن تتخلف سنن الله ، ولن يُخلف الله وعده فى إهلاكه المفسدين فى الأرض :

     ) وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ( (45) .

* * *

------------------------------------------

خلاصة الكلام :

الإسلام رحمة وحضارة وسلام

      فالجهاد فى الإسلام لم يشرَع إلا لإقرار السلام على الأرض والتمكين فيها لقيم السلام التى هى قيم الحق والعدل والخير والمحبة وحصول كل إنسان على حقه دون عدوان من الآخرين . وبهذا يتحقق السلام وتتم حماية الأرض والإنسان من كل فساد وإفساد .

***

      وفى عصر ازدهار الدولة والحضارة الإسلامية كان السلام والأمن وكان العدل الاجتماعى واحترام حقوق الإنسان هو السائد والمسيطر ..

      فلما كان زمان تراجع وانحطاط المسلمين ساد فى الأرض الفساد وعمت المظالم والحروب التى تستغيث منها الإنسانية وما تزال تشقى بها إلى اليوم ..

       وفى ميدان الجهاد ( القتال ) سبق التنبيه إلى أن الإسلام حتى فى ميادين الحروب نهى عن مقاتلة كل من لا ذنب لهم فى إشعالها ولا مشاركة لهم فيها كالمرأة أو الطفل والشيخ المتقدم فى السن والشاب الذى لا يحمل السلاح والراهب فى صومعته والمتعبد فى محرابه . كما نهى عن الإجهاز على الجريح وعن التمثيل بجثة القتيل ..

***

     بل كان الإسلام سلاماً ورفقاً مع الحيوان والطير كما سبقت الإشارة ـ حتى يتحدث التاريخ أن عمرو بن العاص فاتح مصر لما أراد أن يرفع فسطاطه ( الخيمة التى كانت له للسكن ومباشرة أمور الولاية ) أخبروه بأن فى أحد أماكن الفسطاط يمامة ترقد على بيضها    فقال لهم : دعوها ولا ترفعوا مكانها من الفسطاط حتى تطير أفراخها ..

      فأين هذا من حضارة غير المسلمين ـ حضارة أمريكا وأوروبا التى تصنع من أسلحة الدمار ما يبيد مدينة بأكملها فى ساعة واحدة بمن فيها من الإنسان والحيوان    والطير ؛ بل تدمر الأرض وتجعلها غير صالحة للزراعة سنين وسنين ويطارد إشعاع قنابلها الإنسان حيثما ذهب لينزل به من بلاء المرض الخبيث ما يظل يعانى منه حتى يموت ؟.

    فأين هذا من سلام الإسلام الذى تأسس على الرفق والرحمة !

***

      إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا

        تعالوا أتحدث إليكم عن الإسلام دين الرحمة والرفق ودين العدل الاجتماعى بين البشر ..

       وأذكركم إخوتى ـ وبإيجاز شديد ـ عما سبق بيانه عن الإسلام دين الرفق والرحمة والعدل الاجتماعى مقارنا بما سبق بيانه عن مظالم وعنف حضارتكم التى اتخذت العنف دستورا لها وابتكرت له من آلات الدمار ما يكفى لفناء العالم كله ..

     أذكركم بأن خالق الكون ومبدعه سبحانه وتعالى حين عرّف إلى عباده بنفسه .. عرفهم باسمه الرحمن الرحيم . وقال لصاحب الرسالة الخاتمة محمد e:]  وما أرسلناك           إلا رحمة للعالمين .. [ (46) . ثم قدم رسوله بأنه رءوف رحيم .

     ثم كانت هذه الرحمة أساس وإطار تشريعات الإسلام فى كل الأمور سواء منها ما يتصل بالإنسان الفرد أو بالأسرة أو بالمجتمع أو بالدولة أو بالعالم كله ..

