< Previous

الإسلام وحقوق الإنسان

Written by: by عبد الصبور مرزوق :: (View All Articles by: عبد الصبور مرزوق)

 

رسائل إلى العقل الغربى

الأمريكى والأوروبى

 

عــن

الإسلام وحقوق الإنسان

 

(1)

 

 

بقلم

أ . د . عبد الصبور مرزوق

الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

القاهرة

عضو المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى

مكة المكرمة

 

 

P

 

الإسلام وحقوق الإنسان

 

على سبيل التقديم

       

فرائض وضرورات لا مجرد حقوق

      أعظم ما امتازت به شريعة الإسلام فى تكريمها للإنسان ولم تشاركها فيه               - لا تشريعات سماوية ولا قوانين وضعية هو ارتقاؤها بالإنسان إلى حد أن أسجدت له الملائكة على نحو ما ورد فى القرآن فى قوله تعالى :

     ] وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ..[ (1) .

      وموجبات هذا التمييز للإنسان أن الحق تبارك وتعالى ـ قد اصطفاه من بين جميع خلقه ليكون خليفة عنه فى الأرض يعمرها ويحميها من الفساد مستثمرا ما هيأه له الله فيها من المهاد والمعاش حتى يمكّن فيها لكلمات الله من الحق والعدل والإصلاح والخير ..

     ولهذا لم يكن تمييز الله للإنسان ( آدم ) بالشكل أو اللون وإنما كان بالعلم على نحو ما جاء فى قوله تعالى : ] وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم .. [ (2) .

 

***

     وهذا التمييز بالعلم الذى اعتمده الإسلام معيارًا للتفاضل بين آدم ( الإنسان ) وبين الملائكة هو فى المنظور الإسلامى هو المعيار الموضوعى الصحيح لنهضة الشعوب .. وأساس تقدمها . كما هو فى الوقت ذاته ميزان خيرية الأمة الإسلامية الذى يهيئ               لها التمكين فى الأرض لكل ما هو حق وعدل ..

      ارتقى الإسلام بحقوق الإنسان إلى مرتبة الضرورات التى لا يجوز أن تتخلف            أو تنعدم لأنها أساس أهلية الإنسان للاستخلاف عن الله فى الأرض ، وبدونها يفقد الإنسان أهليته ..

    وارتقاء الإسلام بحقوق الإنسان إلى مرتبة الضرورات والفروض يمنع الإنسان من التنازل عنها . فحقه فى الحياة لا يجوز إهداره بالانتحار مثلا .

     وحقه فى الحرية لا يجوز للإنسان أن يفرط فيه فيقبل حاله الإذلال والمهانة فإن فعل كان آثما يستحق العقوبة من الله كما قالت الآية : ] إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم[ (3).

***

     وهكذا كل حقوق الإنسان ارتقى بها الإسلام إلى مرتبة الضرورات والفروض التى    لا يجوز التنازل عنها لكى يبقى الإنسان دائماً هو المؤهل للاستخلاف عن الله فى الأرض وليبقى كذلك قادراً على حماية الحق وردع الباطل وحماية الأرض من الفساد والإفساد والنهوض بالدور القدرى المنوط بأتباع الرسالة الخاتمة فى أن يأمروا بالمعروف وينهو عن المنكر ويعلنوا انتصارهم للإيمان بالله ..

***

رجال صدقوا ..

    وقد نجحت رسالة الإسلام فى بناء وتكوين نوعية من الرجال الذين كانوا مثلاً عليا لكبرياء الإنسان وعزته وكرامته مع البساطة والتواضع واللين والرفق . وكانوا مثلاً عليا فى الانتصار للحق والدفاع عن المظاليم والمستضعفين فى الأرض إلى حد الاستشهاد دفاعاً عن حقوقهم .

      وكانوا إلى هذا مُثلا عليا فى التسامح والصفح والعفو عند المقدرة فشهد لهم التاريخ وازدانت بهم صفحاته ..

   ثم كانوا ـ ولعله أن يكون أبرز وأعظم ما كانوا عليه ـ كانوا على تمكنهم وسلطانهم مُثلا عليا فى الإعراض عن الدنيا وزخرفها . حتى لينام أميرهم ـ عمر بن الخطاب الذى كانت جيوشه قد هزمت الرومان والفرس وجاءت بين يديه بكنوز كسرى وقيصر ..

     ينام أمير المؤمنين عمر على الأرض دون فراش أو وسادة تحت ظل شجرة فيمر به أعرابى كان عابرا للطريق فيؤخذ دهِشاً مما رأى من أمير بين يديه سلطان زمانه وكنوز الدنيا فما غيّر ذلك من نفسه ولا انسابت إلى خواطره مسحة من غرور أو استكبار. فقال هذا الأعرابى مخاطبا أمير المؤمنين النائم على الأرض بلا فراش ولا وسادة ولا حراس يحيطون به : حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر ..

***

     ولم يكن عمر بن الخطاب وحده البداية فى موكب عظماء النفوس والمواقف لا عظماء السلطة وأبهتها ..

  بل كان قبله الخليفة الأول " أبو بكر الصديق "  ـ رضى الله عنه ـ الذى قابله عمر غداة يوم أن بايعه المسلمون خليفة للرسول بعد موته e .. لقيه عمر صبيحة ذلك اليوم فسأله :

     إلى أين يا خليفة رسول الله ؟

     قال : إلى السوق أبيع وأشترى وأكسب رزقى ورزق عيالى كما كنت أفعل من قبل        ـ هكذا تحدث أبو بكر بتلقائية جميلة ونبيلة ـ كونتها صنائع الإيمان وأخلاقيات رجال مدرسة النبوة ..

      تحدث أبو بكر بتلقائية جميلة ونبيلة لم يغيّر منها إنه فى هذا اليوم أصبح ولىّ أمر المسلمين ورأس دولتهم وصاحب السلطان عليهم .

      وهذه هى العظمة الحقة للعظماء الحقيقيين الذين تكون عظمتهم فى تكوين نفوسهم ومن داخلهم لا مما يحيط به المتعاظمون فى زماننا أنفسهم من الأتباع والحراس ووسائل العظمة الزائفة ..

***

 

     وأبو بكر رضى الله عنه هذا ـ هو نفسه ـ الذى لخص العقد الاجتماعى بينه وبين رعيته من المسلمين فى كلمات شديدة الإيجاز عظيمة التعبير عن فلسفة الإسلام فى أصول الحكم والعلاقة بين الحكام والمحكومين فقال : [ أيها الناس إنى وُلِّيت عليكم ـ ولست بخيركم فإن رأيتمونى على حق فأعينونى وإن رأيتمونى على باطل فقومونى .. أطيعونى ـ ما أطعت الله ورسوله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم ] .

      هذه الكلمات القليلة حولتها مدنيات زماننا إلى آليات ومؤسسات وأجهزة لا تكاد تحصى ومع هذا لم تبلغ ما بلغته الكلمات القليلة التى تحدث بها أبو بكر لأن أبا بكر جعل الفصل فى الأمر ـ إذا حدث خلاف بينه وبين الرعية ـ إلى الله ورسوله . أى إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ، وهما المرجعان اللذان تُجمع الرعية على قبول كل ما  ينتهيان إليه ويقضيان به .

***

     وأبو بكر رضى الله عنه هذا ـ الذى كان قاصدا السوق ليكسب رزقه ورزق عياله غداة أن بايعه المسلمون خليفة عليهم هو نفسه الذى نراه فى مواجهة من منعوا دفع الزكاة وأعلنوا ارتدادهم بحجة أنها كانت تدفع للرسول e . وما دام الرسول قد مات فلا يدفعونها بعده ..

     لكن أبا بكر كان عظيم الإدراك وعظيم الفقه لرسالة الإسلام التى تعتبر الزكاة هى الركن الثالث من أركان الإسلام بعد الشهادتين وإقامة الصلاة ، وأدرك فوق هذا أنه لو تهاون مع هؤلاء فسيكونون قدوة لغيرهم فتكون الفتنة ويكون التهديد الخطير لدولة الخلافة فقال كلمته الخالدة : " والله لو منعونى عقال بعيّر كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه " .

     وقاتل أبو بكر وانتصر .

     ودخل بهذا وبغيره فى محيط قوله تعالى : ] الذين إن مكّنّاهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر[ (4) .

* * *

ــــــــ

(1) ص : 73 ـ 74 .

(2) البقرة : 30 ـ 33 .

(3) النساء : 97 - 99 .

(4) الحج : 11 .

 

 

رجل تفر الشياطين من طريقه :

     أما ذلك المهيب الذى كانت تفرّ الشياطين إذا جمعتهم به الطريق فقد كان من أقدر الصحابة استلهامًا لروح القرآن ومن أكثرهم تعبيرًا عن عطاء رسالة الإسلام فى صناعة الرجال الذين تكتمل فيهم الأهلية للاستخلاف عن الله فى الأرض ؛ فكان من الملهمين الذين ينزل القرآن متفقا وما يرونه فى بعض الأحوال كما حدث فى الموقف الذى حُسم به التعامل مع أسرى المشركين فى غزوة " بدر " مما لا يتسع المقام هنا لبسط القول فيه .

* * *

     هذا المهيب عمر رضى الله عنه خطب فى المسلمين غداة مبايعته  بالخلافة فكان مما قال : " لو رأيتم فىّ اعوجاجا فقومونى " فقام إليه رجل من المسلمين ليقول له : " والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ".

     فما غضب عمر ولا تغيّر .. وإنما كان قوله : الحمد لله الذى جعل فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه .

* * *

     هذان النموذجان نموذج المهيب وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ونموذج رجل من عامة المسلمين هما شاهدا إثبات على طبيعة ونوعية الرجال الذين رباهم الإسلام أن يحفظوا حقوقهم فلا يتنازلون عنها ويؤدوا واجباتهم فلا يقصرون فيها لأن الإسلام قد صفّاهم من نقائص الإنسان فى عالمنا المعاصر ـ عالم الماديات والأنانيات التى أرستها الحضارة الغربية والتى همّشت القيم الروحية والإنسانية منذ اعتنقت العلمانية المادية وحوّلت الإنسان إلى عبد أسير لشهوتى البطن والفرج ، وحوّلته كذلك إلى ما هو أشبه بإنسان الغابة ووحوشها.

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     وإليكم تفصيل ما قرره الإسلام من الحقوق للإنسان :

أولاً : حق الحياة :

     وهو ـ فى منظور الإسلام ـ حق مصون ومقدس لا يجوز لأحد أبدًا أن يعتدى عليه ذلك لأن الإنسان خلق الله وبنيانه وملعون من هدم بنيان الله . فحرص الإسلام على حماية حياة الإنسان من أى عدوان عليها .

      فاعتبر قتل إنسان من غير أن يكون قتله قصاصا منه أو بغير أن يكون هذا المقتول قد ارتكب فسادًا فى الأرض ..

     الإسلام هنا يعتبر قتله كأنه قتل الناس جميعًا ، ويعتبر حماية حياته وصيانتها كأنه حماية وإحياء للناس جميعًا وفى هذا تقول الآية الكريمة : ] أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا * ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا[ (1) .

     وفى الوقت نفسه حرّم الإسلام على الإنسان أن يتخلص من حياته فيدمّرها            بالانتحار مثلا . واعتبر من يفعل ذلك يكون كالقاتل المتعمد يعاقب بالعذاب الأليم مخلدًا فى نار جهنم .

* * *

     وهذا الحق ليس وقفًا على حفظ النفس البشرية ، بل إن له آثارًا اجتماعية وإنسانية حيث تحول بين الأفراد والجماعات أن يقتلوا أنفسهم أو يقتلوا غيرهم بأنواع الممارسات التى تضر بالصحة وتؤدى إلى تدميرها كتيسير إدمان الخمور والمخدرات وغيرهما مما يسقط الإنسان فى هاوية الإدمان الذى ينتهى فى حالات كثيرة إلى الجنون أو الانتحار والموت .

     فالإسلام فى مثل هذه الحالات يعتبر من يتسببون فى إصابة الإنسان بما يؤدى إلى موته مشاركة فى القتل تستوجب العقاب الشديد .

     كل هذا لصيانة حياة الإنسان وحماية حقه فى الحياة .

* * *

      ومعروف أن هذا الحق حق الحياة للإنسان قد تقرر منذ فجر الإسلام فى مواجهة ما كان أهل الجاهلية يفعلونه بالنسبة للأنثى حيث كانوا يعتبرون ميلاد الأنثى عارا يجب التخلص منه وكانت طريقتهم فى ذلك هى أن توأد حية ( تدفن فى التراب حية ) فرفض الإسلام واستنكر ودافع عن حقها فى الحياة كما قالت الآيات الكريمة : ] وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت[ (2).

      وفى إطار حماية الإسلام لحق الحياة قرر قبول فداء الأسرى بالمال بدل أن يقتلوا : كما أمر فى ميادين القتال ألا يقتل إلا من يقاتل دون غيره من الناس .

     وأمر كذلك بعدم الإجهاز على الجريح ( فى الحرب ) وتركه يعيش مع أنه كان أحرص على قتال المسلمين  .

     وصان قطاعات كثيرة من الناس حتى لا يتعرضوا للقتل كالنساء والشيوخ        المتقدمين فى السن ورجال الدين الذين يُتعبدون فى محاربهم وغيرهم بما يحمى حق هؤلاء جميعاً فى الحياة .

***

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

     أقول هذا عن حماية الإسلام لحق الإنسان فى الحياة وأنا أسمع وأقرأ عما تتسابق فيه الحضارة الغربية فى إنتاج وتخزين وتطوير أسلحة الدمار الشامل التى تبيد الألوف والملايين من البشر دون أدنى اهتمام بحقوقهم فى الحياة ..

     أقول هذا لكم عسى أن نتعاون جميعاً على حماية الإنسان من الآلة الحربية التى تهلك الحرث والنسل ..

    وأقول هذا لنتعاون جميعا على التمكين فى الأرض للسلام وللخير ، وبدل أن تنفق مليارات المليارات على وسائل الفتك بالإنسان وتدمير حقه فى الحياة ، فالأولى والأفضل أن نسعى معاً إلى التمكين فى الأرض للسلام .

***

 

     وقبل أن أعرض لبقية الحقوق التى قررها الإسلام للإنسان أود التنبيه إلى أن هذا الحق ( حق الحياة ) مضافاً إليه حق الإنسان فى نصيبه من رزق الله ، وقد استأثر الله تبارك وتعالى بهذا الحق وجعله بيده وحده لا سلطان فيه لمخلوق حيث قالت الآيات :

] إذ قال إبراهيم رب الذى يحيى ويميت [ (3) .

] والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير[ (4) .

] الله لا إله إلا هو يحيى ويميت [ (5) .

] إن الله له ملك السموات والأرض يحيى ويميت [ (6) .

] هو يحيى ويميت وإليه ترجعون [ (7) .

] وهو الذى يحيى ويميت [ (8) .

***

وحين يستشعر الإنسان أن حياته بيد الله وحده وأن موته ونهاية عمره بيد الله وحده فإنه يستشعر فى الحياة قوة معنوية هائلة تجعله لا يخشى أحداً إلا الله فيجهر بكلمة الحق ، ويواجه السلطان الجائر ويساعد على تقويم مسيرة الحياة وتعديلها إذا انحرفت وبهذا تمضى الحياة دائماً على طريق الهدى والرشد ..

***

حق الإنسان فى الحرية

      وهذا الحق فى المنظور الإسلامى لا يقل الاهتمام به عن الاهتمام بحق الحفاظ على الحياة لأنه ـ وحسب مبادئ الإسلام ـ إذا كانت الحياة هى المقوّم البشرى الذى تتعلق به وتقوم عليه كل القيم فإن حق الحرية هو الحق الذى يتعلق به تقرير بقية الحقوق والدفاع عنها وتوجيهها صوب ما هو حق وعدل . وهو ما عبّر عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى مقولته الشهيرة : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً  " .

    وأقرر فى هذا أن الإسلام فى تقريره الحق فى الحرية لم يجعلها شعاراً أو كلمات قابلة للتغيير والتبديل وكذلك لم يجعلها مرتبطة بظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها ..  وإنما جعلها حقا ملازما للحياة حتى ليصح أن يقال : أنت حى تعنى أنت حر كما تحدث عمر رضى الله عنه ..

***

     ولكى يضمن الإسلام للإنسان حقه فى الحرية وليكون له الدوام والاستقرار فقد حرّر الإسلام الإنسان من الخوفين اللذين يلغيان الحرية ويقضيان عليها وهما : الخوف على   العمر .. والخوف على الرزق .

     فقد جعلهما الإسلام بيد الله تبارك وتعالى .. بيده وحده لا بيد أحد سواه فقال سبحانه عن الحياة والموت : ] هو الذى يحيى ويميت وإليه ترجعون [ (9)وقال : ] إن الله له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت [ (10)  وغيرها .

***

     أما عن الرزق فقد قال سبحانه : : ] إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ (11)

    وقوله تعالى : ] وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها  [ (12).

    وقوله تعالى : ]  هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض [ (13).

    وقوله تعالى : ] أمّن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه [ (14) .

***

     وفى محيط الحديث عن حق " الحرية " الذى قرره الإسلام للإنسان واعتبرناه ـ بمنظور الإسلام حقا ملازماً للحياة حتى ليصح أن نقول أنت حى تساوى أنت حر .

     فى هذا المحيط ربما سأل سائل : إذا كان دينكم ـ الإسلام ـ يمجد ويقدس حق الإنسان فى الحرية فلماذا أباح الإسلام الرق ؟

     فى البداية أقول إن تعبير أباح الإسلام الرق غير صحيح لأن الرق لم يكن قبل الإسلام محظورا فلما جاء الإسلام أباحه . وإنما جاء الإسلام والرق والاسترقاق فى الجاهلية أحد أهم عناصر المالية فى حركة اقتصاد المجتمع ، كانت تجارة الرقيق بيعاً وشراء من أهم وسائل تكوين الثروات عندهم ..

     وإذا كان للرق هذا التأثير الكبير فى الأحوال الاقتصادية لعامة المجتمع عند ظهور الإسلام ، فقد كان من العسير إصلاح هذا الوضع بصورة مفاجئة تؤدى إلى انهيار اقتصاد المجتمع وزلزلة أحواله .

* * *

    من هنا كان لابد من التدرج فى التعامل مع هذا البلاء الذى يرفضه الإسلام ولا يبيحه بحال من الأحوال .

     وكما يقول أستاذنا الدكتور على عبد الواحد وافى ( رحمه الله ) (15) : إن الرق كان هو البخار الذى يحرك الآلة الاقتصادية فى تلك العصور . ولذلك أقر الإسلام الرّق ولكنه أقره بصورة تؤدى هى نفسها للقضاء عليه بالتدريج دون أن تحدث أثرا سيئا فى المجتمع بل ودون أن يشعر أحد بأثره .

     وكانت وسيلة الإسلام فى القضاء على " الرّق " هى تضييق الروافد التى كانت تمد الرق وتغذيه وتضمن له البقاء . ويقابلها على الطريق ذاته توسيع المنافذ التى تؤدى إلى العتق وتحرير الرقيق ( ص /111ـ 112 ) .

     وكانت الروافد التى تغذى نظام " الرق " سبعة وهى :

* الحرب وما تتركه من الأسرى .

* القرصنة والخطف .

* الحكم على مرتكبى بعض الجرائم بالرق .

* الحكم على المدين بالرق لصالح دائنه إذا عجز عن أدائه .

* سلطة الآباء على أبنائهم حيث يباح لهم أن يبيعوهم .

* سماح المجتمع لمن يكون فى ضائقة مالية شديدة أن يبيع نفسه للخلاص منها .

* والسابع والأخير هو تناسل الأرقاء . حيث كان ولد الأمة يعتبر رقيقاً ولو كان أبوه   حراً . (112 ـ 113) .

     كان هذا واقع المجتمع فى كثير من الأمم حتى زاد عدد الرقيق عن عدد الأحرار . فماذا فعل الإسلام ؟.

     جاء الإسلام فحرم خمسة من هذه الروافد التى كانت تغذى نظام الرق وأبقى على اثنين منها فقط : هما : رقيق الحرب ( الأسير ) ورقيق الوراثة ( ابن الأمة ) . وبهذا أغلقت أغلب الروافد التى يتكون بها " الرق " .

     تم تعامل الإسلام مع المصدرين الباقيين للرق بما يضيّق عليهما حتى يضمحلا ويقضى عليهما فى زمن غير طويل .

* فمثلا : فى موضوع رقيق الوراثة ( ابن الأمة من سيدها ) حكم الإسلام بالحرية متى اعترف سيدها بأنه ولده .

* وبالنسبة لرقيق الحرب فقد ضيّق الإسلام الطريق أمام استرقاق من يؤسرون فيها بشروط كثيرة لا مجال لتفصيلها . بحيث إذا لم تتوفر الشروط فى هذه الحرب لا يكون من يؤسر رقيقاً .

     وحتى إذا توفرت شروط شرعية الحرب فقد فتح الإسلام أمام أسراها سبلا كثيرة لتحريرهم . مثل أن يمنّ عليهم رأس الدولة ( الإمام ) بالحرية كما فعل الرسول e يوم فتح مكة . وقال لأهلها : [ إذهبوا فأنتم الطلقاء ( الأحرار)] .

* أيضًا فتح الإسلام بابا آخر أمام الأسرى ليتحرروا كأن يقوموا بعمل ينتفع به المسلمون مقابل أن يتم تبادلهم بالأسرى المسلمين .

* أقر الإسلام مبدأ أن يحرر الرقيق نفسه مقابل مبلغ من المال يدفعه لسيده وليساعدهم الإسلام على ذلك :

أ ـ أقر نظام المكاتبة ( أن يكاتب الأسير سيده على مبلغ يدفعه له ) .

ب ـ وأباح للرقيق أن يعمل فى أى عمل يوفر له ما يفتدى به نفسه .

جـ ـ جعل الإسلام من بين مصارف الزكاة ( الركن الثالث للإسلام ) سهمًا لمساعدة الرقيق على التحرير وهو السهم الخامس بين مصارفها الثمانية التى حددها القرآن فى قوله تعالى :  ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب [ (16) .

د ـ باب آخر فتحه الإسلام على مصراعيه لتحرير الرقيق وهو باب الكفارات                    ( ما يقوم به العاصى لتكفير ذنبه ) .

     مثل كفارة القتل الخطأ ، وفيها يقول القرآن : ] ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة [ (17) .

     ومثل : كفارة الحنث فى اليمين لقوله تعالى : ] لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة  [ (18) .