     فمن رحمته بالإنسان أنه رحم ضعفه وقدرة الشيطان عليه فى إغوائه فأعانه على الشيطان بما منحه من العقل وبما أرسل إليه من الرسل ، ثم غفر له وعفا عن خطئه ونسيانه وما أُكره عليه ..

     إلى جانب هذا لم يجعل الشريعة حملا ثقيلا عليه لا يقوى على النهوض به ، وإنما يسّر عليه عند المشاق فأعطاه رخصا ( تيسيرا وتجاوزا عن العقوبة وذلك فى حالات السفر والمرض حيث خفف عنه الصلاة اكتفاء ببعضها أو تسمى صلاة السفر أو صلاة        القصر ) . 

    كما رفع عنه العقوبة إذا اضطرته الظروف ( فى مجاعة أو سفر إلى أن يأكل الميتة ـ وهى أصلها محرمة ) وجعل حالة الاضطرار مبدأ لتحليل ما لا يحل ، فقال تعالى :        ] فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ (47) .

     كما أباح للمريض أن يصلى قاعدا أو حتى وهو راقد على جنبه .

***

     كما جعل له كفارات ( عمل يقوم به الإنسان لإسقاط ذنوبه وجبر تقصيره فى أداء الأمور والعبادات ) مثل : كفارة الأيمان وكفارة نسيان بعض مناسك الحج والعمرة وغيرهما .

     ثم ـ وفوق هذا ـ ضاعف له الحسنات إلى سبعمائة ضعف ، بينما جازاه عن السيئة بعقوبة واحدة ..

      وأكثر من هذا وأبلغ فى بيان رحمة الخالق بعبده حسب رسالة الإسلام أن قرّبه           إليه وأمره أن يدعوه ليستجيب له حيث قال تعالى : ] وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون .. [ (48) . وفتح له بهذا باب التوبة وتكفير الذنوب ، ولو كانت مثل زبد البحر .

     هكذا كانت رحمة الخلاق سبحانه وتعالى بعباده حسب رسالة الإسلام . كما تتحدث

بذلك السنة النبوية الشريفة فيما معناه :( قالت السموات والأرض والجبال والبحار والنار   يا رب : ابن آدم طعم خيرك ومنع شكرك ، ألا تأذنوا لنا أن نخسف به الأرض أو نغرقه أو نحرقه ) . فقال سبحانه وتعالى فى حديث قدسى : [ دعوهم إنهم عبادى ولو خلقتموهم لرحمتموهم ] . ومن رحمته تعالى بالأسرة التى تضم الوالدين والأبناء والخدم أيضا نلاحظ أمر الإسلام للإنسان ببر والديه وحسن معاملتهما بأحسن ما يكون التعامل حتى وإن كانا مشركين على غير ملة الإسلام فتقول الآية : ] ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين أن أشكر لى ولوالديك إلىّ المصير * وإن جاهداكم على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا      معروفا [ (49).

     كما أمر الأبناء أن يدعو لوالديهم بالرحمة بعد موتهم فى قوله تعالى : ] وقل ربى ارحمهما كما ربيانى صغيرا [ (50) .

      أما رحمة الإسلام بالأسرة ( الزوج والزوجة ) فقد أمرهما بحسن العشرة بين كل منهما مع الآخر .

     ومعاملة الرسول e لأهل بيته خير نموذج لذلك وهو e يقول : [ خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى ] ، لأن الرحمة والمودة هما ـ أساس بناء البيت المسلم على السعادة والطمأنينة ..

      وإلى هذا تشير الآية الكريمة : ] ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [ (51) .

***

     

     وهكذا تتنامى دائرة الرحمة فى الأسرة لتشمل جميع من فيها بالحنان والعطف ونشير هنا إلى أعرابى جاء إلى النبى  e فقال له : أراكم تقبلون الصبيان أما نحن       فلا نقبلهم . فأجابه النبى e بقوله : [ أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة * ( يعنى ماذا أفعل لك إذا كان قلبك قد حرم من هذه الرحمة ) ] ؟!!