     ومثل كفارة الظهار ( أن يقول الرجل لامرأته أنت علىّ كظهر أمى ـ يعنى تحريمها على نفسه كأنها أمه ) . وذلك لقوله تعالى : ] والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا [ (19)

* * *

     وهكذا كان الإسلام فى قضية تحرير الأرقاء حكيمًا ومتوازنًا فى تشريعه ، فبقدر ما ضيّق منافذ الاسترقاق بقدر ما وسّع منافذ التحرير بأسلوب متدرج يناسب الواقع الذى ظهر فيه الإسلام .

     ومع هذا ـ فقد ردّ الإسلام الاعتبار الإنسانى لهؤلاء الأرقاء ـ حتى وهم فى حالة الرق ، فلم يهدر إنسانيتهم ، ولم يشعرهم بالدونية وإنما أمر المسلمين أن يعاملوهم بوصفهم أخوة فى الله وفى الإنسانية لا يقلون عن سادتهم فيها ، فقال e فى أمره للمسلمين : [ اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم  ] (20) . وقال : [ لقد أوصانى جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم ] . وقال e : [ إخوانكم خولكم ( أى خدمكم وعبيدكم ) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ] (21)

         

وفى رواية أخرى بزيادة :[ ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ](22) .

     وكان لهذه التوجيهات النبوية أثرها الكبير فى سلوك الصحابة وأثرها كذلك على نظرة المجتمع إلى الأرقاء وحسن التعامل معهم .

* * *

     وتحفظ كتب السيرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه )  لما سافر إلى بيت المقدس ليتفاوض مع البطريرك على تسليم المدينة بعدما حاصرها جيش أبى عبيدة ابن الجراح ...

     لم يكن معهما ( هو وغلامه ) إلا ناقة واحدة يتناوبان ركوبها الواحد بعد الآخر إلى أن اقتربا من بيت المقدس ـ وكان دور الركوب للعبد فلم يستنكف أمير المؤمنين عمر من أن يدخلا المدينة والعبد يركب الناقة وخليفة المسلمين يمشى خلفه .

* * *

     وموقف آخر جدير بالتسجيل لعمر له دلالته على جوهر الإسلام فى التعامل مع الأرقاء والخدم ..

     رأى عمر أثناء سيره بمكة العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم فغضب وقال يوبخ السادة : [ ما للقوم يستأثرون على خدامهم ؟! ] . ثم دعا العبيد فجلسوا يأكلون مع سادتهم من طعام واحد .

* * *

     بل قرر الإسلام ـ فى مقام حسن معاملة الأرقاء ـ قرر على سادتهم ألا يؤذوهم بالضرب واللطم واعتبر الإسلام إيذاء الرقيق موجبًا لتحريره وفى هذا يقول e : [ من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه ] (23) .

     هذا هو الإسلام فحاولوا أن تعرفوه حتى لا تظلموه .

ـــــــ

(1) المائدة : 32 .      

(2) التكوير : 9 .

(3) البقرة : 258 .                                                               

(4) آل عمران : 156 .

(5) الأعراف : 158 .

(6) التوبة : 116 .

(7) يونس : 56 .

(8) المؤمنون : 80 .

(9) يونس : 56 .                            

(10) التوبة : 116 .                         

(11) الذاريات : 58 .                        

(12) هود : 6 .                              

(13) فاطر : 3 .                 

(14) الملك : 21 .

(15) انظر كتابه "حقوق الإنسان فى الإسلام " عدد 13 سلسلة دراسات إسلامية ـ إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .

(16) التوبة :60.                                                      (17) النساء : 97 .

(18) المائدة : 89 .                                                       (19) المجادلة : 1ـ 3 .

(20) رواه أبو داود باب كتاب الأدب باب 124 .                          (21) رواه البخارى ـ كتاب العتق ـ باب 15 .

(22) رواه البخارى ـ كتاب الإيمان ـ باب 22 .

(23) رواه مسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب 8 .

 

 

حق الإنسان فى المساواة

      أساس هذه المساواة فى منظور الإسلام هو المساواة فى النشأة وفى أصل الخلقة . فالناس جميعاً أبناء آدم وحواء وأبناء زوج وزوجة وتحملهم أمهاتهم شهوراً تسعة ثم ينزلون إلى الدنيا من موضع واحد إلا فى حالات الضرورة المعروفة التى تفرض إخراج الجنين من بطن أمه بالجراحة ..

     ثم إن المصير فى النهاية واحد فالجميع يغادرون الحياة الدنيا بالموت ولا يخلّد فيها أحد مهما طال عمره ، وكما يقول القرآن :  ]كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك           ذو الجلال والإكرام [ (1).

     وعن المساواة بين البشر جميعاً فى أصل النشأة والخلقة يقول القرآن : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [ (2).

      وهذه الآية تقرر أن الاختلاف فى الألوان والأجناس وبين الشعوب والقبائل ليس      إلا للتعارف والتعاون ولا يراد به مطلقاً أى تمييز بين أسود وأبيض وعظيم ووضيع : فالكل أمام الله سواء والكل فى منظور الإسلام عباد الله وخلقه لا يتمايزون بأحسابهم وأنسابهم ولا بأوضاعهم الاجتماعية وإنما يتمايزون فى الدنيا بالعلم وفى الدنيا والآخرة بالتقوى .

***

     وهذا المعنى نفسه هو ما قرره الرسول e فى حديثه المشهور : [ الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى ].

    وتأكيده صلى الله عليه وسلم فى خطبة حجة الوداع التى كانت بمثابة تلخيص مركز ودقيق لمجمل رسالة الإسلام والتى ذكّر فيها بمبدأ المساواة بين الناس وذكّر فيها بضرورة مراعاة حقوق النساء وغيرها فى قوله e :[ أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، أكرمكم عند الله أتقاكم ، ليس لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ، ألا هل      بلغت اللهم فاشهد . ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ] (3) ..

______

(1) الرحمن : 27.                            (2) الحجرات : 13 .                   (3) رواه أحمد فى مسنده .

 

 

المبدأ عند التطبيق

     على أن هذا الإعلان التاريخى والإسلامى العظيم عن مبدأ المساواة لم يتحول                 كما تتحول كثير من المبادئ الطيبة فى مجتمعاتنا المعاصرة إلى مجرد شعارات               جوفاء.

وإنما جرى تطبيقه بدقة على أرض الواقع على يد الرسول e وخلفائه الراشدين :

     فقد جاء أسامة بن زيد إلى رسول الله e وكان من أحب الناس إليه ـ جاء يشفع فى فاطمة بنت الأسود المخزومية ( امرأة ذات مكانة من بنى مخزوم ) كانت قد سرقت قطيفة وحلية ووجب تطبيق حد السرقة عليها بقطع يدها ..

فجاء أسامة إلى النبى e يشفع فيها عسى أن يعفو النبى عنها ..

     لكن الرسول e غضب غضباً شديداً  وقال لأسامة : [ إنما أهلك الذين من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه . وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد . وأيم الله ( يمين للقسم ) : لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ] .

     وأقيم الحدّ على المخزومية !!

وأشرنا من قبل إلى إنصاف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ للولد القبطى ( المصرى ) الذى ضربه ابن عمرو بن العاص الوالى على مصر آنذاك . وكيف استدعى عمر الضارب والمضروب ومعهما عمرو بن العاص والد الضارب ، ثم أعطى عمر بن الخطاب السوط للمصرى المعتدى عليه وأمره أن يقتص لنفسه من ابن حاكم مصر ويضربه ـ أمام أبيه ـ كما ضربه ..

***

      وشكى أحد اليهود الإمام على بن أبى طالب أثناء خلافة عمر بن الخطاب .. شكاه إلى عمر ليقضى بينهما .

     ولما وقفا بين يديه خاطب عمر اليهودى باسمه بينما خاطب عليًّا بكنيته ( فلم يقل له يا على وإنما قال يا أبا الحسن ، وهذه صيغة من صيغ التكريم فى الخطاب كانت متعارفة على أيامهم ) ..

     فغضب على ـ رضى الله عنه ـ وظهرت على وجهه آثار الغضب ، فقال له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ: [ أغضبت لأنى سويت بينكما فى الوقوف أمامى ، فقال على : لا غضبت لأنك لم تسوّ بينى وبين اليهودى فخاطبته باسمه وخاطبتنى بكنيتى ] .

    إلى هذا الحد كان أساس المجتمع المسلم كله وصحابة رسول الله e  خاصة مستظلاً براية المساواة الذى قرره القرآن والسنة النبوية وأعمال الرسول e نفسه ، فعمت المساواة فى المجتمع كله ونشأت عليها أجيال وأجيال يحترم فيها كل إنسان حق غيره فيحافظ عليه ..

***

     ولعل من أبرز الأمثلة وضوحاً فى هذا المقام موقف الصحابى الجليل أبى ذرّ الغفارى حين تقاول ذات يوم مع عبد أسود فطال الجدل فقال أبو ذرّ للعبد : أتجادلنى يا ابن السوداء ؟

      واستمع الرسول  e ما قاله أبو ذر فغضب حتى احمر وجهه وقال : [ طف الصاع    يا أبا ذر .. طفّ الصاع ( يعنى جاوز الأمر حده ) ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح ] . فوضع الصاحبى الجليل خدّه على الأرض وقال للعبد : قم فطأ على خدّى ..

     هكذا كان تقرير الإسلام لمبدأ المساواة . وهكذا كان التزام المجتمع المسلم كله باحترام المبدأ والحفاظ عليه ..  

* * *

     والمساواة ـ فى الإسلام ـ هى المبدأ الأعظم الثانى بعد الحرية وهى مقررة على ذات الأسس التى قام عليها حق الحرية وهى المساواة فى أصل المنشأ والخلقة الذى             قره القرآن فى قول الحق تبارك وتعالى : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا .. [ (1).

      وقوله تعالى : ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء .. [ (2).

* * *

وأقيمت هذه المساواة كذلك على أساس العبودية للخالق الأعلى الذى أمر بتسبيحه وحده فى قوله : ] سبح اسم ربك الأعلى ) (3). الأعلى وحده ومَن دونه من الخلق فهم عبيده وعباده الذين ليس لأحد منهم أن يتعالى على الآخرين وهو ما حذر منه القرآن فى قوله تعالى : ] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادًا [ (4) .

 

* * *

 

     ويمتاز تطبيق حق المساواة فى الإسلام عن تطبيقاته فى التشريعات البشرية بأنه          لا يسمح بأى استثناء أو تجاوز بسبب اختلاف أو تفاوت طبقى .

      وحديث " المخزومية " التى سرقت وحاول أسامة بن زيد مولى الرسول e                 أن يشفع فيها فلا يقام عليها الحد فغضب الرسول وقال كلمته الباقية : [ أتشفع فى حد من حدود الله يا أسامة والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ] (5).

     فى هذه الحادثة من الدلالة ما يكفى لبيان حرص الإسلام على دقة تطبيق المساواة بين الناس دون أى تفريق أو تمايز ..

* * *

      ولهذا الحق ـ حق المساواة ـ الذى قرره الإسلام للإنسان أثره البالغ والإيجابى فى ضمان تطبيق بقية الحقوق للإنسان كحق الحياة وحق الحرية وحق إبداء الرأى وحق عدم الإكراه فى الدين وحق ضمان معيشة مناسبة لا تقل عن حدّ الكفاية وحق المساواة أمام القانون وغير ذلك من الحقوق التى يعتبر حق المساواة هو ميزانها جميعاً بحيث يتساوى فى تطبيقها جميع عباد الله دون تمييز .

__________

(1)     الحجرات : 13 .

(2)     النساء : 1 .

(3)     الأعلى : 1 .

(4)     القصص : 83 .

(5)     رواه البخارى ـ كتاب أحاديث الأنبياء ـ باب 51 .

 

 

بم يكون التفاضل بين الناس ؟!

    وليس معنى إقرار الإسلام لهذا الحق العظيم حق المساواة بين العباد أن تلغى بينهم الفروق الفردية والخِلقية ويصبحون كأجزاء الآلة الصماء لا يختلف جزء منها عن جزء .. ليس هذا هو معنى حق المساواة كما قرره الإسلام ، لأن المساواة المطلقة غير واردة بسبب ما فطر الله الخلق عليه من تفاوت فى القدرات الفردية والخِلقية والنفسية وغيرها ..

     فلهذه الفروق اعتبارها وضرورة رعايتها فى الإسلام سواء فى الحقوق أو فى الواجبات..

     وعلى سبيل المثال فإنه لا تقبل ولا تصح المساواة بين الأعمى والبصير فى أداء واجبات يحتاج أداؤها إلى سلامة البصر ، وأيضاً لا تصح المساواة بين صحيح وذى عاهة فى واجبات تحتاج إلى اكتمال سلامة الجسم ، وكذلك لا تصح المساواة بين الرجل والمرأة فى واجبات تحتاج إلى القوة العضلية التى لا تملكها المرأة أو إلى الواجبات العاطفية التى لا تتوفر للرجل..

      وهكذا تستحيل المساواة المطلقة ويكون طبيعياً أن يقع التفاضل ، فكيف وبماذا يكون معيار هذا التفاضل ؟

* * *

      المعيار الأول فى التفاضل هو العلم .. وهو الذى قرره الحق تبارك وتعالى لآدم           ( الإنسان ) حين علمه الأسماء كلها ولم تكن الملائكة تعلمها فأسجدها لآدم .

      ومعيار العلم فى التفاضل معيار حضارى وبنّاء وعادل حيث لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون . وحيث يفسح العلم لأهله مكان الصدارة فى المجتمع التى لا يمكن أن ينافسهم عليها الجهلاء .

      والمعيار الثانى هو معيار التقوى وهو معيار شامل دنيوى وأخروى معاً .. وهو ما قرره الحق تبارك وتعالى : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ (1) .

 _______

(1) الحجرات 13 .

 

 

تساؤلات وإجابات

·        هل التفاضل فى الرزق يناقض المساواة ؟

    حق المساواة بين الناس حق مقرر على أساس التساوى فى أصل النشأة والخلقة حيث الكل لآدم وحواء والكل أبناء الشهور التسعة والكل من الميلاد إلى الممات فانون ولا يبقى غير وجه الله .

      ومن ثم فلا الغنى يُكسب الغَنى ميزة تخرج به عن أصل المساواة ولا الفقر يحرم الفقير سببا من الأسباب الموجبة للمساواة فيما أشرنا إليه ..

      والتفاضل بين الناس فى الأرزاق سنة من سنن الله فى الكون اقتضتها حكمته لتوازن سلم الحياة الاجتماعية درجة فوق درجة ، تستقيم به أمور الناس بين رعاة ورعية وبين حكام ومحكومين ثم بين من يأمر وبين من يطيع ، وهكذا لتستقيم أحوال الناس والحياة ..

* * *

     لكن هذا التفاضل فى الأرزاق بما يؤدى إليه من تفاوت فى الأوضاع الاجتماعية للناس لا يناقض أبداً ولا يُلغى أصل المساواة التى قررها الإسلام بين جميع الناس .

     ذلك أن هذا التفاوت " الاجتماعى " لا يصنع تفاوتا فى المنازل عند الله . فالمنازل عند الله لا تكون على أساس التفاوت فى الأرزاق وإنما تتفاوت بحسب منزلة كلٍّ ودرجته من خشية الله وتقواه ، وعلى هذا يأتى النص القرآنى الصريح : ] إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [ (1). ويؤكده الحديث النبوى الشريف [ ليس لعربى فضل على عجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ] (2).

      والتقوى حالة بين العبد وربه لا دخل فيها للفقر أو للغنى ، بل ربما كان كثيرون من المفضولين فى الرزق أقرب درجة وأعظم منزلة عند الله من أغنياء يتمنى الناس أن يكونوا بمثل ما هم عليه .

     وفى الحديث الشريف : [ رُب أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره] (3)

     ورب غنى كان غناه بلاء عليه ونقمة ومفسدة يطالع أحوال فقير صالح فيرى ما عليه من نعمة السكينة والطمأنينة وصلاح الحال فيتمنى لو بادله بكل ثروته نظير ما يرى على الفقير من سكينة هو محروم منها .

     وفى الحديث القدسى بما معناه :[ إن من عبادى من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله ، وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله ] (4).

* * *

وهم المساواة فى الأرزاق ( الأجور) كما رأى الاشتراكيون :

     الحق إنها ليست بمساواة ولكنها وهم أُقيم على فهم باطل هو أن التساوى فى الطعام والمسكن والملبس وغيرها هو غاية فى ذاته وأنه إذا تم توفيره للإنسان يكون قد ظفر بحقه فى المساواة الإنسانية ، وهذا منطق الوهم .

      لأن الطعام والشراب وما يتصل بهما ليسا غاية إنسانية تُطلب لذاتها بل هما وسيلة لاستمرار الحياة التى يحتاج تحقيق المساواة فيها إلى توفير حقوق أخرى فى الحرية : حرية الفكر والاعتقاد والعمل والمشاركة فى الحياة العامة والمشاركة أيضاً فى إدارة الشئون العامة لمجتمعه وأمته .. إلخ .

     وهذا ما حَرَم منه الاشتراكيون مواطنيهم رغم أنهم وفروا الطعام والشراب فخرج عليهم من يصرخون فى وجوههم ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .

* * *

     والإسلام عندما قرر حق الإنسان فى معيشة لا تنزل أبداً عن حدّ ( الكفاية ) بالتفصيل الذى بسطه الإمام ابن حزم وعرضناه من قبل  ..

     الإسلام لم يقف عند هذا بل قرر للإنسان كافة الحقوق الأخرى كالحرية والعدل والتعليم وتكوين الأسرة والمشاركة بالرأى فى الشئون العامة وبهذا فعلاً حقق له المساواة .

* * *

والتساؤل الثانى : هل حق المساواة يتنافى مع الإبداع أو التميز ؟

     أبداً لا منافاة فى الإسلام بين أن تكون المساواة حقاً لكل الناس وبين أن يتمايزوا أو يتنافسوا فى كل ما هو خير وما هو إبداع وتفوق .

     وبداية نرى القرآن بعد أن يعرض وجوه الخير على الناس يدعوهم إلى التسابق فى الظفر بصريح قوله تعالى : ]  وفى ذلك فليتنافس المتنافسون  .. [ (5).

    كما يأمرهم بالتسارع إلى كسب مغفرة الله والظفر بالجنة من خلال الأعمال الصالحة الموصلة إليها فيقول سبحانه وتعالى : ] وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [ (6) .

     وكان من بعض عمل النبى e  فى تربية أصحابه على التنافس فى الخير أنه يدعو أصحابه فى بعض المعارك إلى التنافس على تسلم الراية قبل المعركة بل كان إذا           تصاف الناس ( اصطف كل فريق بموقعه فى مواجهة الآخر ) دعا إلى المبارزة أو سمع من يدعو إليها من صفوف الأعداء فيلتفت إلى أصحابه يسألهم : ومن يخرج لهذا ؟ فيتسابقون فى ذلك وكلهم حريص على الظفر بهذا المجد الأدبى الذى يتوّج به كل منهم جبينه .

      ولا يكون للفوز فى هذا التنافس أدنى تأثير على حقيقة ومعنى المساواة التى أرسى الإسلام حقيقتها بين المسلمين .

     وتاريخ الدعوة وتاريخ الدولة المسلمة أيضاً حافل بالنماذج الرفيعة من الرجال       الذين تربوا على هذه المساواة فى مدرسة النبوة فكانوا نِعم القدوة والأسوة فى كل ما هو نبيل وخير فأفسح التاريخ لهم فى صفحاته ( رجالا ونساء أعز مكان (7) ) . وتركت " المساواة " المتألقة والمحركة لمطامح العزة فيهم .. تركت أمام أسمائهم ألقابا نذكر منها الصدِّيق " لأبى بكر و " الفاروق " لعمر بن الخطاب ، و " سيف الله المسلول " لخالد بن الوليد و" أمين الأمة " لأبى عبيدة بن الجراح بل وتركت بين النساء لقب : " ذات النطاقين " لأسماء بنت أبى بكر ولقب " أم المساكين " أم سلمة " بنت أبى أمية المخزومى " وبين الشهداء " ذو الجناحين "  جعفر بن أبى طالب ـ رضى الله عنهم أجمعين . 

     فكلهم لم يخرج به تميزه عن خط المساواة كأسنان المشط وعن الاستواء فى الصلاة أو فى القتال كأنهم بنيان مرصوص .

     وتلك نماذج عظمى من الرجال كوّنتها قيم عظمى من المبادئ والأخلاق ..

__________

(1) الحجرات : 13 .

(2) رواه أحمد فى مسنده  : حديث رقم 24204 .

(3) رواه مسلم ـ كتاب البر والصلة والآداب باب 40 .

(4)   جامع العلوم والحكم .

(5) المطففين : 26 .

(6) آل عمران : 133 .

(7) انظر تاريخ الإسلام السياسى ج1 ، 2 للدكتور حسن إبراهيم حسن.

وانظر رجال حول الرسول لخالد محمد خالد . وانظر أسد الغابة . وانظر  .

 

 

 

حق الإنسان الفرد فى المحاكمة العادلة

     فى المنظور الإسلامى يعامل الإنسان على أن الأصل فيه هو البراءة من الاتهام           أو من الذنوب إلا ما يتبين نقيضه بدليل شرعى صحيح . وهذا المعنى متفق مع المبدأ الإسلامى فى أن الإنسان لا يرث خطيئة آدم ، ولا يحاسب على ذنب إلا الذنب الذى يرتكبه وتثبت إدانته عليه أمام قضاء عادل .

     وفى هذا يقول الرسول r فيما رواه البخارى : [ كل أمتى معافى إلا المجاهرون ] (1) يعنى أن الأصل هو البراءة إلا من يجاهر بمعصيته . فهذا المجاهر بالمعصية يدين نفسه باعترافه ويعرّض نفسه للمقاضاة والمساءلة .

* * *

     ومن ثوابت الإسلام أنه لا إدانة ولا تجريم إلا بنصّ شرعى وفى هذا يقول القرآن الكريم : ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ( (2) .

     وفى مجال حماية حق الإنسان فى المحاكمة العادلة يشترط الإسلام لثبوت الاتهام شرطين:

أ  ـ إما اعتراف المتهم بصحة ما اتهم به دون إكراه أو تعذيب .

ب ـ وإما وجود بيّنة تشهد بارتكابه للذنب المتهم به . والبينّة هى أربعة شهود عدول ( أى صالحين لا يمكن أن يجتمعوا على الكذب أو شهادة الزور ) .

     وفى الحالتين : بالاعتراف أو البينّة العادلة يحكم القاضى بالإدانة .

* * *

     على أن من عظمة الإسلام وسماحته فى رعاية أحوال الإنسان وما قد يتعرض له من الخطأ أو النسيان نراه يعفى الإنسان فى حالتى الخطأ والنسيان وحالة الإكراه والتى تفرض عليه ليفعل ما لم يكن يريد أن يفعل أو يقول ما لا يصح أن يقول .. فهذه الحالات يراعيها القاضى وتقدر بقدرها .

     وفى هذا يقول الرسول r : [ رفع الله عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا        عليه] (3).

__________

(1) رواه البخارى فى صحيحه : فتح البارى ـ كتاب الأدب  .

(2) الإسراء : 15 .

(3) رواه البخارى فى صحيحه : فتح البارى ـ كتاب العتق .

 

 

حق الإنسان فى حماية عرضه وسمعته :

     وفى خطبة الرسول r فى حجة الوداع التى نعتبرها تلخيصاً مركزاً ودقيقاً لمجمل رسالة الإسلام يقول الرسول r : [ فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ] (2) .

     وفى القرآن الكريم سورة تسمى " سورة النور " تتحدث بتفصيل وبيان عن حرمة عرض الإنسان وسمعته ، رجلاً كان أو امرأة .

     وتحدِد العقوبات الشرعية لمن يخوضون فى أعراض الناس ويشيعون الفاحشة ويتهمون الناس بما ليس فيهم . وهى عقوبات رادعة لزجر من يرتكبون هذا الجرم حيث تحدِد الآيات ثلاث عقوبات رادعة لمن يقذفون المحصنات ( أى يتهمون الشريفات الفضليات بما ليس فيهن دون بينة عادلة ) .. أربعة شهود ـ يؤكدون ما قالوه ـ فهؤلاء يُنزل بهم القرآن الحُكم الشديد المناسب لجرمهم فتقول الآية الكريمة محددة ثلاث عقوبات : عقوبة حسّية هى الجلد ، ثم عقوبة اجتماعية وهى إعلان عدم قبول شهادتهم أمام القضاء وهى ( تقابل إسقاط الجنسية ) ، ثم عقوبة أُخروية هى العذاب فى الآخرة ، كما تقول الآية :

     ) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون ( (3) .

* * *  

     والإسلام فى تقرير حق الإنسان فى صيانة عرضه وسمعته لم يقف عند العقوبة ولم يجعلها وحدها هى الضمان لحماية الأعراض .

     وإنما أضاف إليها تنبيه المجتمع ( الرجال والنساء ) إلى اجتناب كل أنواع السلوك الذى يضع الإنسان موضع الشبهة بين الناس .. فقرر مجموعة من الآداب الاجتماعية الجميلة التى تحمى الأفراد والمجتمع كله من التورط فى معصية هتك حرمات البيوت والأسر ، والاطلاع على ما لا يحل الاطلاع عليه من أسرار الناس . فحرّم على الآخرين أن يدخلوا بيوت الناس إلا بعد استئذانهم أو بعد الاتفاق معهم على الموعد الذى يزورونهم فيه . بل أوجب هذا الاستئذان وأمر من يطرق بيوت الآخرين من غير أخذ موعد سابق للزيارة أن يعود من حيث أتى وأباح لصاحب البيت أن يرفض هذه الزيارة غير المشروعة حيث تقول الآية الكريمة : ) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ( (3) .

* * *

     فى الوقت نفسه وحماية للأنثى من أن يتكلم الناس عنها بسوء أمر نساء النبى أمرًا ـ هو موجه بالطبع إلى جميع نساء المسلمين ـ أمرهن عند التعامل مع الآخرين ألا يكون فى أصواتهن عند مخاطبة الآخرين ولو من خلف الحجاب ما يغرى الرجل أو يوقظ غريزته  فقال : ) يا نساء النبى لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفًا ( (4) .

     وإكمالاً من الإسلام لصيانة سمعة الإنسان وعرضه نهى الإسلام عن تتبع عورات أخيه فى الإنسانية أو محاولة النيل من شرفه وسمعته ومكانته الأدبية فيقول :

     ) ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ( (5) . ويقول : ) ولا تلمزوا أنفسكم  ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( (6) .  

     ونرى مما سبق أن الإسلام فى حمايته لحق الإنسان فى صون سمعته وعرضه ومكانته الأدبية لا يقف عند حد تقرير العقوبات الرادعة ؛ وإنما يعمل على تربية المجتمع كله على عدم الوقوع فى هذه المعصية ، فيواجه كل جوانب المسألة بما يقتلعها من جذورها جميعاً وينجى المجتمع كله ـ وليس الأفراد فقط ـ من آثارها ، وتلك قسمة حضارية تحسب لشريعة الإسلام التى لا تقف فقط عند مجرد علاج الداء بل تعمل على اجتثاثه من جذوره .

_________

(1) رواه البخارى فى صحيحه : فتح البارى ـ كتاب الحج .

(2) النور : 4 .   

(3) النور : 27، 28 .                                                (4) الأحزاب : 32 .

(5) الحجرات : 12 .                                              (6) الحجرات : 11 .

 

 

حق التدبر والتفكير فيما ينفع :

     من حق الإنسان بل من واجبه فى الإسلام أن يتدبر فيما يقوله من أمور الناس والحياة وفيما حوله كذلك من آيات الله تبارك وتعالى فى خلق الكون وسننه فيه حتى يدرك سنن الله فى الآفاق وفى الأنفس ليوظف ذلك فى خدمة الناس والحياة ، ويكون بهذا صاحب رسالة وإنساناً يشارك فى حمل الأمانة التى حملها هو وتميّز بها عن بقية خلق الله من الحيوان والطير وبقية الكائنات .

     هذا التفكير وهذا التدبر فريضة إسلامية أمر بها القرآن الكريم الإنسان                         ـ  كل إنسان ـ  فى آيات كثيرة مثل قوله تعالى : ) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ( (1) .

     وقوله تعالى : ) قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق  ( (2) وقوله          تعالى:) أفلا تنظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت* وإلى الجبال               كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سطحت( (3)وقوله تعالى:) وفى أنفسكم أفلا            تبصرون ( (4) ..

     وغير هذا كثير مما تدعو إليه آيات القرآن الكريم الإنسان ليتدبر ويتفكر فى آيات الله وسننه فى الكون وكذلك التعرف على أخبار وأحوال السابقين وما جرى عليهم من سنن الله حين استقاموا وما أنزل بهم من بأسه حين كفروا وظلموا .. فيعتبروا ويتدبروا ويستفيدوا من هذا التدبر فى تنظيم  حياتهم بما يحقق لهم المنفعة ويحميهم من مخاطر الجهل وسوء التعامل مع الحياة والناس .

 

     وخاصة إذا تذكرنا ما سبق التنبيه إليه من أن الإنسان قد أصبح بحكم المنزلة التى وضعه الله فيها وأكرمه بها وهى منزلة الاستخلاف .. فبحكم هذه المنزلة هو مسئول أمام الله عن عمارة الأرض وحمايتها من الفساد والإفساد كما قال تعالى:)هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ( (5)  أى طلب إليكم عمارتها ، ولا تكون عمارة الأرض ولا تكون حمايتها من الفساد والإفساد إلا بإمعان النظر فى الكون وما فيه وفى الناس والحياة .

     وبإيجاز أقول : إن التفكير فريضة إسلامية لأنها السبيل إلى عبادة الله والسبيل إلى حسن      إعمار الأرض والتمكين فيها لقيم الحق والعدل ، ومن ثم فهى أحد الحقوق الأساسية للإنسان .

_________

(1) سبأ : 46 .                       

(2) العنكبوت : 20 .                

(3) الغاشية : 17 .

(4) الذاريات : 21 .

(5) هود : 61 .

 

 

الحق فى كفالة حد الكفاية من المعيشة :

     ويسمى بعض الباحثين هذا الحق بالحق الاقتصادى وما اخترناه أوضح وأيسر فهماً ودلالة .

     وأذكّر إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوربا بما سبق ذكره عن الرؤية الإسلامية العادلة والنبيلة فيما يتصل بعلاقة الإنسان بالثروة ( المال ) ومجملها بإيجاز    أن المال مال الله وأن جميع عباد الله وخلقه مسلمين أو غير مسلمين ، لهم فى هذا المال حق معلوم يجب أن يحصلوا عليه بما يكفل لهم حدّ الكفاية من العيش والذى هو الحد الأدنى ـ والملائم فى الوقت نفسه لتوفير معيشة كريمة لهذا الإنسان الذى استخلفه الله عنه فى الأرض .

***

      وربما تساءل سائل : أيعنى ذلك أن الإسلام يتخذ الاشتراكية مذهبا فى الاقتصاد وفى توزيع الثروة بين الناس ؟؟

 

      وأقول بكل القوة واليقين : لا .. لأن الإسلام ـ هذه الرسالة السماوية الخاتمة والكاملة ـ أُنزلت على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن تُعرف المذاهب الاقتصادية المعاصرة بين رأسمالية واشتراكية أو غيرهما من المذاهب الوضعية ، وما دام الإسلام هو الأسبق فلا تجوز نسبته إلى هذا الاتجاه أو ذاك مهما يكن من تشابه من بعض الوجوه فى حمايته ـ مثلاً ـ للملكية الخاصة التى هى قاعدة الرأسمالية ؛ وكتقريره لحقوق الفقراء وعنايته بها فى أموال الأغنياء ..

        الإسلام لا تصح نسبته إلى هذا المذهب أو ذاك لأنه الأسبق ثم لأنه الأكمل والذى حمى الملكية الخاصة لتحريك وتنمية الدافع الذاتى للعمل والجد لدى الإنسان حتى تتحقق التنمية ويتحقق إعمار الأرض ؛ وهو الذى قرر وأعلن عموم الانتفاع بالمال حتى يأخذ الفقراء حقوقهم فيه ..

 

     وهذه الرؤية الإسلامية التى جمعت خصوصية الملكية إلى عموم المنفعة هى الأولى وهى الطريق الأمثل لإقرار العدل ، وتمكين الإنسان ـ كل إنسان فى أن يحصل على نصيبه من رزق الله دون عنف أو ثورة وأيضًا حتى تنتفى الأحقاد الطبقية ويعيش العالم فى سلام .

***

     لهذا كله كان تقرير الإسلام لحق الإنسان فى معيشة ملائمة اصطلح الفقهاء على تسميتها " حدّ الكفاية " الذى يوفر للإنسان ـ كل إنسان ـ كما قال الإمام ابن حزم بيت يؤويه وطعام يكفيه وزوجة وخادم ودابة ..

    وحسب الإنسان ـ كل إنسان عادى سليم النفس من الُلهاث وراء متاع الحياة          الدنيا وزينتها ـ حسبه ذلك لمعيشة كريمة .

     وما زاد فهو فضل يوظف لصالح عباد الله كما قالت الآية الكريمة :] ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو [ (1) . والعفو ما زاد عن الحاجة كما قال الإمام ابن عباس .

ــــــ

(1) البقرة : 219 .

 

 

 

حقوق ذات طبيعة خاصة :

     هى ذات طبيعة خاصة لأنها غير لصيقة بشخص الإنسان وحاجاته لكنها أقرب إلى أن تكون لها صفة الواجب .

     وهى فى الإسلام إحدى قسماته الحضارية التى لم يعرف لها نظير فى أى تشريع        لا سماوى ولا وضعى . وهى فى مجموعها تمثل المنهاج الأمثل لترشيد مسيرة الناس والحياة وحمايتها من تحكم الباطل والفساد والشر ..

* * *

    ومن أمثلة هذه الحقائق :

الحق ( الواجب ) فى رفض الظلم :

      ولأن الظلم ظلمات يوم القيامة ، ولأنه فى الدنيا سبب خرابها . فقد قرر الإسلام هذا الحق ( الواجب ) للإنسان وعليه ألا يستسلم للظلم ويقعد عن مواجهته ، لأنه الأصل فى الإنسان ـ كما يقرر الإسلام ـ أن تكون له العزة فلا يقبل " ظلما ولا هضماً " ،             لأنه إذا تقبّل الظلم وخضع للظالم تآكلت الأهلية التى أرادها الله له حين استخلفه عنه فى الأرض ، وهو بذلك يكون ناقضا لعهد الاستخلاف الذى جعله الله له .

     ورفض الظلم ـ فى ذاته ـ منزلة حفظها الإسلام للإنسان وأجزى له المثوبة عليها كما شدد عليه العقوبة إذا لم يجاهد للخلاص منه .

      وفى هذا تقول الآية الكريمة : ] إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا       فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا [ (1) .

     كما يعتبر الإسلام حق ( واجب ) رفض الظلم ومقاومة الظالم من أعظم وأفضل مراتب الجهاد كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : [ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر](2) .

***

الحق ( الواجب ) فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر :

     وإعطاء هذا الحق ( الواجب ) للإنسان وتكليفه به إنما هو كذلك من الملامح الحضارية للإسلام العظيم الذى تُعنى شريعته بحماية الناس والحياة من الآفات والعيوب والعاهات الاجتماعية والأخلاقية وتحرص دائماً على العلاج الإيجابى المستمر لكل عاهة أو انحراف أو مرض يصيب المجتمع ..

     ويتمثل هذا العلاج فى تقرير الإسلام لهذا الحق ( الواجب ) فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والذى جاء التكليف والأمر به فى قوله تعالى : ] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[ (3).

 

     كما جعل الإسلام هذا الحق ( الواجب ) من أهم أسباب تفضيل أمة الرسالة         الخاتمة واعتبارها خير أمة وذلك فى قوله تعالى : ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. [ (4) .

 

      وفى هذا أيضاً يقول الرسول e : [ أمرٌ بمعروف صدقة ، ونهىٌ عن منكر صدقة ] (5) ، ويقول : [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ] (6) .  وبملاحظة الأمر الوارد فى الآية الكريمة . والأمر الوارد  فى الحديث النبوى نرى الأمر فى الآية يقول : ] ولتكن منكم أمة .. [ . وفى هذا دعوة لأن تكون للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جماعة أو منظمة أو هيئة تتولى هذه المهمة ، وتكون لها من الصلاحيات ـ ما يساعدها على ذلك (7) .

     

      أما الحديث الشريف فقد جعل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تكليفا عاما يقوم به كل من يكون عارفا بالمعروف فيدعو إليه وعارفا بالمنكر فينهى عنه . فالقرآن والحديث يتكاملان .

***

الحق ( الواجب ) فى الدفاع عن المستضعفين فى الأرض :

     وهذا الحق كسابقيه من القسمات الحضارية النبيلة والجليلة للإسلام العظيم ، الذى لم لم تقف رسالته بعنايتها على المسلمين فحسب بل شملت عنايتها الإنسان ـ كل إنسان مسلما كان أو غير مسلم ـ حتى جعلت الدفاع عن المستضعفين فى الأرض واجبا على الإنسان المسلم .

     ولأن المستضعفين فى الأرض موجودون فى جميع أنحاء الأرض . ثم لأن الإسلام وحده هو الرسالة العالمية فهو لهذا يوجب على الإنسان المسلم الدفاع عنهم والانتصار لهم وذلك فى دعوته المسلمين للقيام بهذا الواجب (الحق) فى قوله تعالى :] وما لكم  لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا[ (8) .

***

الحق ( الواجب ) بإجارة طالب الأمان :

      وهذا الحق جدير بالاعتبار والتأمل والاعتراف للإسلام بتقدمه وسبقه فيه على غيره من الشرائع أو التشريعات ، لأن طالب الأمان والمستجير هنا ليس مجرد عابر سبيل بل إنه عدّو كان يحارب فى صفوف المشركين ثم ـ ولاعتبارات تخصه ـ طلب الإجارة فنزل القرآن بصريح العبارة يخاطب الرسول e بقوله : ] وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه [ (9) . ويعرف هذا الحق فى المصطلحات المعاصرة بحق اللجوء السياسى .

_________

(1) النساء : 97 ـ 99 .                                            

(2) رواه أبو داود ـ كتاب الملاحم ـ باب 17 .

(3) آل عمران : 104 . 

(4) آل عمران : 110 .

(5) رواه مسلم ـ كتاب الزكاة .                          

(6) رواه مسلم ـ كتاب الإيمان .

(7) نشير هنا إلى ما هو قائم بالفعل فى المملكة العربية السعودية باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وربما وجد نظير لذلك فى بعض البلاد الإسلامية .

(8) النساء : 75 .

(9) التوبة : 6 .

 

 

حقوق غير المسلمين :

    الإنسان فى الإسلام يشمل المسلم وغير المسلم . ومن ثم يقرر الإسلام لغير المسلمين حق المعاملة بالمثل ، بمعنى أنهم إن سالموا المسلمين فلهم السلام والأمان والعدل فى معاملتهم ، وإن عادوا المسلمين أو ساعدوا عدوهم عليهم فتجب كذلك معاملتهم بالمثل بمعنى ألا يكونوا موطن الثقة ولا تجوز موالاتهم ولا مودتهم لأنهم بفعلهم وضعوا أنفسهم بين صفوف العدو . وفى هذا تقول الآيتان الكريمتان : ] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتولوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبّروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون [ (1).

       وثمة حقوق أخرى كثيرة قررها الإسلام للإنسان كحقه فى التربية والتعليم وحقه فى أن يكون له بيت وأسرة وحقه فى أن يشارك فى الحياة العامة وحقه فى بيعة رأس الدولة وحقه فى التقدم للمجالس النيابية وغيرها .

     وجميع هذه الحقوق يندرج ضمن ما سبق النص عليه من الحقوق لأن المرجع فيها جميعاً هو إعداد الإسلام إنساناً يكون أهلا للاستخلاف عن الله فى الأرض . ولا يتم تأهيله إلا بتوفير كافة الحقوق .

      فإذا حرم منها أو حيل بينه وبينها كان كالشجرة العطشى مصيرها الجفاف والموت ..

_______

(1)  الممتحنة : 8 ـ 9.

 

 

قضية حقوق الإنسان :

     ولأن الإنسان الذى قرر له الإسلام هذه الحقوق التى سبق ذكرها ويعيش فى عصرها الحاضر محروما من أكثرها وخاصة فى بلادنا العربية والإسلامية ، وبالأخص فى بعض بلاد الغرب التى تتباهى ـ إعلاميا ـ بأنها بلاد الديمقراطية والحرية ..

      أقول من أجل ذلك وحرصاً على استعادة حقوق الإنسان المفتقدة فى عالمنا .. فقد تكونت جماعات ومنظمات تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان نذكر منها (1) :

 

1- منظمة العفو الدولية :

     ويربو عدد أعضائها المنتشرين فى 150 مائة وخمسين دولة على سبعمائة ألف عضو . وأساس اهتماماتها هو متابعة حالات وأوضاع " سجناء الرأى " وأمانتها العامة فى لندن وتصدر تقريرًا سنويا بمتابعة حالات السجناء .

 

2- منظمة المادة (19) ( المركز الدولى ضد الرقابة ) :

    وأخذت اسمها من المادة (19) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى يقرر أن لكل إنسان الحق فى حرية الرأى والتعبير ـ وينصب اهتمامها فى الكشف عن الرقابة على الرأى والتعبير والمعتقدات لمناصرة ضحايا الرأى والتعبير .

3- فى عام 1977 أُنشئت إدارة بوزارة الخارجية الأمريكية ـ بقرار الرئيس جيمى كارتر تسمى إدارة " حقوق الإنسان " تتلقى تقاريرها المهمة من السفارات الأمريكية وتعد تقريرها فى ضوئها.

     وقد شرط القرار الرئاسى لإنشاء هذه الإدارة ـ والذى صادق عليه الكونجرس ـ شرط الربط بين المعونة الأمريكية وبين التزام الدول بالمحافظة على حقوق الإنسان .

 

4- وفى الولايات المتحدة أيضاً " منظمة محامون " من أجل المحامين ـ وهى فرع من منظمة أكبر تسمى " محامون من أجل حقوق الإنسان " . ولا يقتصر عمل هاتين المنظمتين على رعاية حقوق المحامين فحسب بل يمتد ليشمل ـ غير المحامين ممن يكونون ضحايا لانتهاك حقوقهم الإنسانية .

    وقد حظيت هذه المنظمة بصفة العضو المراقب فى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وبصفة العضو الاستشارى بالكونجرس الأمريكى .

 

5ـ وللأمم المتحدة لجنة خاصة بحقوق الإنسان أُنشئت بمقتضى العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ..

 

6- وكان من نتائج مؤتمر فينيسيا (14ـ15/6/93) المعروف بالمؤتمر العالمى الثانى لحقوق الإنسان ـ أن تقرر فيه أن تعمل الأمم المتحدة  لإنشاء وظيفة " مفوض سام لحقوق الإنسان ـ ويكون من أبرز مهامه :

     العمل فى إطار ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمى لحقوق الإنسان وسائر الصكوك الدولية لحقوق الإنسان .

 

7ـ المنظمة العربية لحقوق الإنسان التى تأسست فى " قبرص " عام 1979 وتتخذ القاهرة مقرا لنشاطها الذى يتعرض للجدل حول شرعية وجودها فى مصر . وقد لوحظ أن الجدل حول شرعيتها يزداد أو يتكرر كلما كانت لها مواقف من انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر ..

     وثمة منظمات أخرى معنية بحقوق الإنسان مثل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ودورها أكبر من المنظمات الأخرى مثل : اتحاد المحامين العرب واتحاد الحقوقين العرب والاتحاد العام للصحفيين العرب وغيرها .

______

(1) هذه المعلومات مستقاة من كتاب " الإعلان الإنسانى لحقوق الإسلام " عدد 50 من سلسلة فى التنوير الإسلامى . بتقديم     وإعداد / د . محمد سليم العوّا .

 

 

 

الإسلام وحقوق غير المسلمين

___

     لأن الإنسان ـ فى الإسلام ـ هو المستخلف عن الله فى الأرض وهو الذى أسجد له ملائكته منوط به إعمار الأرض وحمايتها من الإفساد فيها ..

     فغير المسلمين فى دولة الإسلام لهم كافة الحقوق المدنية التى تكفل لهم التكريم الذى منحه الله تبارك وتعالى للإنسان فى قوله تعالى : ] ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً [ (1) .

     ولعل من المفيد أن نوضح بعض المصطلحات التى قررها الفقهاء لأنواع غير المسلمين وما تكون عليه المعاملة المقررة فى الإسلام لكل منها ، وهذه المصطلحات هى : المستأمنون ـ أهل الذمة ( الذميون ) ـ الحربيون  .

* * *

     المستأمنون : هم الذين يدخلون ديار المسلمين بغرض السياحة أو التجارة أو تلقى العلم أو العلاج أو غيرها من المصالح الإنسانية ، ولهؤلاء ـ فى الإسلام ـ الأمان الكامل والرعاية التامة لحقوقهم ما لم يخلّوا بأمن الدولة أو يعتدوا على أبنائها أو يرتكبوا من الأفعال ما يعرضهم للمساءلة والعقوبة .

     وهنا تجدر الإشارة إلى أمر جدير بالتقدير للإسلام وحضارته وهو دليل واضح على حرصه على المسالمة وفتح الباب للتعاون الآمن مع الآخر .

     ذلك أن الإسلام لم يجعل حق إعطاء الأمان للمستأمن ( طالب الأمان كالحالات المشار إليها ) .