     ومعروف أنه إذا غمرت الرحمة الأسرة وربى عليها الأبناء فإنها يقينا ستتنامى لتشمل المجتمع كله من المجتمعات الصغيرة إلى المجتمع الأكبر حتى يتراحم الناس ويعيشون فى سلام .

      وفى الإسلام مكرمة من المكرمات تسمى " صلة الرحم " وهى مكرمة يدعو الإسلام إلى الحرص الشديد عليها .

     وفى الحديث الشريف أن الرحم معلقة بساق عرش الرحمن تقول : اللهم صِلْ من وصلنى واقطع من قطعنى . فكل ذوى الأرحام من الأقارب مأمورون إسلاميا بصلة الرحم لتنمية الرحمة وتوسيع دوائرها حتى تنتقل من الأب إلى الابن ومن الأم إلى      البنت .. هكذا حتى يتراحم الجميع وتلين قلوبهم فلا تعرف القسوة ..

     وبهذا التراحم يقتلع الإسلام العنف والقسوة من جذورها وتعيش المجتمعات فى         سلام ..

***

وختاماً ..

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوربا ..

   

     بالعقل المستنير والقلب المفعم بحب الخير والسعادة والأمن لكل الناس ..

     أرجو وآمل أن نكون جميعا رسل تعاطف ومحبة ودعاة حق وعدل وتعاون          بين الغرب والشرق وبين المسلمين وغير المسلمين ..

   

      حتى تتفتح الأزهار ويغنى الأطفال وهم يحتفلون بأعياد ميلادهم ..

أمد يدى إلى أيدكم ..

                     فتعالوا إلى كلمة سواء ..

                                                            كلمة حق وعدل وتعاون .

-----------------------

(1) هود : 61 .

(2) الأعراف : 56 .

(3) الحج : 41 .

(4) يس : 40 .

(5) الأنبياء : 69 .

(6) الأحزاب : 72 .

(7)المجادلة : 1 .

(8)النساء : 20ـ21 .

(9)البقرة : 256 .

(10) الحج : 40 .

(11) البقرة : 251 .

(12)الحج : 39 ـ 40 .

(13)الحشر : 23 .

(14)الرعد : 24 .

(15)رواه البخارى ـ فتح البارى ـ كتاب الاستئذان باب 20 .

(16)النساء : 94 .

(17) الواقعة : 25 ـ 26 .

(18) البقرة : 216 .

(19) الحج : 78 .

(20) البقرة : 190 .

(21) القصص : 83 .

(22) متفق عليه .

(23) الحج : 41 .

(24)  النساء : 75 .

(25) النساء : 76 .

(26) البقرة : 190  .                                                      

27) المائدة : 87 .

(28) النساء : 95 .                                                                  

(29) الأنفال : 61 .

(30) النساء : 90 .                                                                  

(31) الإنسان : 8 ، 9 .

(32) البقرة : 179 .                                                                          

 (33) المائدة : 33

(34) الكهف : 64 .                                                                 

(35) النحل : 125 .

(36) طه : 43 .

(37) المائدة : 32 .                                                                           

(38) الممتحنة : 9 .

(39) البقرة : 190 .

(40)الممتحنة : 8ـ 9 .

(41) آل عمران : 64 .

(42) طه : 44 .

(42) الفجر : 6-14 .

(44) يوسف : 21 .

(45) الشعراء : 227 .

(46) الأنبياء : 107 .                                                                            

 (47) البقرة : 173 .

(48) البقرة : 186 .

(49) لقمان : 14- 15 .

(50) الإسراء : 24 .

(51 ) الروم : 26 .