     لم يجعل هذا الحق وقفًا على رأس الدولة وإنما وسّعه فأباح لأفراد الأمة المسلمة أن يعطوا الأمان لمن يطمئنون إلى حسن نيته وسلامة مقصده فى طلب دخول أرض المسلمين .

* * *

     وقد حدد الفقهاء شروطًا لمن يجوز له إعطاء الأمان ـ منها أن يكون مسلمًا ( رجلاً أو امرأة ) (2) ، وأن يكون بالغًا فلا يسمح للطفل بإعطاء الأمان ، وأن يكون عاقلاً ـ فلا يجوز للمجنون إعطاء الأمان ـ وكذلك أن يكون فاهمًا لمعنى " عقد الأمان " وما يترتب عليه من حقوق وواجبات .

     وهى كما نرى شروط المراد منها تحقيق مصالح الناس ـ كل الناس ـ ماداموا غير مفسدين فى أرض المسلمين . ولهذا لا يجوز إعطاء الأمان للجواسيس الذين يدخلون ديار المسلمين بقصد التعرف على أسرارها أو مواطن الضعف فيها فيستغلها أعداء الإسلام والمسلمين .

     وهذه الشروط معروفة ويجرى التعامل بها وتضع أجهزة الاستخبارات فى عالمنا المعاصر أعينها على ما حذر منه فقهاء الإسلام منذ قرون طوال .

* * *

     كما تجدر الإشارة إلى أن " المستأمن " تطبق عليه أثناء إقامته فى ديار الإسلام أحكام شريعته هو فيما يتصل بأموره الدينية .

     أما حقوقه المالية فهى ملك مصون له لا يجوز المساس بها .

     وفى الحقوق الدينية له كل الأمان ما لم يرتكب جرمًا يستوجب عقابه كقتل مسلم          أو ذمى أو مستأمن مثله أو يرتكب جريمة الزنا أو السرقة أو نحوها . فهنا تطبق عليه أحكام شريعة الإسلام .

     وأعتقد ـ إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوربا ـ أنكم تدركون ما فى هذا التعامل الإسلامى ـ مع غير المسلمين ـ من عدل وسماحة يقدرها أهل الإنصاف وكافة العقلاء مما حمل كثيرين على الدخول فى الإسلام بعد ما اقتربوا منه ووقفوا على رقى شريعته وعدله فى التعامل مع الآخرين .

* * *

     أما النوع الثانى من غير المسلمين وهم الذمّيون ( أهل الذمة ) فقد سبقت الإشارة إلى الموقف الحضارى والواقعى فى الوقت نفسه فى التعامل معهم وهو ما حددته آيتان كريمتان سبقت الإشارة إليهما (3) ومضمونهما أنه ما دام  أهل الذمة ( من أهل الكتاب ) مسالمين فى معاملتهم للمسلمين فلا يجوز أن يمارس أى عدوان عليهم بل يكون أساس التعامل معهم هو البر والعدل .

    أما إذا أساءوا معاملة المسلمين بأن قاتلوهم أو أعانوا عليهم عدوهم وأخرجوهم من ديارهم فتكون هناك مفاصلة معهم حيث لا بر لهم ولا اطمئنان إليهم .

     وهذا هو منطق الواقع الذى يرتضيه العقلاء فى كل أنحاء الدنيا ، وهو كذلك منطق الإنصاف والعدل .

* * *

     وأودّ هنا ـ أن أبسط بعض الشىء ـ مقدار سماحة وإنصاف الإسلام فى تعامله النبيل مع أهل الذمة باعتبارها أبرز النماذج المعاصرة لحرص الإسلام على حقوق غير المسلمين فأقول :

 

أولاً : حق " الذميين " أهل الذمة فى الاحتفاظ بعقيدتهم الدينية :

     وذلك من غير أى إكراه لهم على تغييرها ـ لأن الإكراه فى الدين لا يصنع مؤمنين وإنما يصنع منافقين . وهذا ما يرفضه الإسلام فى صريح قوله تعالى : ] لا إكراه فى الدين [ (4) .

     وجدير بالانتباه أن النهى عن الإكراه فى الدين ليس وقفًا على الذميين ( أهل الذمة أو أهل الكتاب ) وحدهم بل النهى عن أن يُكره أى إنسان على تغيير معتقده سواء من أهل الكتاب أم من غيرهم أو حتى ممن لا دين لهم .

     ذلك لأن الإسلام كما قال الإمام ابن كثير فى تفسير هذه الآية : لا تكرهوا أحدًا على أن يدخل فى الإسلام لأنه دين واضح مناسب للفطرة الإنسانية ، فمن شرح الله صدره وأنار بصيرته دخل فيه باختياره .

     أما من أعمى الله بصيرته فدخوله فى الإسلام مكرهًا لا خير فيه ولا فائدة .

* * *

ثانيًا : حرمة الاعتداء على أنفس الذميين وأعراضهم وأموالهم :

     وفى هذا يقول الرسول e : [ من قتل نفسًا معاهدًا ( ذميًا ) لم يَرُح ( لم يشم ) رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما ] (5) .

      وكذلك لا يجوز الاعتداء على أعراضهم وأموالهم ولو كانت هى الخمر والخنزير مع أن الخمر والخنزير فى الإسلام إذا كان مملوكا لمسلم وتعدى عليه أحد لا يُعوضّ المسلم عنه لأنه ليس بمال فى الإسلام ..

      لكنه عند أهل الذمة مال ولذا لا يجوز للمسلم أن يعتدى عليه وإن اعتدى عليه مسلم اعتبر سارقا له ووجبت عليه عقوبة السرقة ، وإذا اعتدى على الذمى بالقتل عوقب بعقوبة قتل النفس كما لو كان قتل مسلماً.

* * *

ثالثاً : وجوب الدفاع عنه ضد أى اعتداء :

     بل وإذا أُسر الذميون فى الحرب يجب إنقاذهم لأنهم بدفعهم الجزية لدولة الإسلام ، يجب الدفاع عنهم وتخليصهم من الأسر إن أُسروا . ( والجزية مقدار مالى يدفعه الذمى مقابل حمايته وعدم انخراطه فى الجيش ) .

     وثمة موقف مشهور للإمام ابن تيمية عندما كان يفاوض التتار على إطلاق سراح الأسرى فقال التتار سنطلق سراح الأسرى المسلمين فقط فرفض الرجل بقوة وأصر على إطلاق سراح الأسرى من النصارى وتمّ له ذلك .

      أما إذا اشترك الذمّيون فى جيش الدولة المسلمة فلا جزية عليهم .

     أكثر من هذا أنه إذا عجزت الدولة المسلمة عن حماية أهل الذمة فيها لأى سبب فعليها أن تردّ الجزية التى كانت قد أخذتها إلى أصحابها من أهل الذمة .

* * *

رابعاً : مشروعية زيارة الذميين وعيادة المرضى منهم :

      والمعتمد فى تقرير هذا الحق هو أنه من وجوه " البرّ " الذى جاء الأمر به فى آية سورة " الممتحنة " السابق ذكرها ، ثم فى فعل الرسول e فيما جاء من حديث أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ قال : [ كان لرسول اللهe    غلام يهودى يخدمه فمرض فأتاه النبى e يعوده ( زيارة المريض ) فقعد عند رأسه وقال له :

أسلم . فنظر الغلام إلى أبيه وكان حاضراً ـ كأنه يسأله ماذا يقول ـ فقال له أبوه : أطع أبا القاسم ( يعنى الرسول e ) .. فأسلم الغلام . فقال e : الحمد لله الذى أنقذه من النار ] .

***

     وكما تجوز عيادة مريضهم تجوز كذلك تهنئتهم بالمناسبات الاجتماعية كالزواج أو قدوم غائب أو نحوها .

* * *

    كما ترون إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا فإن الإسلام يعطى للإنسان ـ كل إنسان مسلماً كان أو غير مسلم ـ كافة الحقوق التى تحترم إنسانيته وتوفر له التكريم الذى منحه الله له . ثم قبل هذا تجعله أهلا للاستخلاف عن الله فى الأرض .

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكاً وأوروبا :

خلاصة القول فى موقف الإسلام من غير المسلمين :

أولاً : أيا كان نوع غير المسلم من ذمّى ( من أهل الكتاب ) أو مستأمن أى قادم إلى          بلاد الإسلام للسياحة أو العلاج أو السفارة أو غيرها أو كان ممن يسميهم الفقهاء " الحربيّون " أى المعادون المحاربون للمسلمين .

أكـــرر :

    أيًّا كانت مواقف غير المسلمين من الإسلام فإن الأصل فى علاقة الإسلام بغير المسلمين هو السلام للاعتبارات التالية :

 

     1- لأن هذا الدين يرفض العنف فى أى تعامل مع الناس والحياة بل ويقدم بديلاً عنه الرفق والكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى والمجادلة بالتى هى أحسن كما هو ثابت فى آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول e وأعماله ثم سلوك صحابته وخلفائه الراشدين الملتزم بهذه المبادئ . مما كان له أثره الكبير فى انتشار الإسلام واتساع رقعة المساحة التى أهلها مسلمون.

     2- أوضحنا فيما سبق أنه حين يُكره المسلمون على القتال دفاعاً عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وعقيدتهم كيف كانت وصايا الرسول  e وخلفائه للمقاتلين بالتزام السلام ( عدم القتال ) إذا ووجهوا فى الميدان بامرأة أو صبى أو شيخ لا يستطيع القتال أو راهب يتعبد وغيرها ، فيكون السلام وعدم الاعتداء عليهم هو الأمر القرآنى والنبوى الذى لا يسمح بأى عدوان على هؤلاء ، بل يكون السلام معهم هو الواجب .

     3- وأوضحنا كذلك ـ فيما سبق ـ أن الرفق والرحمة بوجه عام هما التوجيه         والأمر الذى يؤمر به المسلمون فى تعاملهم مع الحياة والناس بل وحتى ـ مع الحيوان الأعجم والطير والحشرات ـ حيث يعتبر الإسلام الرفق فى كل الأمور هو طريق الخير بل هو الخير كله كما قال الرسول e : [ من حُرم الرفق حُرم الخير كله ] (6) .

     4- أن السلام ـ بالنسبة لدعوة الإسلام ـ هو المناخ الأمثل والأنسب لتحقيق انتشار الإسلام وقبول الناس له بمجرد أن تتاح لهم فرصة التعرف عليه وتأمل تعاليمه .

     ذلك لأن شريعة هذا الدين والمثل العليا التى دعا إليها هى وحدها باتفاقها مع             الفطرة الإنسانية كافية لجذب الناس إليه ودخولهم فيه ..

      ولعل انتشار الإسلام ودخول دول شرق وجنوب شرق آسيا فيه خير شاهد على ذلك حيث لم توجه إليهم جيوش ولا دخل المسلمون معهم فى قتال وإنما دخلوا فيه بالقدوة الطيبة والنماذج الحسنة من بسطاء تجار المسلمين الذى ذهبوا إلى تلك البلاد ـ من جنوب الجزيرة العربية ـ وغيرها ورأى الناس فيهم نموذج التاجر الصدوق الأمين فى تجارته والذى لا يكذب على الناس ولا يغشهم ورأوه هادئاً وديعاً إذا جاء موعد الصلاة [ الظهر والعصر أو المغرب والعشاء ] رأوه يغلق متجره ويمضى إلى المسجد حيث يتوضأ ويصلى ثم يعود ليباشر تجارته .

    وهو بين متجره ومصلاّه أو بيته الخاص به أمين صدوق لا يخدع ولا يغش ولا يعتدى على حرمات الناس فسألوه عن سرّ ما هو عليه من هذه الأخلاقيات والسلوكيات البسيطة والطيبة . فأخبرهم بأنه الإسلام وعرّفهم به ودلهم على الطريق البسيط للدخول فيه وهو مجرد جملتين تتكونان من أحد عشر لفظاً هما ( أشهد ألاّ إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) .. شهدوا معه .. ودخلوا فى الإسلام .

     هكذا بلا سيوف ولا رماح وبلا إكراه ولا ضغط دخلوا فى الإسلام وكانوا من أتباعه إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة .

* * *

 

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوربا :

     هكذا كان الإسلام فى بساطته وتحضره وسلامه مع الآخرين . وهكذا كانت راية الإسلام والعدل والتكافل الاجتماعى خفاقة على كل بلد يدخل أهله الإسلام ..

* * *

     ثم دار الزمان : وتعرضت دولة الإسلام للجزر السياسى وللتراجع                 الحضارى لأسباب بعضها خارجى وأكثرها داخلى ـ يكمن فى تقصير المسلمين            أنفسهم فى التعريف الصحيح بالإسلام وفى حسن عرض مبادئه وأهدافه العظام على             الناس .

     بل ويكمن أكثر فى الانحراف الفكرى عن إدراك سنن القرآن وقوانينه فى              الناس والحياة وفى العمران البشرى بصفة عامة فخبت فيهم جذوة الإيمان وتحوّل                  الإسلام عندهم إلى طقوس وشعارات طمست جوهر الإسلام وحقيقته وأفرغت العقل المسلم من وعيه بطبيعة دينه . ومن ثم أفرغت الإنسان المسلم كله من محتواه الإيمانى ومن إدراكه الواعى لمعالم الرسالة الكاملة والخاتمة رسالة الإسلام وعن ضرورتها لإنقاذ الإنسان وحمايته من شرور نفسه وشرور الآخرين بل وحماية الإنسانية كلها من الضلال الذى ألحقته بها المذاهب الضالة والنزعات الفاسدة التى أبعدت الدين ـ كل دين الإسلام أو غيره ـ عن المشاركة فى هداية الحياة وأحلت محله المذاهب الضالة والأفكار المادية فانسحب الدين أو أُقصى عن الحياة والناس ليبقى حبيساً فى المسجد أو الكنيسة أو البيعة ، ويترك الحياة للماديين من الملحدين العلمانيين ليفسدوا فى الأرض على نحو ما تشقى الإنسانية به اليوم ..

* * *

من مظاهر القسوة فى حضارة اليوم

   الحضارة الغربية السائدة اليوم بحاجة إلى الرحمة التى جاء بها الإسلام ، لأن هذه الحضارة تقوم على العنف والقوة والذى تبدت مظاهره فى فكرها وثقافتها وأنماط سلوكها مثل :

* ارتفاع المبالغ المرصودة للإنفاق العسكرى بصورة مذهلة نعرض لبعض أرقامها :

* أنفق العالم فى الفترة ما بين 1960 ـ 1980 على التسليح ما مجموعة (114) ألف مليار دولار على الشئون العسكرية .

* بلغ إنفاق العالم فى عام 1986 وحده ( 900) تسعمائة ألف مليون دولار أى ما يعادل مليونى دولار كل دقيقة ..

* ينتج العالم قنبلتين نوويتين فى اليوم الواحد .. ويصنع صاروخاً كل شهر .

* يمتلك العالم مخزوناً من السلاح يقدر بحوالى (116) مليار طن من مادة ( ت ن ت ) شديدة الانفجار ،  وهو ما يوازى خمسة أضعاف القدرة التدميرية التى استخدمت فى الحرب العالمية الثانية ..

* تبلغ تكلفة الحرب التى تنوى أمريكا شنها على العراق 200مليار دولار حسب ما أذاعته وكالات الأنباء .

    هذا فى الوقت الذى يوجد فيه فى العالم :

 * عشرون (20) مليون شخص من سكان الأرض يعتبرون فى عداد الفقراء بينهم (450) أربعمائة وخمسين ألف نسمة يعانون مجاعة مزمنة ..

* هناك (800) ثمانمائة مليون شخص مصابون بمرض الملاريا وتكفى النفقات العسكرية لنصف يوم واحد لعلاجهم .

* هناك 2800 ألفان وثمانمائة مليون فرد يعانون من الأمية المطلقة إضافة إلى 120مائة وعشرين مليون طفل لا يجدون فرصة للتعليم .

    ويكفى ثمن غواصة نووية واحدة لنفقات تعليمهم ؟!!

* * *

* سياسياً : كارثة استعمار الدول الغربية الكبرى لأفريقيا وآسيا وما أنزلوه بهما من كوارث .

* ثقافياً : نشر ثقافة العنف والقيم المادية .

* اجتماعياً : تدهور فى العلاقات الإنسانية على المستويات كافة .

* * *

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟ :

      وللعالِم والمفكر المسلم " أبو الحسن على الحسنى الندوى " كتاب نفيس يحمل هذا العنوان : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين  ؟ رصد فيه مجمل الأمراض والعاهات التى أصابت العالم كله منذ أن توارى دور الإسلام بسبب انحطاط المسلمين ولم يعد له تأثير فى قيادة الناس والحياة .

      ولأن الديانتين الأخريين : اليهودية والمسيحية قد تعرضتا كما تعرض الإسلام للبلاء نفسه ـ بلاء الإقصاء والتهميش والعزل عن التأثير فى دنيا الناس بعد سيادة المذاهب والفلسفات المادية من الإلحاد والعلمانية وغيرها ..

      وهذا كله تزامن مع النهضة الأوروبية التى قامت على العلم واعتماده وحده المرجع الأول والأكبر فى توجيه الناس والحياة بعيداً عن أى إيمان بما وراء الطبيعة مما هو غيب أو روحانى ..

     ومن ثم فقد كان لتهميش دور الدين فى الغرب أثره السلبى والسيئ على العالم الثالث ـ الذى ثلاثة أرباعه مسلمون فأخذوا يتبعون ويقلدون ـ دون أدنى وعى ـ موقف الغرب فيما مضى فيه ..

      وكانت المأساة أو الكارثة أن بقى المسلمون على تخلفهم العلمى فلم ينهضوا كما نهض الغرب .. وفقدوا فى الوقت نفسه التميز الروحى والإيمانى الذى كان يقود حياتهم ويغرى الآخرين على اتباع خطاهم فكان الانحطاط وتوارى العطاء الحضارى والإيجابى للإسلام فخسر المسلمون وخسر معهم العالم كله كما تحدث الأستاذ أبو الحسن على الحسن الندوى فى كتابه المشار إليه .

* * *

     أما ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين وتضاؤل دور الإسلام فإليكم بيانه :

ماذا خسر الإنسان الفرد والمجتمع ؟

    نقول : لأن الحضارة الغربية المعاصرة هى الوارثة للحضارتين اليونانية والرومانية اللتين اعتمدتا " المادية " القائمة على نفى الدين وعدم الإيمان بما هو غيب .

     وتعتمد كذلك على شدة الاعتداد بالحياة الدنيا ومنافعها ولذائذها بعيداً عن أى اهتمام بالدين وما يصنعه فى النفوس من الخشوع والرفق وامتلاء قلب الإنسان بالرحمة ..

      وذلك لأن الحضارة الأوروبية المعاصرة قامت على " المادية " وهى الفلسفة التى كان من آثارها السيئة على الإنسان ( الفرد ) والمجتمع ما يأتى :

(أ) انغماس الإنسان الفرد فى منافع وشهوات وملاذ الحياة الدنيا على حساب القيم والفضائل الروحية والأخلاقية مما أسقط الإنسان نفسه فى انحطاط أخلاقى برزت آثاره فى خواء الروح والاعتداد بالقوة وامتلاك الثروة أيا كان الطريق إليهما بما قتل فى الإنسان المعانى الإنسانية وأيقظ فيه غرائز الحيوان الذى تملكه حاستا المعدة والشهوة ، فتحل الأنانية محل الإثيار ، ويحل التقاتل محلّ التعاون ؛ وتحل الكراهية محل المودة .   

      ولأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد فتكون النتيجة الحتمية أن يصطبغ المجتمع كله بهذه النزعة " المادية " ، ويتنامى التأثير المادى نفسه من المجتمع إلى الدولة ثم إلى الدول ..

      وهذا ما هو حادث فى دول الغرب الأمريكى والأوروبى التى تسيطر عليهما فلسفة امتلاك القوة واحتكار الثروة وما أدى ( ويؤدى ) إليه ذلك من الآثار والانعكاسات السيئة على أحوال العالم ..

* * *

      فبدل أن تكون علاقة العالم دوله وشعوبه بعضها ببعض قائمة على السلام والتعاون والتكافل الاجتماعى حلت فلسفة الصراع وخلق أعداء متوهمين ومحاولة قهرهم والسيطرة عليهم وأدى ذلك إلى استهلاك طاقات وثروات العالم فى صناعة السلاح والتنافس الرهيب فى إنتاجه بما أصبح يهدد الحياة والحضارة الإنسانية الحاضرة بل والجنس البشرى كله بالدمار والفناء .

     ولو كانت الحضارة الغربية المعاصرة تمتلك الرشد الذى جاء به الإسلام فى أصول العلاقة بالآخر والتعامل معه على أساس أن الجميع شركاء فى الإنسانية وفى أصل الخلق والنشأة الذى حدده القرآن الكريم فى قوله تعالى : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا  [ (7) .. لو تعاملت الحضارة الغربية مع الآخرين بهذا الرشد الإسلامى لكان لمسار الحياة منهج أقوم وأسلم توجه فيه كل الطاقات والثروات إلى علاج آلام الإنسان وإتاحة الفرصة له لعيش هادئ مطمئن بدل أن تتبدد الطاقات والثروات فى إنتاج وسائل الدمار والخراب ووضع الحياة كلها على حافة النهاية .

* * *

     والأمر نفسه يتصل باحتكار الثروة حيث سيطرت النزعة المادية وانحرفت بالإنسان بعيدا بعيدا عن روح التعاون والتحضر وأفقدته عاطفة الرفق بالمستضعفين ..

     فبدل أن يعطيهم أو ييسر عليهم ما يحتاجونه لما يحفظ حياتهم ويقيهم شر المجاعة . إذا هم يسقطون أسرى لعاهات الفلسفة المادية فتتملكهم الأنانية البشعة فإذا هم فى الغرب الأوروبى والأمريكى يقذفون فائض الزبد فى المحيط حتى لا تنخفض أسعاره ؛ كما يحرقون فائض القمح ، ويرصفون الطرقات بالقطن رغبة فى الحصول على مزيد من   الرفاهية .

      غافلين كلية عن حاجات وآلام ملايين الملايين فى العالم الثالث الذين يموتون جوعا ولا يجدون ما يستروا أجسادهم من الكساء بل وما يحتاجونه لتكفينها بعد الموت ..

ــــــــ

(1) الإسراء : 70 .                                                                             

(2) موضوع أم هانى .

(3) الممتحنة : 8 ، 9 .

(4) البقرة : 256 .

(5) صحيح البخارى ، كتابه الديات .

(6)     رواه مسلم : كتاب البر والصلة والآداب  .

(7)  الحجرات : 13 .

 

 

 

 

دراسة مقارنة عن حقوق الإنسان

بين الإسلام وبين الحضارات الغربية القديمة (1)

 

      وأعنى بالحضارات القديمة الحضارتين الإغريقية والرومانية اللتين كانتا ـ وما تزالان ـ ينظر إليهما الغرب الأمريكى الأوروبى بكثير من الإعجاب على نحو ما قاله وول ديورانت " فى كتابه الشهير " قصة الحضارة " ج 2 مجلد 3 ص 278 " (2). حيث قال : " لقد أورثتنا روما شرائعها الإدارية وتقاليدها لتكونا هما أساس النظام الاجتماعى . كما كانت اليونان مضرب المثل فى الحرية وأورثتنا الديمقراطية والفلسفة اللتين كانتا أساس الحرية الفردية " .

     فأحد فلاسفة الإغريق يقول :

" إن العدالة ليست إلا لمصلحة الأقوى ، والطبيعة هى حكم القوة لا حكم الحق " .

***

      وبملاحظة التطور السياسى فى روما نجده خلال عصوره المتعاقبة : العصر الملكى ـ العصر الجمهورى ـ العصر الإمبراطورى ـ العصر البيزنطى ، وأخيراً عصر الإقطاع .

    بملاحظة هذا التطور نجد أن عامة الشعب لم يكن لها أى اعتبار سياسى                 أو اجتماعى بل كان الملك أو مجلس الشيوخ أو حتى ما سمى بالمجالس الشعبية جميعها لم يكن لعامة الشعب أى اعتبار ولا أى حقوق سياسية أو اجتماعية ، بل كانت الطبقة المسماة بطبقة الأشراف هى صاحبة الاعتبار فى كل العصور .

      وإذا لاحظنا عصر الإقطاع الذى يعرف تاريخيا بعصر " رقيق الأرض " نجد الإنسان فى هذا العصر عبداً بكل معانى الكلمة :

   وكان رقيق الأرض هؤلاء يعرضون أنفسهم على أى أمير أو صاحب نفوذ فى المجتمع أن يعملوا عنده مقابل أن يطعمهم ويحميهم وكانوا يبقون أكواخهم قريباً من قصره المنيع حتى لا يتخطفهم الأقوياء (3) .

    وكان " الأمير : أو أى صاحب نفوذ فى المجتمع يعطى هذا التابع ( رقيق الأرض ) قطعة من الأرض ويحتفظ لنفسه بالعقد الخاص بهذه القطعة من الأرض والذى يستطيع أن يلغيه أو يمزقه فى أى وقت شاء .

    وكان على ( رقيق الأرض ) هذا أن يؤدى " للسيد " ( مالك الأرض ) أجراً سنوياً إما مقدارًا من الغلات ( المحاصيل الزراعية ) أو مقداراً من المال أو يؤجر نفسه للعمل فى مزارع " السيد " الذى يستطيع أن يطرده متى شاء . وإذا مات رقيق الأرض هذا لا تنتقل الأرض لورثته إلا بموافقة " السيد " ..

***

      بل كان من حق " السيد " أن يطرد هذا الرقيق متى شاء بل ومن حقه ـ كما حدث فى فرنسا أن يبيعه مستقلاً عن الأرض التى يحتفظ " السيد " بملكيتها الدائمة .

     وفى إنجلترا كان الرقيق محروماً من مغادرة الأرض . والذين يحاولون الفرار من          " رقيق الأرض " هؤلاء يعاملون بنفس الصرامة التى يعامل بها العبيد .

      وكان من حق " السيد " إضافة إلى ما سبق ذكره من صنوف الإذلال أن يقضى الليلة الأولى مع عروس ذلك " الرقيق " عند زواجه (4).

***

     وكان من الغريب ـ كما ذكر صاحب قصة الحضارة ( المصدر السابق ) ـ أن رجال الكنيسة شاركوا فى هذا الامتهان الظالم لحقوق الإنسان حيث كان بعض أصحاب الضياع أساقفة أو رؤساء دير ، وكانوا يتلقون الهدايا الكثيرة من الملوك حتى صار رجال الكنيسة من أكبر الإقطاعيين فى ذلك العصر فى أوروبا وحملوا الألقاب الإقطاعية مثل : ( دوق أو كونت) وكانت لهم مع رقيق الأرض نفس أساليب المعاملات الظالمة التى كان يعامل بها الإنسان فى ذلك التاريخ .

***

     وبالمقارنة الموضوعية بين هذا الإهدار المخيف والبشع لحقوق الإنسان فى الحضارة الغربية القديمة والذى استمر وتطور فى سياسة الاستعمار الغربى للأرض ومن عليها فى الحضارة الغربية المعاصرة ، والتى لو شئنا تفصيل ظلمها لدول وشعوب العالم الثالث لاحتاجت إلى مجلدات ومجلدات .

أقول :

    بالمقارنة بين الإهدار السيئ لحقوق الإنسان فى الحضارات الغربية قديمها وحديثها وبين ما قرره الإسلام للإنسان لوجدنا الفرق شاسعًا ومنصفًا لصالح الإسلام الذى يظلمونه .

     ففيما يتصل برعاية حقوق المستضعفين كان الإسلام يتعامل معهم بما يحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم ويضعهم على قدم المساواة مع الآخرين من الأقوياء والأغنياء وذوى المكانة فى المجتمع . حيث يأمر أتباعه ـ والإنسانية جميعًا ـ بحسن معاملة الخدم بما يشعرهم باحترام إنسانيتهم حيث يأمر الإسلام بأن نطعمهم  مما نأكل ونلبسهم مما نلبس ونرفق بهم فيما نكلفهم به من الأعمال فيقول الرسول e : [ إخوانكم ( خدمكم ) فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم مالا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ] (5) .

* * *

     وفيما يتصل بمعاملة " الرقيق " فقد سبق التنبيه (6) إلى أن الإسلام لم ينشئ نظام الاسترقاق ، وإنما جاء فوجده إحدى الركائز الهامة فى اقتصاديات المجتمع العربى الذى كان قائمًا . ولذا لم يحرّمه الإسلام ويقضى عليه دفعة واحدة وإنما عالجه من جذوره العلاج الأمثل والأعدل والذى لا يؤدى إلى هزات اقتصادية ضارة بالمجتمع والناس .

     واتخذ ـ كما أشرنا ـ أسلوبين يقضيان حتمًا على الاسترقاق فى زمن غير طويل وذلك بأن عمل على تجفيف منابع الاسترقاق الكثيرة وحصرها فى نوعين فقط ، وهما : استرقاق الإرث الذى كان يأتى من ميراث السيد لابن أمته المسترقة متى اعترف بأبوته فقضى الإسلام بتحريره منه.

     والثانى هو استرقاق أسرى الحرب وقد فتح الإسلام أمامه نظام الفدية ( أن يفتدى الأسرى أنفسهم بالمال أو يمُنّ عليه ولى الأمر فيعتقهم لوجه الله ) .  

 وكان هذا هو الاتجاه العملى لتجفيف منابع الاسترقاق .

    أما الاتجاه الثانى فهو توسيع الإسلام لروافد التحرير فقد وسّعه الإسلام كما ذكرنا حيث جعل عتق الرقاب من أكثر أنواع الكفارات التى حددها القرآن الكريم بكثير من التفصيل . 

     وهذه شهادة تقدير لحرص الإسلام على حق الإنسان فى الحرية ورعايته له واعتباره حقًا مساويًا لحق الحياة فنستطيع أن نلخص مجمل موقف الإسلام من ذلك فى جملة واحدة وهى : " أنت حىّ تساوى أنت حر " .

_______

(1)  عن كتاب : الإسلام وحقوق الإنسان ص 17 نشر دار الفكر ـ القاهرة .

(2) ص 183.

(3) سبقت الإشارة إلى حال الرقيق فى ص 10 من هذه الدراسة .

(4) قصة الحضارة ( المصدر السابق ) ص 40 ـ 410  .

 (5) رواه البخارى كتاب العتق .

 (6) ص 10 من هذه الدراسة عن " حقوق الإنسان فى الإسلام " للدكتور على عبد الواحد وافى .

 

 

 

حقوق الإنسان

بين الإسلام وبين الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة 1948 ( دراسة مقارنة )

 

مـدخــل

     فى شهر ديسمبر ( كانون الأول ) عام 1948م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وأعلنته .

     وبعد هذا الإعلان دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء إلى ترويج نص الإعلان ونشره ومناقشته ، وخصوصًا فى المدارس والمعاهد التعليمية بدون أى تمييز بشأن الوضع السياسى للدول أو الأقاليم .

     وجاءت ديباجة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان حافلة بعبارات أدبية جميلة جديرة بالمناسبة الجليلة التى تتقدم بها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى العالم فى هذا الأمر الجليل وهو حقوق الإنسان .

     ولذا فسأحرص على تسجيل نص الإعلان وديباجته لتكون المقارنة بينه وبين الحقوق التى قررها الإسلام أكثر دقة وأكثر إنصافًا وموضوعية .

* * *

      جاء فى ديباجة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان النص على الاعتراف بالكرامة المتأصلة فى جميع أعطاء الأسرة البشرية وبحقوقهم الثابتة والمتساوية وهذا فى مجمله ليس إلا تكرارا متأخرا لما قرره الإسلام من تكريم الإنسان مصداقًا لقوله تعالى : ] ولقد كرمنا بنى آدم [ (1). بل زاد الإسلام عن الإعلان العالمى بأن رفع مكانة الإنسان على بقية المخلوقات فاستخلفه عنه فى الأرض بقوله تعالى : ] وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة [ (2) .

     أكثر من هذا تكريما للإنسان أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود له فى قوله تعالى :        ] وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى  [ (3) ..

      وكل هذا قرره الإسلام قبل الإعلان العالمى بقرون طوال .

 

* * *

وجاء فى ديباجة الإعلان العالمى :

     " ولمّا كان تناسى حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنسانى ، كان غاية ما يرنو إليه البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة " .

* * *

أما ما جاء به الإسلام فى هذا المقام قبل 14 قرنًا :

     حرية الاعتقاد قررها الإسلام بصريح النص القرآنى فى قوله تعالى : ] لا إكراه فى الدين [ (4) ، وقوله تعالى : ] أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  [ (5) .

     ثم فى تقرير الإسلام لوسيلة الدعوة إلى الإسلام بأن تكون بالوسائل السلمية والكلمة الطيبة وذلك فى قوله تعالى : ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى حسن [ ، وقوله تعالى : ] ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن  [ (6) .

* * *

     وعن ما جاء فى هذه الفقرة من الديباجة من أن البشرية تتطلع إلى عالم يتحرر فيه الإنسان من الفزع والفاقة أقول : لقد حرر الإسلام الإنسان من الخوف والفزع والفاقة واعتبر هذا التحرير مطلبًا إسلاميًا أساسه أن هذا الإنسان المستخلف عن الله فى الأرض لا يجوز أن يخاف ولا أن يعيش فى فزع ، بل يجب أن يعيش فى طمأنينة وأمان وغنى حتى يتمكن بالفعل من أداء واجبات الاستخلاف عن الله فى الأرض .

* * *

     ولكى يحمى الإسلام الإنسان من الخوف ومن الفاقة ( الفقر ) ضَمن له وجعل من بعض حقوقه ما يأتى :

 

     أولاً : أن تتوفر له معيشة إنسانية تناسب كرامته الإنسانية بحيث لا يكون بحاجة إلى شىء أو إلى إنسان آخر ، وهو ما اصطلح فقهاء الشريعة على تسميته بحدّ " الكفاية " ، يعنى أن يتوفر له كل ما يكفيه حتى لا تشغله مطالب معيشته عن واجبات " الاستخلاف " .

     ثانيًا : ولكى يحرر الإسلام الإنسان من الفزع ضِمن له التحرر من الخوفين اللذين لا خوف بعدهما وهما : الخوف على الحياة والخوف على الرزق ، حيث جعل الإسلام الأمان من هذين الخوفين بيد الله تعالى وحده وليسا بيد أحد من الناس ، فقرر الإسلام أن أمر الحياة والموت وكذلك أمر الرزق بيد الله تبارك وتعالى وحده وليسا بيد أحد من خلقه مهما يكن سلطانهم وذلك فى قوله تعالى : ] وهو الذى يحيى ويميت [ (7) وقوله تعالى : ] قل الله يحييكم ثم يميتكم  [ (8) وغير هذا كثير .

* * *

     وعن تحرير الإسلام للإنسان من الخوف على الرزق جعل هذا الأمر بيد الله وحده وأن الله متكفل به حيث يقول القرآن : ] إن الله هو الرزاق [ (9) ، ويقول : ] وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها  [ (10).. ومثل هذا كثير .

     وكان ضمان الإسلام لحق حياة الإنسان وحقه فى معيشة لائقة بجعله خليفة الله فى الأرض ، هو السبيل إلى بناء شخصية إنسانية مطمئنة لا تعرف القلق ولا التوتر ، قوية شجاعة لا يعتريها خوف ولا ضعف قادرة على الجهر بكلمة الحق دون هيبة من أحد وقادرة على مواجهة الباطل وحماية الأرض من الإفساد .. ومهيأة بعد هذا كله للتمكين فى الأرض لقيم الحق والعدل والسلام والخير .

     وحين كانت تربية الإنسان تتم فى مناخ هذا الإيمان وهذه القيم فى عصر النبوة والراشدين ومن جاء بعدهم ممن ساروا على طريقهم .. هذه التربية أفرزت نماذج شوامخ من عظماء القادة الذين قهروا الباطل وأزلوا الطواغيت ومكنوا فى أرض الله لكلمات الله وعاشت الإنسانية فى أيامهم على ما كانت تحلم به من العدل والسلام والسعادة أيضًا .

     وكان هذا بفضل حماية حق الإنسان فى التحرر من الفزع والفاقة التى جاءت ديباجة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان تحلم بتقريرها بعد أربعة عشر قرنًا مما قرره الإسلام .

ــــــ

(1) الإسراء : 70 .

(2) البقرة : 30 .

(3) طه : 116 .

(4) لبقرة : 256 .

(5) يونس : 99 .

(6) العنكبوت : 46.

(7) غافر : 68 .                                                                 

(8) الجاثية : 26 .

(9) الذاريات : 58 .                                                             

(10) هود : 6 .

 

 

المقارنة بين

حقوق الإنسان فى الإسلام

وبينها فى الإعلان العالمى للأمم المتحدة

 

المادة الأولى من الإعلان العالمى تقول :

 

     " يولد جميع الناس أحرارًا متساوين فى الكرامة والحقوق وقد وهبوا عقلاً وضميرًا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء " .

* * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنًا :

     عن مبدأ المساواة بين البشر جميعًا فى أصل الميلاد والنشأة يقول القرآن ـ بتوضيح أكثر ـ : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم  [ (1) . ويقول القرآن ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا  [ (2) .

 

ويقول رسول الإسلام محمد e (3):

      [ أيها الناس إن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، الناس سواسية كأسنان المشط وليس لعربى فضل على أعجمى ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى ] (4)  .

  قال محمد e : هذا قبل أن تعرف البشرية أى حديث عن حقوق الإنسان الذى كان غارقًا فى آثار طغيان القوة واستبداد الملوك والقادة إلى الحدّ الذى كان الإنسان فيه يباع ويشترى كما تباع الدواب ، وكما هو مستمر فى بعض بقاع العالم فى العصر الحاضر حيث يُحكم فى بلاد الغرب على الأسود بالإعدام إذا حدّثته نفسه أن يفكر فى الزواج من امرأة بيضاء.

     فلينظر ويقارن إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا بين إنسانية الإسلام ورعايته لحقوق خلق الله أجمعين وبين ما كانت عليه الحضارة الرومانية القديمة وما عليه بقاياها فى الحضارة الغربية الحديثة من إذلال للإنسان ومن أنانية حمقاء فى التعامل مع من هم من غير لونهم أو جنسهم أو عقيدتهم .

* * *

المادة الثانية من الإعلان العالمى :

      فى هذه المادة كلام كثير ملخصه ما ذكرته المادة نفسها حيث تقول : " لكل إنسان حق التمتع بكل الحريات والحقوق الواردة فى هذا الإعلان دون تمييز بسبب العنصر            أو اللون أو اللغة أو الجنس أو الدين أو الرأى السياسى أو الأصل الوطنى                      أو الاجتماعى أو الثروة أو الميلاد أو الوضع الخاص ببلده مستقلة أو تحت الوصاية         أو محتلة .. إلخ " .

***

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً :

     ما جاءت به هذه المادة من الإعلان العالمى نحو عدم التمييز بين إنسان وإنسان بسبب الجنس أو اللون أو الثروة أو المكانة الاجتماعية أو غيرها ـ كله جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرنا ، حيث قرر مبدأ المساواة الكاملة بين الناس أجمعين تأسيساً على المساواة الطبيعية فى أصل الخلقة والنشأة كما سبق ذكره فى هذه الدراسة .

***

     ويمتاز ما جاء به الإسلام على ما جاء فى الإعلان العالمى بأن الأمر فى الإسلام لم يكن قانونا بشريا وضعيا يقبل التغيير والتبديل ، ولكنه كان دستوراً ربانياً نزل به          القرآن ودعا إليه وطبّقه الرسول محمد e وطبّقه الراشدون من خلفائه وصحابته        أجمعين ، حيث تكوَّن على أيديهم ذلك المجتمع المثالى الذى بدأت نواته الأولى فى مجتمع المدينة المنورة عند تأسيس الدولة الأولى للمسلمين بالمدينة بعد الهجرة من مكة المكرمة .

 

      وأُذكّر هنا ببعض النماذج التى كانت المساواة واحترام حقوق الإنسان فيها بين الناس أجمعين هى طبيعة ذلك المجتمع .

     من ذلك ما سبق ذكره وحفظته كتب السيرة أن الصحابى الجليل أبا ذر الغفارى تقاول مع عبد أسود بحضرة رسول الله  e .k     

     فلما اشتد الجدل واحتد قال الصحابى أبو ذرّ للرجل : أتجادلنى يا ابن السوداء !           ( معيّراً له بلونه الأسود ) .

     فتقول كتب السيرة : وما أن سمع الرسول e هذه المقولة من أبى ذر حتى انتفض غاضباً وقد أحمرّ وجهه يقول لأبى ذر : [  أتعيّره بلون بشرته . ليس لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى ] . وتضيف كتب السيرة أن الصحابى أبا ذر لمّا لاحظ  شدة غضب الرسول e انحنى إلى الأرض ووضع خدّه عليها ودعا الرجل الذى كان يحاوره إلى أن يطأ على خده برجله تكفيراً عن كلمة الذم التى خاطبه بها .

* * *

     وسبق كذلك ما ذكرناه من أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صادف ذات يوم جماعة من الأثرياء يجلسون إلى طعامهم بينما خدمهم واقفون لا يأكلون ، فغضب ومضى إلى القوم يعنفهم على هذا التمييز بينهم وبين خدمهم ، ثم دعا الخدم ليجلسوا ويأكلوا مع سادتهم ..

     هكذا كان حرص شوامخ الأمة على احترام حق المساواة .

* * *

        وبالنسبة للمكانة عند الله لا يعترف الإسلام أبدا بفوارق الأنساب والأحساب           ولا بفوارق الجنس أو اللون وإنما يكون التمايز عند الله بالتقوى ، وهو ما جاء فى ختام الآية الكريمة بقوله تعالى : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ (5) .       

* * *

        ويقول الرسول e مؤكداً لهذه المساواة فى المجتمع الذى يدين بشريعة الإسلام :

* المسلمون تتكافأ دماؤهم ( تتساوى ولا تتفاضل ) وليس كما جاء فى بعض أحوال الحضارة الغربية من التفريق بين الناس حسب السلالات والدماء فأصحاب الدم الأزرق يمتازون على أصحاب الدماء الأخرى من الرعية .

       الإسلام يقرر المساواة ، ويؤكد أكثر على عدم التفريق بين إنسان وإنسان فى الحقوق والأهليات ، فمن حق أدنى الناس مكانة فى المجتمع أن يمثل الجماعة ويتحدث باسمها ، وذلك فى قوله e فى الحديث المذكور: [ ويسعى بذمتهم أدناهم ] أى أن له الحق فى أن يعقد العهود باسم الجماعة ويتحدث باسمها وينوب عنها فى بعض الأمور .

* * *

     هكذا كان الإسلام شريعة وعقيدة وهكذا كان تطبيقاً سلوكياً بين المسلمين .

    وبهذه البساطة والمساواة بين البشر أجمعين مضت رسالته فى العالمية تفتح أمامها القلوب والعقول بلا أى إكراه أو ضغط ؛ بل كانت هذه المساواة بين الناس كما دعا إليها وطبقها الإسلام هى التى جعلت كل البلاد التى دخلها المسلمون تعيش مستقرة لا تحدث فيها ثورات ولا انقلابات ولا تمرد ؛ بل يعيش الناس فيها سعداء بما أرساه الإسلام فيها من قواعد العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان .

    فلتنظروا إخوتى فى الإنسانية مواطنى  أمريكا وأوربا مدى ما بين الإسلام والإعلان العالمى للأمم المتحدة من أبعاد وفروق يأتى على رأسها جميعاً أن الإسلام قد جاء بهذه المبادئ قبل أن تعرفها البشرية بزمان طويل ، وقبل أن تقدم الأمم المتحدة إعلانها العالمى لحقوق الإنسان بـ 14 قرنا من الزمان .

* * *

المادتان الثالثة والرابعة فى الإعلان العالمى :

تنص هاتان المادتان على : أن لكل فرد الحق فى الحياة والحرية والسلامة الشخصية .

* * *

ما جاء فى الإسلام قبل 14 قرنا :

       حق الحياة للإنسان ـ فى الإسلام ـ حق مقدس لا يجوز العدوان عليه أو تدميره ، لأن الإنسان ـ كما تقول الآثار الدينية ـ الإنسان بنيان الله وملعون مَن هدمه .

     ولهذا تغلّظ الشريعة الإسلامية العقوبة إلى حد اعتبار من يقتل النفس الإنسانية ـ دون مبرر شرعى ـ  كمن قتل الناس جميعا . فتقول الآية الكريمة : ]  أنه من قـتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها (6) فكأنما أحيا الناس جميعاً [ (7) .

   ونلاحظ فى منطوق الآية أنها تبيح قتل النفس فى حالتين إمّا قصاصاً ممن قتل ، وإما ممن أفسد فى الأرض .

      وكلا السببين اللذين يباح معهما قتل النفس البشرية غايتهما الحفاظ على الحياة وحمايتها من تدميرها بالقتل وفيها يكون القصاص ، أو حماية الأرض من الفساد والإفساد وما يمكن أن يؤديا إليه من قتل الأبرياء وإهلاك الحرث والنسل .

     فالغاية من العقوبة هو فى النهاية الحرص على حماية حق الإنسان فى الحياة وضمان عدم تعريضها للدمار والإهلاك .

* * *

المادة الخامسة فى الإعلان العالمى  :

     تقول المادة : " لا يجوز استرقاق أى استعباد أى شخص ، ويُحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بجميع أوضاعها ".

* * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً :

     أشرنا فيما سبق ـ عند الحديث عن حق الإنسان فى الحرية ـ أن الإسلام وجد عند ظهوره فى المجتمع الجاهلى ـ أى بمكة ـ وجد الرق واسترقاق الآخر من أهم أعمدة وأسس الحياة الاقتصادية فى المجتمع ، وإنه كانت له سبعة روافد تغذيه وتمده فأغلقها الإسلام إلا رافدين اثنين هما : رق الإرث ، ورق الأسر فى الحرب .

* * *

    ووضع منهجه أو استراتيجيته حسب التعبيرات المعاصرة للتضييق على عملية الاسترقاق حتى تنقرض فى زمن غير طويل . وكانت قاعدته فى تصفية النظام المعتمدة على التدرج هى تضيق الروافد التى تمد الاسترقاق وتوسيع روافد الخلاص منه (8) .

   وأما عن رقيق الإرث وهو الولد الذى تكون أمه رقيقا ( عبدة ) وتأتى به من سيدها ، ففى هذه الحالة تسمى"أم الولد"، وتتحرر تلقائياً بذلك متى اعترف سيدها بأن هذا الولد ابنه.

     وأما عن رقيق الحرب وهم الذين يؤسرون فى ميادين القتال فوضعها الإسلام أمام طريقين للخلاص والتحرر وهو ما حددته الآية الكريمة :  ] فإما مَنًّا بعد وإما فداء [ (8). يعنى إما أن يحصلوا على الحرية بأن يمنّ عليهم بها رأس الدولة ( الإمام أو الخليفة أو غيرهما ) فيطلقها بدون أى مقابل ، وإمّا أن يحصلوا على حريتهم مقابل مال يدفعونه      " للسيد " الذى وقعوا فى أسره .

* * *

    ونضيف إلى ما سبق قول الرسول محمد e ـ وكلامه وحى وتشريع للأمة : [ من ضرب مملوكًا ( عبدًا رقيقاً ) فكفارته أن يعتقه ] (9) .

     وجاء هذا التوجيه فى مقام حرص الإسلام على حسن معاملة الرقيق مدة بقائهم فى حالة الاسترقاق حيث يجب أن يعامِلهم سادتهم بكل الرعاية والرفق فى المطعم والملبس وغيرهما مما لا يجرح إنسانيتهم ولا يشعرهم بالدونية والمذلة ، لأنهم أولاً وأخيرًا هم بنو الإنسان الذين أسجد الله لهم ملائكته واستخلفهم عنه فى الأرض .

* * *

     وأقول لإخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا : هل قرأتم فى تواريخ الأمم والشعوب القديمة ما يماثل ما جاء به الإسلام فى قضايا حق الإنسان فى الحرية ؟ 

     يقيناً أقول : لا ..

     بل كان تاريخ الحضارة الغربية الحالية تاريخ استرقاق ليس فقط للأفراد ، بل للأمم والشعوب طوال عهود الاستعمار التى لم يتخلص منها العالم الثالث إلا فى عام 1960م !

     مع ملاحظة أن إلغاء هذا الاستعمار قد تم فى مظهره السياسى فقط ، بينما استدار المستعمرون مرة أخرى ليمارسوا استعمارًا أو على الدقة ليمارسوا ( استرقاقًا ) من نوع  

آخر يعرف فى حياتنا المعاصرة بالاستعمار الثقافى أو الغزو الفكرى الذى يراد به استعباد العقول والقلوب واستعمارها لتكون خاضعة وتابعة لأنماط الفكر والسلوك والحياة فى البلاد الغربية .

     إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا : أليس الإسلام بهذا هو الأجدر بالإجلال والاحترام والأولى بأن يكون دستور البشرية فى العدل والحرية ؟!

    أنا على يقين من أنكم ستقولون : نعم . وعلى يقين أيضًا من أنكم بعد أن تعرفوا الإسلام ستحبونه وتحترمونه ، بل قد تكونون ممن يدافعون عنه وينصفونه.

* * *

المواد من السادسة إلى الحادية عشرة من الإعلان العالمى :

      تتضمن هذه المواد نصوصاً يكمل بعضها بعضاً ، وجميعها تعنى بحق كل إنسان فى محاكمة عادلة ، وتكملها المادة الحادية عشرة فى اعتبار الإنسان المتهم بريئا حتى تثبت إدانته.

* * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنا :

     بدايةً تجدر الإشارة إلى أن الإسلام جمعها كلها فى عنايته القصوى بتحقيق العدل وحماية الإنسان من الظلم ؛ وتاريخ القضاء فى الإسلام حافل بالتطبيقات الملزمة والمحققة للعدل سواء بين الحكام والمحكومين أو بين الناس بعضهم مع بعض .

     وقد سبقت الإشارة إلى موقف الإمام على من أمير المؤمنين عمر رضى الله عنهما حين كان الأول واقفا ليحاكم أمام الثانى فى قضية رفعها أحد اليهود فى المدينة (10) ، كما سبقت الإشارة إلى موقف أمير المؤمنين عمر الذى جعله يستدعى حاكم مصر آنذاك عمرو بن العاص إلى المدينة ومعه ابنه الذى اعتدى على مواطن مصرى ( قبطى ) ويضع فى يده الدِّرّة ( أداة يضرب بها ) ويقول له : اضرب ابن الأكرمين .

     ولقد كان لذلك ولغيره من نماذج العدل فى الإسلام أثره فى اطمئنان                المحكومين ـ وإن لم يكونوا مسلمين ـ إلى عدل الإسلام فتركوا لغتهم القبطية وتعلموا العربية ودخل كثيرون منهم فى الإسلام .

    وحسْب العدل فى الإسلام أن يكون من الأمور التى جاء النص على التزامها بأمر  ربانى تقول فيه الآية الكريمة : ] إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. [ (11) .

* * *

    وضماناً وصيانة لهذا الحق ـ حق الإنسان فى محاكمة عادلة ـ فقد حرص الإسلام على ضمان صحة الواقعة محل التقاضى أن يتم إثباتها إما باعتراف المتهم ـ والاعتراف سيد الأدلة كما يقول أصحاب القانون ، وإما بشهودٌ عدول ( حسنى السمعة لا يشهدون الزور ) وطالب هؤلاء الشهود بعدم كتمان الشهادة واعتبر من يكتم الشهادة آثم القلب والضمير وذلك فى قوله تعالى : ] ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [ (12).            

     حذر القرآن من شهادة الزور واعتبر السلامة منها وعدم التورط فيها من خصائص عباد الرحمن ، وذلك فى قوله مادحا هؤلاء العباد : ] والذين لا يشهدون الزور[ (13) .

* * *

إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :

       أضع بين يديكم هذه الصور الرفيعة لنماذج العدل الذى هو أحد الحقوق الأساسية التى كفلها الإسلام للإنسان .

      بينما نرى ـ ويرى العالم كله معنا ـ صنوف التحريف والتبديل وصنوف التزوير المتعمد للحقائق وفبركة (14) الوقائع والأحداث بما لا أصل له ولا ظل فيه للحقيقة ، وذلك باستخدام التقنيات العلمية المعاصرة حتى فى تزوير الشخصيات والمواقف .

* * *

المادة الثانية عشرة من الإعلان العالمى :

     لا يعرَّض أحد لتدخل تعسفى فى حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته ، ولكل شخص الحق فى حماية القانون له من مثل هذه التدخلات أو تلك الحملات .

 * * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنا :

     فى القرآن الكريم ـ كما سبق أن أشرنا ـ سورة بأكملها تسمى سورة " النور " قامت على حق الإنسان فى حماية خصوصياته التى لا يجوز لأحد أن يطلع عليها أو يتدخل فيها ، وكذلك حقه فى حماية عرضه وسمعته وشرفه .

      وقبل أن نعرض لما جاء فى هذه السورة وأسباب نزولها نتذكر بأن من أبرز المحرمات التى نهى الإسلام عنها التجسس على الناس لمحاولة معرفة أسرارهم ، وكذلك اغتيابهم ( ذكرهم بالسوء من خلف ظهورهم ) أو الخوض فى أعراضهم بكلمات السوء ، ولرفض الإسلام لهذه السلوكيات الرديئة ، فقد شبهها الإسلام تشبيهاً بشعاً حيث اعتبر من يغتاب أخاه بما يشينه ويسىء سمعته مثل من ينهش لحمه وهو ميت ، وذلك فى قوله تعالى :  ] ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله ليس فقط بتحريمها  [ (15)  .

     وتحريم الإسلام لهذه الرذيلة الأخلاقية التى يُبتلى بها بعض الناس ليس فقط بتحريمها ، وإنما يعالج الداء من جذوره وهو داء محاولة معرفة أسرار الناس . ثم التحدث بها بما يشوه سيرتهم بين الناس ، ويسقط ما قد تكون لهم فى المجتمعات من مكانة .

* * *

     كما نهى القرآن عن معايرة الناس بأسمائهم وألقابهم إذا كان منها ما يسىء إلى الإنسان ، وذلك فى الآية الكريمة : ] ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  [ (16) . ونهىّ القرآن هذا نابعٌ من حرصه على شفاء المجتمع الجاهلى وأيضًا شفاء كل المجتمعات الإسلامية و الإنسانية من مثل هذه العاهات والعادات الاجتماعية السيئة والضارة .

* * *

     أما آيات سورة " النور" فقد جاءت بالتشريع الإسلامى الرادع لكل الذين يسيئون إلى الناس فيخوضون فى أعراضهم وشرفهم بالباطل والظلم .

     ومما يُحسب للإسلام أنه غلّظ العقوبة لمن يقعون فى هذه الجريمة حيث ضاعف عقوبتها إلى ثلاث عقوبات ، إحداها حسّية وهى جلد من يقذف المحصنات ثمانين جلدة ، ثم عقوبة أخرى أشبه بعقوبة إسقاط الجنسية فى زماننا هذا وهى عدم قبول شهادته أبدًا فى أى حالة وكأنه رجل لا وجود له .

أما العقوبة الثالثة والأخيرة فهى طرده من رحمة الله باعتباره من الفاسقين الخارجين         عن دين الله .

     وهذا ما تقرره الآية الكريمة :  ] والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون [ (17) .

وفيما يتصل بحرمة البيوت وحرص الإسلام على ضرورة احترام خصوصيات الناس فى بيوتهم ، فقد حدد مجموعة من الآداب التى تضمن احترام هذه الخصوصيات : 

     من ذلك أن الإسلام نهى أتباعه ونهى الناس جميعًا عن أن يدخلوا أى بيت إلا بعد استئذان أهله وتحيتهم .

     ولمّا كانت البيوت فى العصر النبوى هى الخيام أو أغلبها كذلك ، فقد أمر من يريدون دخولها أن يُسلِموا ـ يقولون السلام عليكم لمن فى داخل البيت ( الخيمة ) يستأذنونهم فى الدخول . ولا يدخلون إلا إذا رحّب بهم ربّ الدار أو من فيها ودعوهم للدخول .

      ويماثل هذا فى زماننا ضرورة أن يحصل زائر الناس فى بيوتهم على موعد للزيارة والموافقة عليها ، إما بالاتصال الهاتفى مثلاً أو برسول يطلب الإذن بالزيارة .

* * *

     وجميل وحضارى للإسلام فى هذه الحالة أنه إذا لم يرحّب أهل الدار بهذا الزائر وطلبوا إليه أن يزورهم فى موعد آخر .. فعليه أن يرجع دون غضب أو ضيق ، لأن خصوصيات الأشخاص والبيوت لها حرمة لابد أن تصان .

     وفى هذا تقول الآيات :

) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكَّرون . فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم  ( (18) .

     كما تحدث القرآن عن بعض الخصوصيات لبيت النبى محمد  r فى مثل هذه          الحال وطلب ممن يريدون دخول بيت النبى أن يستأذنوا . كما طلب إليهم إذا دعوا إلى الطعام عنده r أن يأتوا إلى البيت على موعد مناسب يكون الطعام فيه قد تم إعداده دون أن  ينتظروا حتى لا يطلعوا على ما هو من أسرار البيت . ثم عليهم إذا طعموا أن يغادروا البيت ولا يبقوا فيه لتجاذب أطراف الأحاديث لأن فى هذا إيذاء للرسول فيستحى . لكن الله لا يستحى من الحق حيث تقول الآية :

     ) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق ( (19) .

* * *

     وما خوطب به المسلمون بالنسبة لدخول بيت النبى r هو خطاب تهذيب وتربية على آداب زيارة الآخرين فى بيوتهم ورعاية لخصوصياتهم التى لا يجوز لأحد ـ ولا يحبون هم ـ أن يطلع أحد عليها ، وهذا هو الإسلام الذى رعى خصوصيات الإنسان وحمى حقه فى صيانتها منذ قرون طوال من قبل أن يتقرر هذا فى المادة الثانية عشرة من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .

     فهل رأيتم إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا كيف كانت حضارة الإسلام ورعايته لخصوصيات الإنسان التى لا يجوز امتهانها أو الاجتراء عليها ؟!

     وهل رأيتم ما فى موقف الإسلام من مثل هذه الخصوصيات من وضوح وتحذير من الاجتراء عليها صيانة لهذا الحق الإنسانى العظيم ؟!

     إنى لآمل وأرجو أن تكونوا منصفين للإسلام ممن يتهمونه ظلمًا فى بلادكم من أنه دين البداوة الذى لا حضارة فيه ، بينما هو ـ كما رأيتم ـ أسبق السابقين حضاريًا لرعاية هذه الحقوق .

* * *

 

المادة الرابعة عشرة من الإعلان العالمى :

     تنص هذه المادة على : أن لكل فرد الحق فى أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربًا من الاضطهاد .

* * *

ما جاء به الإسلام فى هذا الأمر :

     أشرنا فى حديثنا عن حرص الإسلام على حق الإنسان فى الحرية وعلى ضرورة تمتعه بالعدل أمام القضاء . بل وعلى ضرورة العمل على تحريره وتحرير كل المستضعفين فى الأرض من الإذلال .

     ونؤكد هنا على أن الإسلام ـ بصدد هذه المادة وحق اللجوء ـ كان أسبق بقرون طوال فى تقرير هذا الحق .. حق التجاء الإنسان وإن كان من المشركين ـ أى من الملة المعادية للإسلام ـ حق وواجب على من يلتجئ إليهم أو يستجير بهم من المسلمين أن يجيروه .

     وهذا ما قررته الآية الكريمة التى يخاطب الله تعالى رسوله محمدًا r بقوله :

     ) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ( (20). والخطاب بالطبع عام إلى كل المسلمين ويمثل حقًّا للمستجير ، وطالب اللجوء على   المسلمين أن يجيروه ويعطوه ـ بلغة عصرنا ولغة مادة الإعلان العالمى ـ " حق اللجوء " .

* * *

المادة السادسة عشرة من الإعلان العالمى :

     تنص المادة على : أنه للرجل والمرأة متى بلغا سنَّ الزواج تأسيس أسرة دون أى قيد بسبب الجنس أو الدين ولهم حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله .

* * *

ما جاء بالإسلام عن ذلك قبل 14 قرنًا :

     الزواج فى الإسلام ليس مجرد حق بل هو من الواجبات التى يأمر بها الإسلام لاعتبارات كثيرة منها تأسيس الأسرة ـ كما أشارت مادة الإعلان العالمى لحقوق  الإنسان ـ باعتبار تأسيس الأسرة من أمور الفطرة التى فطر الله عليها ثنائيات خلقه ( الذكر والأنثى) من الإنسان والطير وغيرهما .

     وفوق هذا فهو فى الإسلام إعلاء وتسام بالغريزة الجنسية كى تمضى فى طريق إيجابى بنّاء ينمى الوجود الإنسانى ويصون الغريزة الجنسية عن الانحراف والشذوذ .

* * *

     وقد أمر به ودعا إليه الرسول r فى قوله : [ تناكحوا تناسلوا تكثروا فإنى مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ] (21) .

     وقوله r وهو يدعو المسلمين إلى الزواج وإلى بناء الأسرة : [ من استطاع منكم الباءة ( القدرة على مطالب الزواج الصحية والمالية  ) فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ( أى وقاية من الانحراف ) ] (22) .

     وفى رواية : [ فإن الزواج أغض للبصر وأحصن للفرج ] .

     وكان الزواج من سنن الأنبياء أجمعين من نوح وإبراهيم إلى محمد r فكانت لهم أزواج وذرية ، ولم يكن الزواج معوقًا لهم عن النهوض بأعباء الرسالة ، بل كانت زوجاتهم عونًا وسندًا لهم على النهوض بأعباء رسالاتهم على نحو ما حفظته كتب التاريخ والسيرة من تفهم زوجة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام السيدة هاجر لمّا تركها وولدها إسماعيل عند البيت الحرام وسألته : آلله أمرك بهذا ؟ فقال لها : نعم . قالت : إنه لن يضيّعنا .

     وكذلك ما قامت به ( أم المؤمنين ) السيدة خديجة رضى الله عنها مع زوجها خاتم الأنبياء محمد r من عون ومساندة له منذ أول لقاء له مع ( أمين الوحى ) جبريل عليه السلام فى غار حراء فى مكة يُنزل عليه أول آيات القرآن تكليفًا له بالرسالة حتى لقيت ربها تعينه وتعين دعوة الإسلام بمالها ومشورتها وحبها وتأييدها الدائم .

     وإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط كما تحدث القرآن (22) عنهما قد شذّتا عن بقية نساء الأنبياء وخانتا مهمة زوجيهما وسارتا مع قومهما راضيتين عن شذوذهم فهما استثناء استحقتا به ما أصاب قومهما من العذاب(23) .

* * *

     أما عن الحقوق المتساوية بين الزوجين والتى أشارت إليها هذه المادة ( المادة 16 من الإعلان العالمى ) ، فقد سبق القرآن ما جاء فيها قبل 14 قرنًا بما قرر من هذه الحقوق فى كل أطراف الزواج ـ وقت قيامه ، وعند انحلاله على نحو ما نذكر القول فيه بإيجاز .

* * *

      فأما عند الزواج فقد كان حقهما ـ والزوجة خاصة ـ اختيار الشريك الذى يفضله كل منهما للزواج به والعشرة معه . وقد أمر الإسلام الرجال أن يتخيروا المرأة الصالحة من البيت والأسرة الصالحة حتى ينشأ الأبناء فى مناخ صالح ورشيد وَيُكَوّنُوا ذرية صالحة كأبويهما .

     وفى هذا يقول الحديث الشريف : [ تخيّروا لنطفكم فإن العرق دسّاس ] (24). ويقول : [ إياكم وخضراءَ الدّمن ( المرأة الحسناء فى المنبت السوء ) ]  .

     وتأكيدًا من الإسلام على اختيار المرأة الصالحة ذات الدين والخلق يقول الرسول محمد r : [ تنكح المرأة لأربع : لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ] (25) .

* * *

     لكن الفارق بين موقف الإسلام وبين ما جاء فى الإعلان العالمى .. أن بناء الأسرة كان وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها منهجًا وطريقًا لبناء الأسرة فى    الإسلام ..

     أما بالنسبة لما جاء فى الإعلان العالمى  فقد تعرض للتآكل فى هذا القرن العشرين وظهرت فى الغرب حملات ودعوات تهمِّش دور الأسرة وتتيح العلاقة بين المثلين                    ( الرجل والرجل والمرأة والمرأة ) ، وتجعل هذا الشذوذ عن سواء الفطرة حقاً من حقوق الإنسان حسب زعمهم ( فليس فى عالم الحيوان أنثى تعاشر أنثى ، ولا ذكرا يعاشر             ذكرًا ) ..

      وجُنّدت لهذه الدعوة إمكانيات سياسية وإعلامية تمحورت فيما عرف وما نظم باسم                  " مؤتمرات السكان " التى عقد أحدها فى القاهرة والثانى فى " بكين " عاصمة الصين فى سعى محموم لتقنين الشذوذ وفرض رزايا المادية الغربية على العالم كله ومنه عالم الإسلام .

* * *

     وأذكر من أعاجيب هذا الشذوذ الجامح الذى يريد الغرب أن يفرضه على العالم ، أنهم عند انعقاد مؤتمرات السكان بالقاهرة طلبوا من محافظ العاصمة التصريح لهم بمسيرة للشواذ ( هكذا ‍‍!!) يطوفون فيها بشوارع " المحروسة " يدعون إلى مذهبهم فى الشذوذ .

      لكن حراسة الله تبارك وتعالى لدينه فى بلد الأزهر قيضت نخبة من الصفوة المؤمنة كان يباركها وينسق أعمالها شيخ الأزهر الراحل الشيخ جاد الحق على جاد الحق طيب الله ثراه وأحسن جزاءه ، فقامت هذه النخبة بدور موفق أجهض محاولة الشواذ وحمى بلد الأزهر من عار هذا البلاء .

     وتابعت النخبة نفسها مؤتمر " بكين " وزرعت فيه من يجهرون بكلمات الله فى مواجهة سعار الشذوذ الذى أصبح هو الأمر الطبيعى فى الغرب بلد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان !

* * *

المادة 17 السابعة عشرة من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان :

     تنص هذه المادة على : أن لكل شخص حق التملك بمفرده أو مع غيره . كما تنص على : أنه لا يجوز تجريد شخص من ملكه تعسفاً .

***

ما قرره الإسلام عن حق الإنسان فى التملك قبل 14 قرنًا  :

     لم تأت هذه المادة السابعة عشرة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان بجديد عما قرره الإسلام منذ القرون الطوال ، بل إن ما قرره الإسلام فى هذا الأمر كان أعدل وكان بذلك أدعى لنزع الأحقاد الطبقية من قلوب الفقراء على الأغنياء ، ومن ثم كان أدعى لإقرار السلام الاجتماعى فى المجتمع .

     ذلك لأن الإسلام فيما قرره من حقوق للفقراء فى أموال الأغنياء لم يعتمد القهر وعنفوان السلطة فى فرض منهجه هذا ، وإنما اعتمد على إخماد غريزة الأنانية وشح النفس التى هى بعض فطرة الإنسان وأحل محلها روح الإيثار ومشاعر المؤاخاة بين الإنسان والإنسان حتى يرفض الأخ أن يبيت شبعان وأخوه جائع أو يعيش أطفاله فى الوفرة والغنى وأطفال أخيه المسلم لا يجدون القوت .

     والإسلام بهذا تعامل مع المسألة من جذورها فمكّن ـ إلى جانب حق الإنسان فى التملك ـ حقه فى سلامة النفس من الأحقاد الطبقية ، وحقه فى أن يتعايش مع الآخرين فى سلام نفسى وفى مودة ومحبة .