 

* * * 

المحتويات

المــوضـوع

* على سبيل التقديم

*الإرهاب المعاصر

* التدافع لا الصراع هو فلسفة الإسلام

·        الفتوحات الإسلامية

·        * نموذج مصر بعد دخولها الإسلام

·        * اضرب ابن الأكرمين

·        * شبهات حول تفسير بعض الآيات ـ شبهة آية السيف

·        * مقولة أن القرآن يسمح بالإرهاب شبهة آية السيف

·        ** عن موقف الإسلام من غير المسلمين

·        * وقائع التاريخ تشهد

·        * ( الصحيفة ) دستور الدولة المسلمة

·        * نصارى الحبشة ونجران يصلون بالمسجد النبوى

·        * مقولات ظالمات عن الجهاد والجزية

·        ** نماذج رفيعة للتحضر الإسلامى فى معاملة غير المسلمين

·        * السلطان محمد الفاتح

·        * نموذج صلاح الدين

·        * ابن تيمية والأسرى والنصارى

·        ** الإسلام دين الرفق والرحمة

·        * رحمة الإسلام بالطير

·        * لماذا ظهرت الجماعات الإرهابية فى ديار المسلمين ؟!

·        * هل العنف والإرهاب ظاهرة إسلامية ؟

·        * شبهة آية السيف

·        * آيتا سورة الممتحنة

·        ** حاجة العالم اليوم إلى الإسلام

·        * الفساد السياسى فى عالم الحضارة المادية

·        * الفساد الأخلاقى

·        * الفساد الاقتصادى وانقسام العالم إلى شمال وجنوب

·        * الحاجة إلى الإسلام

·        * رؤية الإسلام للظروف الطارئة للجماعات

·        * حد الكفاية حق أساسى لكل إنسان فى مال الله

·        ** أولاً : الإسلام وحقوق الإنسان المضيّعة فى عالم اليوم

·        ** ثانيًا : الإسلام وحماية الأرض من الدمار الشامل

·        ـ مهمة الإنسان فى الأرض إعمارها

·        ** ثالثًا : الإسلام والعدل الاجتماعى المفقود فى عالم اليوم

·        ** رابعًا : الإسلام وحرية الإنسان

·        * آفاق حرية الإنسان

·        * حرية إبداء الرأى

·        * حرية الاعتقاد

·        * الجهاد

·        * مشروعية الجهاد فى الإسلام

·        * أخلاقيات وآداب الجهاد فى الإسلام

·        * سرعة الاستجابة للسلام

·        * جهاد لا إرهاب

·        * أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف

·        * حوار مع الغرب المعاصر فى أمريكا وأوروبا

·        * ثم اتجه إلى أمريكا لا أسأل أهلها الحكام والشعب

·        * خلاصة الكلام : الإسلام رحمة وحضارة وسلام

Listing Information

This link is listed for Free.Learn More about featuring your site.
Link Actions:
Addition Date:Added on Jul,31,05 :: Last modified Jul,31,05
Title:الإســـلام دين رحمة وحضارة وسلام  
Author's name:More Articles by عبد الصبور مرزوق
Link's Owner:admin :: Visit Profile
Contact Owner:This owner does not wish to be contacted.
Description:No Description specified.
Keywords:No keywords specified.
Listed in Category:Home: Islamic Virtual Library: Islamic Books And Literature: Morals & Values eBooks: الإســـلام دين رحمة وحضارة وسلام
Number Of Votes:0 Total Votes.
Current Rating:0 out of 10 stars :: Rate Now
Number Of Hits From Our site:12
Number Of Recommendations:No recommendations yet. :: Recommend Now
Number Of Reviews:No reviews yet. :: Write a Review
Guestbook:No Guestbook entries yet. :: Sign Guestbook
Top Sites Banner:The counter below counts the actual hits that this site and this page have gotten so far. For this counter to be accurate the link owner must insert the MuslimsCounter code on their page, if not then it only represent this page total hits.

Bookmark Us - Set as Home - Terms Of Use
Other Sites: Know The Prophet campaign - Discover Islam - Links SQL Plugins
Copyright 2003-2013 Islamic Education & Services Institute: Murfreesboro, TN