* * * 

     وما فعله الإسلام فى قضية حق الإنسان فى التملك كان مؤسسًا على أن المال مال الله وأن الله هو الرزاق ، وأنه سبحانه وتعالى هو المتكفل والضامن لأن يحصل كل كائن حىّ على ما يحتاج إليه لاستمرار حياته كما جاء فى الآية الكريمة :] وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها [ (26) .

     وما دام المال ـ فى المنظور الإسلامى هو مال الله فمن الطبيعى أن يكون لكل خلق الله ـ والإنسان فى طليعتهم ـ حقٌ فيه ، وبذلك تتحقق المساواة بين الجميع ويكون للجميع حق فى التملك .

* * *

الملكية بين الفردية والجماعية :

     أضف إلى ذلك ما قرره الإسلام من مبدأ حق الملكية الفردية فيما فرضه من الأنصبة فى المواريث بالتحديد الدقيق الذى جاءت به الآيات الكريمة فى سورة النساء ، تحدد الحق بالنصف والربع والثلث والثلثين والثمن والسدس . . وهكذا (27) .

     وتأسيس هذا الحق فى الملكية الفردية لكل عباد الله فى مال الله كان بناء على           ما قررته آيات القرآن ، وذلك فى قوله تعالى :] هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعًا[(28) ، وقوله تعالى : ] وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعًا منه[(29) ، وقوله تعالى : ] وهو الذى جعل لكم الأرض بساطًا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا[ (30) .

     وكثيرٌ غير ذلك من الآيات التى تقرر أن للجميع الحق فى كل ما خلق الله فى الأرض ، وما جعل فيها من أسباب المعاش ، ويضمن ما يحفظ له حياته كفرد من أفراد المجتمع .

* * *

     وإلى جوار الملكية الفردية قرر الإسلام مبدأ الملكية الجماعية لتحقيق الوظيفة الاجتماعية للملكية ، فالمساجد بيوت العبادة ملكٌ عام لجميع المسلمين أن ينتفعوا به ، ومياه الأنهار والآبار ملكٌ عام لجميع الناس أن ينتفعوا به كذلك ، وهكذا فى كل ما يدخل فى ملكية الدولة حتى لا يحتكره أحد ويكون للجميع حق الانتفاع به .

      وبهذا يكون الإسلام كما أشرنا قد قرر ما لم تأت به المادة السابعة عشرة من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فيه بجديد . ويكون للإسلام فضل السبق وفضل تقرير هذا الحق وغيره من حقوق الإنسان بما يقضى على الأحقاد الطبقية وما تؤدى إليه من الفساد والشر .

* * *

 

تجربة المؤاخاة فى الإسلام :

     وللإسلام فى هذا الجانب تجربة تاريخية فريدة لم تسبقها ولن تلحق بها أى تجربة فى تاريخ البشرية ، وهى تجربة " المؤاخاة " .

     هذه التجربة قام بها الرسول e فى المدينة المنورة بعد الهجرة مباشرة بين المهاجرين والأنصار .

     ومعروف أن المهاجرين لمّا أكرههم ما عوملوا به من كفار مشركى مكة خرجوا منها إلى المدينة تاركين وراءهم ديارهم وأموالهم وأهليهم وذهبوا إلى المدينة حيث آخى الرسول e بينهم وبين أهل المدينة ( الأنصار ) .

 

     فكان الأنصارى من أهل المدينة يقاسم أخاه المهاجر داره وطعامه وشرابه ، ويفعل ذلك بسخاء نفس وطيب خاطر وترحيب بهؤلاء الذين جاءوا من مكة فراراً بدينهم .

     وجديرٌ بالتسجيل ـ وبالإشادة أيضاً ـ أن ما فعله الرسولe لم يكن من قبيل الفرض والإجبار ولا من قبيل استخدام السلطة . وإنما كان نتيجة لتمهيد جيد بين الأنصار ليكونوا مرحبين باستقبال المهاجرين ..

 

     فتذكر كتب السيرة النبوية للصاحبى الشاب ( والثرى أيضاً ) مصعب بن عميرt الذى قام بدور كبير فى هذا الإعداد النفسى للأنصار فى المدينة كى يكونوا فى استقبال المهاجرين ، حيث نجح هذا الصحابى فى تأليف بعض ذوى المكانة من أهل المدينة حتى دخلوا فى الإسلام وجاءوا إلى النبى e فى مكة وبايعوه على النصرة وحسن الاستقبال فى لقائين عرفا فى كتب السيرة باسم : " بيعة العقبة الأولى " و " بيعة العقبة الثانية " .

 

     وكما أشرنا كان الأنصارى بعد هذا التمهيد الذى قام به الصحابى مصعب بن عمير يقاسم أخاه " المهاجر " داره وطعامه وشرابه .

     لكن المهاجرين القادمين من مكة والذين رباهم الإسلام على العزة والكرامة وكبرياء النفس رفضوا ـ شاكرين ـ لإخوانهم الأنصار أن يكونوا فى مثل حالة " اللاجئين " ، وإنما طلبوا من إخوانهم الأنصار أن يقرضوهم بعض المال ليعملوا به فى التجارة فى السوق حتى إذا يسّر الله حالهم ردوا لإخوانهم من الأنصار ما اقترضوه منهم .

* * *

      ونجحت تجربة " المؤاخاة " بين المهاجرين والأنصار نجاحاً لم يكن ولا أظن أن يكون له نظير فى التاريخ .

     ونزل القرآن الكريم فى سورة " الحشر " يقيّم هذه التجربة العزيزة ويضع على صدور " الأنصار " من أهل المدينة وسام تقدير تحدثت به الآية الكريمة : ] والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما   أتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم          المفلحون [ (31) .

     وتعبير تبوأوا الدار (سكنوا) والإيمان فى الآية تصف الأنصار الذين كانوا يقيمون  فى المدينة فى إشارة إلى أثر الإيمان فيهم ، والذى صفّاهم من شح النفس حتى جاءوا            بما عندهم لإخوانهم المهاجرين مع أنهم فى حاجة إليه .

* * *

العدل الاجتماعى وأبو ذر الغفارى :

     وهكذا عاشت الدولة التى أسسها الرسولe فى المدينة فى سلام ، وأخذت بتكاتف شرائحها من المهاجرين والأنصار تنتقل من نصر إلى نصر ، إلا ما كان بعد ذلك من غدر اليهود وخيانتهم وما أدى إليه من أحداث جسام .

     ومضت دولة المسلمين بعد الرسولe وأيام الراشدين على هذا الدرب من العدل الاجتماعى وحصول كل فرد فيها على حقه زمن أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ .

***

     وكان هذا التطبيق دليلاً على ما أضافه الإسلام إلى القضية من قسمات حضارية لم تجعل أمر التملك مجرد مكسب دنيوى للإنسان ، وإنما ارتقت به فرشّدته وجعلته مقدمة لازمة لتحقيق العدل الاجتماعى ، وتطهير النفوس من الأحقاد الطبقية بما يحقق الأمن والسلام فى المجتمع .

***

     فلمّا كانت الدولة الأموية وتراخى تأثير الدين على النفوس ، وخاصة فى الشرائح العليا ، فإن الدولة دخلت الدنيا تغرى الحكام بزينتها وانشطر المجتمع إلى مجموعة حاكمة تأخذ كل شىء وإلى كثرة محكومة معتدى على حقوقها حتى كان من الناس مَن لا يتملك شيئاً بل ولا يجد قوت يومه ..

* * *

     وفى مناخ هذا التفاوت ظهرت مشاعر الحقد الطبقى من الفقراء على الأغنياء ، وتحدثت بذلك ألسنة الناس وظهر تيار رافض لهذا التفاوت كان أبرز من عبّر عنه الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى t والذى كانت له كلمة شهيرة يكاد يحرض فيها على الثورة والسعى بالقوة للحصول على الحق حيث قال : [ إنى لأعجب للرجل لا يجد قوت يومه ثم لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ] .

* * *

خامس الخلفاء الراشدين

      ولم ينحصر تيار الرفض لهذا التفاوت بين الناس ، وإنما تبناه وقال به ودعا إلى تصحيحه خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز ـ رضى الله عنه ـ الذى أعاد الأمور حين ولى الخلافة إلى ما يأمر به الإسلام على ما هو معروف فى تاريخه .

* * *

ترشيد الإسلام لحق الإنسان فى التملك :

    كان الإسلام حريصاً على صيانة ملكية الإنسان لكل ما يملك بحيث يكون الاعتداء عليها بالسرقة أو الاختلاس أو الغصب أو غيرها من وجوه العدوان ـ يكون هذا مبيحاً بل موجباً للإنسان أن يدفع هذا العدوان ـ فإن تسبب ذلك فى قتله كانت له منزلة الشهادة كما جاء فى الحديث الشريف : [ إن من قتل دون ماله فهو شهيد ] (32) .

    وفى خطبة حجة الوداع التى يعتبرها الكثيرون من الدارسين بمثابة تلخيص لرسالة الإسلام فى بيان أهم الحقوق الإنسانية جاء فيها قوله e : [ ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا .. ] (33) .

    بل لقد شرع الإسلام حدّ السرقة ( بقطع اليد السارقة ) حماية وتقديسا لحق المالك فى ملكه وفى ماله ..

* * *

  

     فى الوقت الذى يحمى فيه الإسلام حق الملكية هذا ، نراه يوقظ فى الوقت نفسه عقل ووجدان صاحب المال على الإدراك الواعى بأن " الملكية " ليست مجرد إضافة تشريفية للإنسان بما يملك .. ولكنها مسئولية وأمانة يجب عليه أن يحسن رعايتها ويحسن التصرف فيها بما يناسب شكر المنعم الحقيقى وهو الحق تبارك وتعالى .

     وأيضًا بما يناسب ويوقظ الإدراك الواعى بما لهذه الملكية من وظيفة اجتماعية وحقوق للآخرين عليه أن يؤديها .

    ولهذا فرض الإسلام فى أموال الأغنياء حقوقًا للفقراء عبرت عنها التشريعات الآتية :

 

تشريع فرض الزكاة :

     من هذه التشريعات  تشريع الزكاة الذى هو فى جوهره حق مقرر للفقراء المال ، الذى وهو ثالث أركان الإسلام بعد الشهادتين وإقام الصلاة . ولهذا الترتيب دلالته على المكانة البالغة الأهمية  لحقوق العباد ( الفقراء ) فى أموال الأغنياء حيث وُضع هذا الحق فى المنزلة التالية ـ مباشرة ـ لحق الله على عباده .

     بل قام الخليفة الأول أبو بكر رضى الله عنه بمحاربة من منعوها ، بزعم أنها كانت تؤدى للرسول وبعد وفاته لا تؤدى لغيره ، فأصر أبو بكر على حربهم ، وقال كلمته الشهيرة : " والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله e لقاتلتهم عليه " .

     ويدل ذلك على أن الوظيفة الاجتماعية للزكاة لها مكانة مهمة ودور لا يجوز أن يمتنع أى مالك عن القيام به .

* * *

بين الزكاة وبين الضريبة :

     وإذا قال المفتونون بالحضارة الغربية لا ميزة للإسلام فى تقريره حق الزكاة فيما يملكه الإنسان من المال ، لأن الحضارة الغربية تفعل الشىء نفسه بما تقرره على الأموال من الضرائب .

 

وهنا أقول :

أولاً : الزكاة تشريع سماوى يحض كل المتدينين بالإسلام على أدائه باعتباره أحد أركان الإسلام لا يكتمل إسلامهم ولا يكون صحيحًا إلا بالوفاء به .

     أما فى الضرائب فهى تشريع بشرى وضعى يحاول كثيرون من أصحاب رءوس الأموال أن يتهربوا منه . ويدخل كثيرون منهم مع سلطة الدولة فى نزاع قضائى حول ما يقدر من ضريبة .

* * *

     وفى إحدى الدراسات الاقتصادية بمعهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة انتهى الباحث إلى أن الوعاء الادخاري للزكاة أكبر بكثير من نظيره فى الضرائب . وذلك لأن دوافع الزكاة تنطلق من وازع دينى لا يحاول أن يتهرب منها ، بينما الأمر فى الضريبة مختلف حيث لا يقتنع كثيرون بأحقيتها فيتهربون منها .

     بهذا يكون للإسلام ميزتان ميزة السبق وميزة التزام صاحب المال بالوفاء به وعدم التهرب منه . وبهذا أيضاً يكون حق الإنسان فى التملك فى شريعة الإسلام أوسع فائدة وأكبر ضماناً للالتزام به .

      وهنا تجدر الإشارة إلى أن للمال فى الإسلام رؤية حضارية وإنسانية رفيعة لم تبلغها الحضارة المعاصرة بشقيها الرأسمالى والاشتراكى ، وسنعرضها بتوفيق الله فى دراسة مستقلة إن شاء الله .

* * *

المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمى

حرية التفكير والضمير والتدين :   

   تنص هذه المادة على: "  أن لكل شخص الحق فى حرية التفكير والضمير والتدين " .

ويشمل هذا الحق حرية تغيير الديانة أو العقيدة وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سرًا أو مع الجماعة .

* * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنًا :

     حرية الإنسان فى الإسلام مطلب أساسى له الأهمية البالغة وحمايته وتأصيله مطلب أساسى كذلك ، تأسيسًا على تحميل الإسلام للإنسان مسئولية الخلافة عن الله فى الأرض ، وهى مسئولية كبرى ينهض بها الأحرار الذين خلصتهم الحرية وأطلقت قواهم وطاقاتهم مما يعطلها عن النهوض بمهام الخلافة عن الله فى الأرض .

     ومن ثم فحرية التفكير دعا إليها الإسلام فى آيات كثيرة من خلال ما ورد فى القرآن الكريم عن " التدبر " و " السير فى الأرض " " والتفكير فى آيات الله " والنظر فيها  مثل قوله تعالى : ] أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ (34) ، وقوله تعالى : ] قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق [ (35) ، وقال تعالى : ] قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . [ (36) ، وقال تعالى : ] أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم [ (37) ، وقال تعالى : ] أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها [ (38) . وغير هذا كثير .

     مما حدا بالكاتب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد ( رحمه الله ) إلى أن يخصص أحد كتبه الإسلامية تحت عنوان : ( التفكير فريضة إسلامية ) .

     والتفكير فعلاً ـ فى الإسلام ـ ليس مجرد حق ، بل هو فريضة مطلوب من المسلم الالتزام بها :

أولاً : ليدفعه تفكيره إلى الاقتناع وقوة الإيمان بالعقيدة التى يدين بها .

ثانيًا : لأن الأساس فى عقيدة الإسلام ليس هو النطق باللسان بالشهادتين فقط ، لكن أن يكون ذلك عن اقتناع يصل بصاحبه إلى الإيمان .. الإيمان الذى يحرك فى النفوس طاقات القدرة على النهوض بواجبات الاستخلاف . وهو ما أشار إليه القرآن فى قوله تعالى :              ] قالت الأعراب آمنًا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى            قلوبكم[  (39).

     وما أوضحه الرسول e فى قوله : [ ليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلبِ وصدقه العمل ] .

     وأقوى ما يبرز فيه أثر الإيمان عند الابتلاء : إما فى المال عند طلب بذله فى سبيل الله بأداء حقوق الله وحقوق العباد فيه ، وإما الابتلاء فى النفس حين يدعى صاحبها إلى الجهاد فى سبيل الله .

* * *

وقفة عند حق تغيير الديانة

     فى المادة (18) التى معنا فى الإعلان العالمى التأكيد على حق الإنسان فى تغيير عقيدته أو ديانته وحرية الإعراب عنهما ...إلخ.

     أما فى منظور الإسلام فلنا مع هذه الفقرة وقفة :

فأما عن حرية الاعتقاد فى الإسلام فهو حق مكفول بصريح القرآن فى قوله تعالى : ]   لا إكراه فى الدين [ (40) ، وقوله تعالى يخاطب رسوله e ]:  أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [ (41) . وأمر الإسلام فى حرية الاعتقاد معروف ومشهور أطلنا الحديث عنه ولا حاجة إلى تكراره .

 

     لكن مسألة تغيير الدين والعقيدة واعتبارهما حقًا للإنسان ، فهنا يختلف موقف الإسلام حيث لا يبيح ذلك .

 

     لأن العقيدة والدين ليسا مثل " الرأى " يجوز تغييرهما كما يجوز تغييره . فالدين شىء والرأى شىء آخر .

 

     الدين عقد وعهد مع الله لا يتخذه الإنسان بهواه الشخصى ، وإنما بعد تدبر وتأمل فيما جاء عن الله تبارك وتعالى من الوحى الذى ينزل بالرسالات على الرسل ، فالذين ليس فكرًا بشريًا تجوز فيه المناقشة والمناقضة ، ويصح فيه القبول والرفض .

 

     لكنه وحى من عند الله وقبول الإنسان له بعد الاقتناع والإيمان يجعله بمثابة أخذ العهد مع الله " والعهد مع الله لا يجوز فيه التغيير والتبديل " .

* * *

     فإذا غيّر المسلم دينه وبدّله يكون قد أخل بعهده مع الله ، ولا يصح أن يكون الإخلال بعهد الله حقا من حقوق الإنسان ؛ بل هو نقض للمواثيق التى لا يجوز نقضها  هذه ناحية والأخرى أن صريح نصوص القرآن لن تقرر عقوبة دنيوية ( حدّا ) للمرتد ، وإنما أشارت إلى العقوبة الأخروية فى قوله تعالى : ] ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة [ (42) . وقوله تعالى : ] ومن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه [ (43) .

     والأمر بهذا دخل باب " الاجتهاد " نظرًا لأن ثمة حديثًا للرسول صلوات الله وسلام عليه يقول فيه : [ من بدل دينه فاقتلوه ] (44).

     والموضوع محل اجتهاد كثير ذهب فيه بعضهم إلى القول بعدم حدّ المرتد وأنه يستتاب مدى الحياة ( كما قررته لجنة العقيدة بمجمع البحوث ) . وبعضهم ذكر أن للحديث رواية فيها زيادة " وفارَق الجماعة " ، فيكون حاله حال الخيانة الوطنية بما توجبه من عقوبة .

     وبعضهم ربط الحديث بسبب وروده واعتبره عملاً من أعمال " الحرابة " التى قرر لها القرآن لها حد الحرابة : ] إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض[ (45) .

( وللشيخ شلتوت (46) فى الفتاوى اجتهادات فى ذلك .

     والخلاصة أننا لا نسلم بمبدأ تغيير الدين إذا جاهر صاحبه بذلك ، لأنه سيكون فتنة تضر بالمجتمع المسلم  .

* * *

المادة (21) الحادية والعشرون من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان 

 

     تنص المادة على " أن لكل فرد الحق فى الاشتراك فى إدارة الشئون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا " .

 

* * *

 

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنًا :

     من حيث المبدأ لا يختلف الإسلام على تقرير هذا الحق للإنسان لأنه ما دام الإنسان مسئولاً عن إعمار الأرض وعدم الإفساد فيها أمام الله وما دام مستخلفًا عن الله فى الأرض للتمكين فيها لكلماته ، فلابد أن يكون له فى مقابل هذه المسئوليات حقه فى الاشتراك فى الإدارة العامة لشئون بلاده .

     والإسلام فى هذا لا يكتفى بإقرار الحق بل يؤكد على ضرورة أخذه مأخذ الواجب الذى يجب الاهتمام به والحرص عليه حتى يتسع الاهتمام ليشمل كل المسلمين فى كل مكان من العالم . وفى هذا يقول الرسول e : [ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ] .

* * *

     وهكذا تتسع حدود هذا الحق ليشمل كل المسلمين وليس فقط البلاد التى يكون من أهلها أو مَن فيها . كما تقوى مكانة هذا الحق ليصبح فى حكم الواجب كما أشار الحديث السابق . وفى هذا ما يعطى للشخصية الإنسانية ( الإسلامية هنا ) عمقًا واتساعًا وإحساسًا صحيحًا بمعنى " الأمة " ، أو بمعنى الإنسانية يحرك بواعث الاهتمام بها والحرص على سلامتها من الفساد وحمايتها من الإفساد ، ويحقق رسالة الإنسان فى الأرض . وهذا هو المعنى الدقيق للإنسانية السالمة من الأنانية ومن الإحساس الضيق بالذات وبالحياة . وجميع هذه المعانى مفتقدة فى المادة (21) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان موفورة فى الإسلام .

* * *

 

المادة (23) الثالثة والعشرون من الإعلان العالمى :

 

     تنص هذه المادة على : " أن لكل شخص الحق فى العمل وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة " ..

 

* * *

 

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنًا :

     العمل فى الإسلام ليس مجرد حق بل هو واجب وفريضة نصت عليها آيات كثيرة فى القرآن ، وجعلت " العمل " قرينا للإيمان ، بحيث لا تكاد تذكر آية فيها وصف للمؤمنين إلا كان هذا الوصف مقرونا بأنهم " عملوا " ..(  وتكررت 91 مرة ) .

     والعمل فى الإسلام هو أساس الجزاء مثوبة أو عقوبة .

      بل فضّل الإسلام العمل ـ وخاصة ما يكون سببا لكسب الرزق ـ على التفرغ للعبادة والصلوات ، بل هو الأفضل فى مستوى العبادة من مجرد التسبيح والدعاء .

     ذلك لأن الإسلام كما يقولون ( دين ودنيا ) ، أو بتعبير آخر هو الدين الذى يجعل الحياة الدنيا سبيلا وطريقا إلى إقامة الدين وتحقيق أهدافه . فليس فى الإسلام رهبانية ولا اعتزال للدنيا . بل هو الدين الذى جعل مهمة الإنسان فى الحياة بعد عبادة الله إعمار    الدنيا : ] هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها [ (47).

     وبهذا يتضح معنى الحديث الشريف : [ رهبانية أمتى الجهاد فى سبيل الله ] (48) . أى البلاغ والدعوة لتحقيق عبودية العباد لربهم وخالقهم من خلال إخضاع الدنيا والسيطرة عليها ، وليس من خلال اعتزالها والدخول فى الرهبنة .

* * *

     أما كون العمل حقا للإنسان كما أشارت إليه المادة التى معنا ، فالمراد به توفير فرص العمل للإنسان ، لتكون سبيلا له للحصول على ما يكفيه وعياله لنفقات الحياة عن طريق العمل .

وهذا فى الإسلام مطلب وحق ، لكن الإسلام يضيف هنا أن هذا الحق ليس فقط مهمة الدولة وحدها ، بل هو كذلك واجب الإنسان الفرد نفسه ، الذى واجبه أن يعمل ويعمل حتى لا يحتاج إلى سؤال الناس فيصون كرامته ويحترم إنسانيته .

     وفى الحديث النبوى : [ اليد العليا ( يد المعطى الذى كسب من عمله فأعطى ) خير من اليد السفلى ( يد الذى لم يعمل فيمد يده ليسأل الناس )  ] (49) .

     وفى الحديث كذلك : [ من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفورا له ] (50).

     وهو معنى حضارى يجعل من أفراد الأمة جميعهم قوة وطاقة عاملة توفر لنفسها مطالب الحياة ، وهى فى الوقت ذاته تنمى موارد وطاقات الأمة فتحميها من الاستدانة والحاجة إلى غيرها من الدول .

* * *

     وأما عن نص المادة ( 23 ) عن حق العامل فى اختيار عمله فهذا ـ فى تقديرى توسيع لنطاق حقه فى العمل ، وهو توسيع لا بأس به إذا تهيأت ظروف المجتمع لتحقيق ذلك .

     أما إذا كانت الظروف الاجتماعية لا تسمح به فيكون نص المادة مطالبة بما لا يستطاع ، وهو أمر لا يقره الإسلام .

* * *

     لكن الأفضل والأمثل ـ فيما نبه إليه الإسلام فى ذلك هو توفير الأهلية ( أهلية العامل ) للعمل الذى يرشح للقيام به . ذلك فى مثل ما أشار إليه الحديث النبوى : [ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ] (51) .

ومن قبله كان تنبيه القرآن الكريم لمثل ذلك فى قوله تعالى : ] إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا [ (52) .    

     كما تكرر فى القرآن الكريم وصف العمل المقبول عند الله بأن يكون عملا حسنا صالحا ، وذلك مثل قوله تعالى : ] الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا[(53) .

     وبهذا يكون المقياس الإسلامى هو الأفضل والأنفع للعامل نفسه وللمجتمع كله ، حيث يكون كل العاملين فيه على مستوى الأهلية لما يؤدونه من أعمال .

* * *

 

المادة (26) السادسة والعشرون من الإعلان العالمى :

 

     تنص هذه المادة على : أن لكل شخص الحق فى التعليم . وجاء النص فى الفقرة الثانية من هذه المادة على أنه يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا ، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية ، وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب .. إلخ .

* * *

 

ما جاء به الإسلام فى موضوع هذه المادة :

     أما عن حق " التعليم " للإنسان ، فهذا الدين العظيم كانت أُولى كلمات رسالته إلى صاحب الرسالة الخاتمة محمد e هى : " اقرأ " . وقد حفلت آيات القرآن بالكثير من الدعوة إلى التفقه والتفكير والتدبر والنظر والسير فى الأرض للاعتبار بمصير من كانوا فيها ..

 

    هذا الكتاب ( القرآن ) الذى وجّه الإنسان إلى النظر فى آيات الله فى الكون وإلى دراسة سننه ونواميسه فى قيام الدول وسقوطها وازدهار الحضارات واندثارها .. إلخ ، هو نفسه الدين الذى جعل العلم أساس أهلية الإنسان وتميزه ليكون خليفة عن الله فى الأرض ، وأعلى منزلة العلم حيث جعل مداد العلماء مساويًا لدماء الشهداء .

 

     كما ارتفع بمكانة العالم  فجعله فى منزلة العابد .

 

     ومن ثم فلا مجال للمقارنة بين ما جاء فى المادة (26) من الإعلان العالمى وبين            ما جاء به الإسلام فى هذه الجزئية .

* * *

     أما نص المادة على أن هدف التربية هو إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا ، فهو نص جيد وعظيم من حيث ما يجب أن يكون الغاية من التعليم .

 

     ومع هذا يبقى للإسلام السبق فى تقرير هذا الهدف من التربية قبل القرون الطوال . حيث لم يقتصر الإسلام على تقرير أن يكون الهدف من التربية هو الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية فقط .. بل لقد وضع الإسلام مناهج ووسائل تحقيق هذا الإنماء لشخصية الإنسان . وكانت البداية أن قرر الإسلام لهذا الإنسان العزة والكرامة ، وذلك فى قوله تعالى : ] ولقد كرمنا بنى آدم [ (54) . وقوله تعالى : ] ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون[  (55).

 

      أكثر من هذا أن الإسلام حرم على الإنسان أن يستسلم لما ينافى العزة ولما            يُفرض عليه من الذل وتوعده بالعقاب الشديد إن فعل ذلك أو قَبِل ، كما فى قوله تعالى :      ] إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا [ (56) .

 

     هكذا فى دعوة صريحة وشامخة إلى رفض الذل وإلى ضرورة اعتزاز الإنسان بكبريائه وكرامته ودفاعه عنها . وهو ما لم يرد له نظير أو شبيه فى أى تشريع آخر    لا سماوى ولا وضعى .

* * *

ومن هنا كانت ـ ويجب أن تكون ـ غاية كل أساليب التربية هى أن تبلغ بالإنسان هذه الغاية الشامخة والنبيلة من الكرامة ومن الكبرياء .

 

* * *

     فوق هذا وللتمكين لإنماء الشخصية الإنسانية وعزتها ، فقد حارب القرآن كل ما من شأنه أن يؤدى إلى قهر هذه الشخصية وإذلالها ، فنهى نهيًا قاطعًا عن الاستكبار فى الأرض ومحاولة الاستعلاء على الناس بالباطل فى مثل قوله تعالى : ] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادًا [ (57) .

     وفى مثل رفضه للنموذج " الفرعونى " المستبد حيث أغرقه وأهلكه وجعله مثلا وعبرة ليكون لمن خلفه آية ، وقال عنه : ] إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يُذبِح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين [ (58) .

     كما سجل الإسلام فى كتابه ما أنزل الله بالذين طغوا فى البلاد من العذاب فى مثل قوله تعالى : ] ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها فى البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا فى البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد[ (59) .. وغير هذا كثير .

* * *

     وكل هذا يؤكد ويوضح حرص الإسلام على توفير المناخ الصحى الذى يسمح ويساعد على إنماء الشخصية الإنسانية نموا طبيعيا ومتوازنا يحميها من عاهة الخضوع والذل التى يكون وجودها فى الإنسان عاملاً مدمرًا لأهليته فى الخلافة عن الله فى  الأرض ، ومن ثم لا يسمح الإسلام به ولا يجيزه .

     وبذا يكون الإسلام هو الأعظم والأمثل فى بناء الإنسان الذى لا يقبل المذلة ، والذى يملك قوة حماية الحق وإذهاق الباطل .

* * *

 المادة (28) الثامنة والعشرون من الإعلان العالمى

 

     تنص على : حق الفرد فى التمتع بنظام اجتماعى عالمى يكفل ما جاء بالإعلان العالمى له من حقوق .

* * *

ما جاء به الإسلام قبل 14 قرنًا

     لم يتحدث الإسلام عن هذا الحق بالصيغة التى جاءت فى الإعلان العالمى ، لكن ما قامت عليه رسالة الإسلام من العالمية التى تتبنى حماية حق الإنسان حيثما وجد هذا الإنسان فى أى مكان من العالم . وما قام عليه عطاؤه الحضارى من " الإنسانية "ومن عالمية وشمول التشريع للإنسان يجعل النص على هذه المادة من نافلة القول ، لأن الإسلام قد كفلها ـ وإن لم يعلن عنها .

* * *

     أما كيف ذلك فمعلوم تاريخيا أن كل رسول أو نبى قبل محمدe كان يُبعث إلى قومه خاصة ـ فرسالته محدودة جغرافيًا بقومه ومحدودة تاريخيًا بزمان رسالته ـ بهذا تحدث القرآن فى مثل قوله تعالى :] وإلى عاد أخاهم هوداً [(60)،]  وإلى ثمود أخاهم صالحًا[(61) ، ] وإلى مدين أخاهم شعيبًا[ (62) .. وهكذا .

 

    فلما كانت رسالة محمد e خوطب بقوله تعالى :] وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا [ (63) . وقوله تعالى : ] وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ (64) . وفى حديثه e عما اختصه به ربه : إن الرسل قبله كانت تُبعث إلى أقوامهم خاصة وبعث هوe إلى الناس كافة . وتكرر الحديث عن الناس وتوجيه الخطاب إليهم  فى كتاب رسالته e القرآن (249) تسعا وأربعين ومائتى مرة .

* * *

    فنحن بذلك أمام رسالة عالمية للناس أجمعين . وبموجب عالمية الرسالة سيعيش الإنسان الفرد فى مناخ هذه الرسالة . سيعيش حتما فى محيط ما تقرره هذه الرسالة ـ رسالة الإسلام ـ من حقوق للإنسان . فحيثما كان المسلم فى أى مكان وأى زمان فحقوقه

الإنسانية التى قررها الإسلام للإنسان مكفولة ومصونة ، وهذا ما أثبتته وأكدته حقائق الواقع الذى كان يتمتع به الإنسان فى ظل الدولة الإسلامية ، والوقائع والممارسات الفعلية فى ذلك لا تكاد تحصى ولا يتسع لها المقام .

* * *

     ومن ثم فلو كانت شريعة الإسلام هى الحاكمة فى العالم اليوم لما كان الإنسان بحاجة إلى أن يطالب الإعلان العالمى لحقوق الإنسان له بأن يعيش فى مجتمع " دولى " يوفر            له كل ما تحدث عنه الإعلان من حقوق . لأن هذه الحقوق مكفولة أصلاً فى رسالة الإسلام قبل الإعلان العالمى بأربعة عشرة قرنًا من الزمان .

* * *

     وإن على كل فرد يتمتع بهذه الحقوق واجبات يجب أن يؤديها للمجتمع كى تتمكن شخصيته من أن تنمو نموًا كاملاً .

     هكذا تتحدث المادة (29) قبل الأخيرة من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة فى عام 1941م .

* * *

     والإسلام فى هذا ـ لا أقول يؤكد هذا ويقرره ـ بل أقول إنه فى أمر ارتباط الحق بالواجب قد سبق الإعلان العالمى بقرون طوال .

     ذلك أن الإسلام فى كافة تشريعاته قرن الحق بالواجب فلا حق مطلقًا إلا ويقابله واجب .

     وعلى سبيل التمثيل ، فإن حق الحياة يقابله واجب الحفاظ عليها وصيانتها وتحريم أى عدوان عليها ، حتى من صاحب الحق نفسه فواجبه ألا يهلكها بالممارسات الضارة ، وألا يُنهى حياته بالانتحار ، فإن فعل فهو فى نار جهنم .

     وحق الحرية مقرون تمامًا بواجب التزام الحدود الشرعية لضبط هذه الحرية ، فلا حرية فى الإفساد أو العدوان على الآخرين ، بل تنتهى تمامًا حرية الإنسان فى الإسلام عندما تبدأ حدود هذه الحرية للآخرين ؛ بل وتنتهى تمامًا هذه الحرية عندما تتحول إلى فوضى تضر بالمجتمع . وعلى ولى الأمر ـ بموجب شريعة الإسلام ـ أن يصادر هذه الحرية ويضرب ـ وبشدة على أيدى المفسدين ـ كل المفسدين وأيا كان نوع   إفسادهم . وفى هذا يقول القرآن الكريم :

] إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادًا أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم[ (65) .

     وحق الفرد فى التصرف فى ماله مقرون بأن يكون تصرفًا رشيدًا يضمن ما للآخرين فى هذا المال من حقوق . وعلى القاضى أن يحكم بالحجر ( منع التصرف ) على السفيه الذى يسىء التصرف فى هذا الحق .

     وحق قوامة الرجال على النساء مقرون بالشروط التى تجعل القوامة حماية وصيانة للمرأة لا عداونا عليها ، وكذا توفير العدل فى حالة التعدد .

     وهكذا فى كافة الحقوق التى قررها الإسلام للإنسان . ولكى تظل الحقوق مقترنة دائمًا بالواجبات أمر القرآن الكريم بأن تتكون فى كل مجتمع إسلامى جماعة أو هيئة أو مؤسسة مؤهلة شرعيا تمثل ضمير الأمة وتضمن استمرار المجتمع فى الالتزام بأداء الواجب فى مقابل الحصول على الحق . وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة : ] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[ (66).

     وهذا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ليس إلا حراسة شرعية للربط بين الحق وبين الواجب بما يضمن التعديل الدائم لسلوك المجتمع صوب العدل والخير وسلامة العلاقات بين جميع الأفراد .

* * *

     والمادة الأخيرة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان المادة الثلاثون التى تنص على أنه : " ليس فى هذا الإعلان نص يجوز تأويله بما يخول الدولة أو جماعة أو فرد أى حق فى القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه " .

* * *

هكذا تحدثت المادة الثلاثون لتمنع أى تأويل أو تفسير يسمح بالعدوان على ما جاء فى الإعلان العالمى  .

     وهنا تكون لنا وللإسلام وقفة . .

      أما وقفتنا فهى مع واقع الحضارة الغربية التى صدر الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من أرضها .

     وكان الظن أن يكون الغرب هو أولى الناس بالحفاظ على روح ونصوص الإعلان العالمى ، لكن الغرب كله أوروبا وأمريكا وما يسمون بدول حق النقض" الفيتو " هم الذين أهدروا هذه الحقوق وضربوا بها عرض الحائط متى تعارض تطبيقها مع مصالحهم .

      وكانت البداية هى ما تقرر باسم حق النقض " الفيتو " لمن يسمونهم الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن .

     وشهدنا وشهد العالم سوء الاستخدام لهذا الحق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بالذات ضد أى قرار يصدره المجلس خاصا بإسرائيل ، ولا سيما فى الحقبة التى ولى فيها شارون رئاسة الوزارة وما قام ويقوم به من مجازر بشعة وعدوان على الأرض والشعب والقضية الفلسطينية .

    بل لقد أصدر مجلس الأمن أكثر من عشرين قرارا تطالب إسرائيل بوقف مجازرها ضد الفلسطينيين تضرب إسرائيل بها جميعاً عرض الحائط دون أن يتحرك المجتمع الدولى أو يعترض ، بينما تختلف المواقف تماماً إذ تعلق الأمر بدولة مثل العراق أو غيرها ممن لا ترضى أمريكا عنهم .

      وما دامت القوانين والمواثيق من وضع البشر . فالبشر يفعلون بها ما يشاؤون .

أما فيما قرره الإسلام من هذه الحقوق ، فهو تشريع دينى ربانى لا يملك البشر فيه أدنى حق لتغيير أو تبديل .

     ومن ثم تصبح لهذه الحقوق ـ حسب المنظور الإسلامى ـ  مكانة تجعلها كأنها مقدسة لا يصح المساس بها تحت أى ظرف .

* * *

     وهذا وحده يكفى لأن يكون الإسلام هو الحارس الأعظم لحقوق الإنسان وهو الذى ينبغى للبشرية كلها أن تأخذ به .

     ولا سيما إذا أخذنا فى الاعتبار ما سيطر على العالم اليوم من غرور وجنون القوة التى تعمل الآن فى صنع نوع من القنابل التى تحمل نذراً لا تخفى قد تكون فيها نهاية البشرية ودمارها .

    وما يصاحب ذلك أيضاً من أنانية الثروة التى صنعت شرا هائلا فى قيم التكافل الاجتماعى. وهددت بانفجار ثورة الجياع فى العالم الثالث كله ، مع إثارة الأحقاد الطبقية بين الأغنياء والفقراء فى مختلف أنحاء العالم .

* * *

     وهذان نذيران معا : نذير جنون القوة ونذير أنانية الثروة يفرضان على كل عقلاء العالم وعلى ذوى الرأى والمكانة فيه أن يحتشدوا لمواجهة مجانين القوة وقوارين الثروة .

      وسيجدون فى حماية الإسلام لحقوق الإنسان ، وفى تحذيره الإنسان من الإفساد فى الأرض ظهيراً دينيا وأخلاقيا لحماية الكون من الدمار ، ومن هذا المصير التعس الذى يدفعنا إليه بعض شياطين الإنس من العسكريين والساسة .

ــــــــــ

(1) الحجرات : 13 .

(2) النساء : 1 .

(3) فى الخطبة الأخيرة له فى حجة الوداع .

(4) رواه أحمد فى مسنده .

(5) الحجرات : 13 .

(6)     أحياها أى تركها ولم يقتلها .

(7)     المائدة : 32.

(8) لمزيد من التفصيل انظر : ما جاء عن هذا الموضوع فى ص 10 وما بعدها من هذه الدراسة .

(9) رواه مسلم فى صحيحه ـ كتاب الإيمان  .

(10)   انظر تفصيل هذه الواقعة ص 15 من هذه الدراسة .

(11) النحل : 90 .

(12) البقرة : 283 .

(13) الفرقان : 72 .

(14) نوعٌ من الأعمال الصحفية التى لا تستند إلى حقيقة ويقدمها الصحفى من خياله وحده على إنها وقائع وحقائق.

(15) الحجرات : 12 .                                                            (16) الحجرات : 11 .

(17)النور : 4 .                                                                    (18) النور : 27 .

(19) الأحزاب : 53 .

(20) التوبة :6 .

(21) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب النكاح ـ .

(22) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب النكاح ـ .

(23) فخيانة امرأة نوح أنها كانت تخبر عنه أنه مجنون كما جاء فى تفسير " ابن كثير " جـ 4 ص 393 . أما خيانة امرأة لوط فقد تحدث عنها القرآن فى قوله فيما أنزل بها من عذاب لخيانتها ومملاءة قومها على الفاحشة فى قوله : ] إلا امرأته كانت من الغابرين [ ( الأعراف : 83 ) .

(24) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب النكاح ـ  .

(25) رواه مسلم فى صحيحه ـ كتاب الرضاع ـ  .

(26) هود : 6 .

(27) انظر الآيات : 12،13 من سورة النساء .

(28) البقرة : 29 .

(29) الجاثية : 13 .    

(30) نوح : 19، 20 .

(31) الحشر : 9 .

(32) رواه مسلم فى صحيحه ـ كتاب الإيمان ـ  .

(34) محمد : 24 .                                                              (35) العنكبوت : 20 .

(36) النحل : 36 .                                                              (37) محمد : 10 .

(38) الحج : 46 .                                                               (39) الحجرات : 14 .

(40) البقرة : 256 .

(41) يونس : 99 .

(42) البقرة : 217 .                                                            (43) المائدة : 54 .

(44) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب الجهاد والسير ـ  .

(45) المائدة : 33 .                                                             (46) شيخ الأزهر الأسبق . 

(47) هود : 61 .

(48) رواه أحمد فى مسنده عن أبى سعيد الخدرى .

(49) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب الزكاة ـ .

(50) رواه البخارى فى صحيحه ـ كتاب البيوع ـ  .

(51) رواه البخارى فى صحيحه .

(52) الكهف : 110 .                                         

(53) الملك : 2 .

(54) الإسراء : 70 .

(55) المنافقون : 8 .

(56) النساء : 97 .

(57) القصص : 83 .

(58) القصص : 4 .

(59) الفجر : 6-9 .

(60) الأعراف : 65 .

(61) الأعراف : 73 .

(62) العنكبوت : 36 .

(63) سبأ : 28 .

(64) الأنبياء : 107 .

(65) المائدة : 33 .

(66) آل عمران : 104 .

 

 

 

 

 

 

 

g المحتويات s

      المـــــــوضـــــــــــوع                             

ـ رجال صدقوا

ـ رجل تفرُّ الشياطين من طريقه

ـ حق الحياة

ـ حق المساواة

ـ المبدأ عند التطبيق

ـ بم يكون التفاضل بين الناس

ـ تساؤلات وإجابات

* هل التفاضل فى الرزق يناقض المساواة ؟

* هل حق المساواة يتنافى مع الإبداع أو التميز ؟

ـ حق الإنسان الفرد فى المحاكمة العادلة

ـ حق الإنسان فى حماية عرضه وسمعته

ـ حق التدبر والتفكير فيما ينفع

ـ الحق فى كفالة حد الكفاية من المعيشة

ـ حقوق ذات طبيعة خاصة

* الحق ( الواجب ) فى رفض الظلم

* الحق ( الواجب ) فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

* الحق ( الواجب ) فى الدفاع عن المستضعفين فى الأرض

* الحق ( الواجب ) بإجازة طالب الأمان

ـ حقوق غير المسلمين

ـ قضية حقوق الإنسان

ـ الإسلام وحقوق غير المسلمين

* حق " الذميين " أهل الذمة فى الاحتفاظ بعقيدتهم الدينية

* حرمة الاعتداء على أنفس الذميين وأعراضهم وأموالهم

* وجوب الدفاع عنه ضد أى اعتداء

* مشروعية زيارة الذميين وعيادة المرضى منهم

* الخلاصة

ـ من مظاهر القسوة فى حضارة اليوم

ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟

ـ دراسة مقارنة عن حقوق الإنسان بين الإسلام والحضارات الغربية القديمة

* بين الإسلام والإعلان العالمى لحقوق الإنسان ( دراسة مقارنة )

* ديباجة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

ـ المقارنة بين حقوق الإنسان فى الإسلام وبينها فى الإعلان العالمى للأمم المتحدة

* المادة الأولى من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الثانية من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الثالثة والرابعة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الخامسة فى الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المواد من السادسة إلى الحادية عشرة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الثانية عشرة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الرابعة عشرة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة السابعة عشرة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* الملكية بين الفردية والجماعية

* تجربة المؤاخاة فى الإسلام

* العدل الاجتماعى وأبو ذر الغفارى

* خامس الخلفاء الراشدين

* ترشيد الإسلام لحق الإنسان فى التملك

* تشريع فرض الزكاة

* بين الزكاة وبين الضريبة

* المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* وقفة عند حق تغيير الديانة

* المادة الثالثة والعشرون من الإعلان العالمى

* المادة الحادية والعشرون من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* المادة الثامنة والعشرون من الإعلان العالمى

* ما جاء به الإسلام قبل 14 قرناً

* * *

 

Listing Information

This link is listed for Free.Learn More about featuring your site.
Link Actions:
Addition Date:Added on Jul,31,05 :: Last modified Jul,31,05
Title:الإسلام وحقوق الإنسان  
Author's name:More Articles by عبد الصبور مرزوق
Link's Owner:admin :: Visit Profile
Contact Owner:This owner does not wish to be contacted.
Description:No Description specified.
Keywords:No keywords specified.
Listed in Category:Home: Islamic Virtual Library: Islamic Books And Literature: Morals & Values eBooks: Human Rights In Islam eBooks: الإسلام وحقوق الإنسان
Number Of Votes:0 Total Votes.
Current Rating:0 out of 10 stars :: Rate Now
Number Of Hits From Our site:34
Number Of Recommendations:No recommendations yet. :: Recommend Now
Number Of Reviews:No reviews yet. :: Write a Review
Guestbook:No Guestbook entries yet. :: Sign Guestbook
Top Sites Banner:The counter below counts the actual hits that this site and this page have gotten so far. For this counter to be accurate the link owner must insert the MuslimsCounter code on their page, if not then it only represent this page total hits.

Bookmark Us - Set as Home - Terms Of Use
Other Sites: Know The Prophet campaign - Discover Islam - Links SQL Plugins
Copyright 2003-2013 Islamic Education & Services Institute: Murfreesboro, TN