< Previous | Next >

الإسلام وحقوق المرأة

Written by: by عبد الصبور مرزوق :: (View All Articles by: عبد الصبور مرزوق)

 

 

رسائل إلى العقل الغربى

الأمريكى والأوروبى

 

 

 

 

 

الإسلام وحقوق المرأة

 

 

( 2 )

 

بقلم

أ . د . عبد الصبور مرزوق

الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

القاهرة

عضو المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى

مكة المكرمة

 

 

 

P

 

" الإسلام وحقوق المرأة "

 

 

 

 تمهيد :

 

     حقوق المرأة فى الإسلام هى جزء من الحقوق العامة للإنسان كما شرعها الإسلام قبل الإعلان العالمى لهذه الحقوق بأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان . حيث شرعها الإسلام فى القرن السادس الميلادى بينما كان الإعلان العالمى فى عام 1948 ( أى فى القرن العشرين ) .

     ولأن حقوق المرأة فى الإسلام ـ كما أشرت جزء من الحقوق العامة للإنسان فقد كفل الإسلام للمرأة من الحقوق ما يأتى :

أولاً : حق الحياة فقبل الإسلام ـ خاصة فى المجتمع الجاهلى فى جزيرة العرب ـ        لم يكن للأنثى حق الحياة ، بل كان أهل الجاهلية يعتبرون ميلادها عارًا تخجل منه ويعير به الرجال فكانوا يئدونها ( يدفنونها حية ) وهو ما رفضه الإسلام منذ البداية وحرمه تحريمًا قاطعًا بصريح آيات القرآن التى ينكر قتلها وتتساءل فى إنكار:   ] وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت [ (1) .

     كما وصفت آيات القرآن الحال السيئ الذى يكون عليه الرجل حين تولد له أنثى    وهو الإحساس بالتعاسة وسوء الحظ فيكون بين أمرين أحدهما مرّ ..

     فإما أن يبقيها حية على حال من الإذلال مهدرة الحقوق تعامل بازدراء ، وكأنها  حيوان ، بل ربما كان الحيوان عندهم أحسن حالاً لأنهم ينتفعون به .. ذلك لأن عندهم       لا فائدة منها .. فهى لا تحمل السلاح دفاعًا عن شرف القبيلة وتشترك فى تحقيق عائد اقتصادى لأنها لا تعمل .

     والأمر الثانى كان هو الأغلب إذ يدفنوها حية دون أدنى شفقة أو رحمة . وهو        ما أنكره القرآن فى قوله الواضح :  ] وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب    ألا ساء ما يحكمون [ (2) .

 

 

فلما جاء الإسلام حرّم هذه العادات القبيحة وأعطى للمرأة حق الحياة وأفسح لها فى المجتمع المسلم مكانًا حسدها عليه بعض الرجال .

     وكان هذا التكريم من طريقين :

أ ـ طريق التشريع الذى أعلن القرآن فيما قرره من المساواة فى الحقوق والواجبات بينها وبين الرجل على ما جاء بيانه فى قوله سبحانه : ] ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة .. [ (3) .

ب ـ طريق السنة النبوية والاحترام الذى حظيت به الأنثى فى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم .. وهنا تكون لنا وقفة ..

     فقبل بعثة رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم سبقها ما نقول عنه نحن المسلمين أنه من إرهاصات النبوة ، وهى المقدمات التى تسبق التشريع وكأنها تدل عليه أو تبشر به .

     فقبل بعثته صلى الله عليه وسلم كان يعمل مع المرأة ( التى كان فيما بعد زوجًا         له وهى السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها ) ..

     كان يعمل لها فى تجارتها كوكيل عنها لما لمست فيه من أمانة وحسن خلق وطيب شمائل فكانت له زوجًا فيما بعد .

* * *

     وفى بيت النبوة كان للمرأة مكان عظيم

     فهى بمجرد زواجها من الرسول تُلقب بأم المؤمنين تكريمًا لها وإجلالاً ثم هى فى بيت النبوة تقوم بدور له أهميته فى أن تنقل إلى المجتمع المسلم خارج بيتها ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التى هى جزء من التشريع يكمل ويشرح         ما جاء فى ( القرآن الكريم ) .

     ومن هذا المدخل تهيأت لها فى المجتمع المسلم مكانة اجتماعية جليلة بحيث كان كثيرون من المسلمين الرجال يلجأون إلى سيدات بيت النبوة سائلين عن بعض أحكام التشريع التى لا يكون لهم بها علم مما ارتقى بنظرة المجتمع إلى الأنثى وأحلها المنزلة 

 

التى لم تظفر بمثلها الأنثى فى أى تشريع لا سماوى ولا وضعى من قبل كما سنعرض      له فيما بعد ..

* * *

الحقوق السياسية للمرأة فى الإسلام

     وقبل أن يعرف العالم كله ما يسمى بالحقوق السياسية سواء كانت للرجال أم للنساء كانت المرأة المسلمة تتمتع بهذا الحق وفى أعلى مستوياته ـ أعنى حقها فى مبايعة رئيس الدولة كما كان الرجال يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والالتزام بما يأمر به الشرع من الأحكام وهو ما يعرف باسم " البيعة " .

     كان للنساء مثل هذا الحق ـ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ـ فكن يذهبن لمبايعة الرسول تمامًا كما يفعل الرجال وهو ما سجله القرآن الكريم فى قوله تعالى   : ] يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم   [ (4) .

     وتعرف هذه الواقعة فى كتب السيرة باسم " بيعة النساء " .

* * *

     كما كان للمرأة الحق الكامل فى إبداء رأيها فى ما يخص النساء من التشريعات         دون اعتراضات من ولاة الأمر من الخلفاء .

     وثمة واقعة شهيرة حدثت فى عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين كان واقفًا على المنبر فى المسجد الجامع الملىء بالرجال ، وتحدث عمر إليهم يطلب منهم ألا يغالى الآباء فى رفع مهور بناتهم تيسيرًا للزواج فلا تبقى النساء عوانس، ولا يتعرض الرجال للفتنة .

     وهنا وقفت امرأة من خلف صفوف الرجال فى المسجد فقالت له :

 يا أمير المؤمنين : إن هذا الأمر ـ تعنى أمر المهور التى تقدم للمرأة عند الرغبة فى الزواج بها ـ يجود به الرجال طيبة نفوسهم فما شأنك أنت به ؟! ثم أضافت المرأة : ألم

تقرأ قول الله تبارك وتعالى :  ] وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا  [ (5) . فما كان من عمر الخليفة الإسلامى الجليل الذى كانت الشياطين تفر من طريقه إذا التقت به إلا أن قال : كل الناس أفقه من عمر ، ثم عاد إلى المنبر وقال : كنت نهيتكم عن الزيادة فى المهور فمن شاء فليزد نزولا على ما قالته هذه المرأة. 

بل قامت المرأة بالمشورة على الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم :

     وكان ذلك فى يوم ثقيل الوطأة النفسية على الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين .

     ذلك أن المسلمين ـ بقيادة الرسول كانوا قد خرجوا قاصدين البيت الحرام بمكة المكرمة لأداء " العمرة " ـ ( وهى زيارة للبيت والكعبة والمسجد فى غير               أوقات الحج ) .

     وعندما كانوا على مسافة 23 كيلو مترًا من مكة بمنطقة تسمى " الحديبية " وعلمت " قريش " بقدومهم فأعلنت أنها ستمنعهم من دخول مكة بقوة السلاح ـ مع أن المسلمين كانوا قد ساقوا معهم " الهدى " وهو مجموعة من الإبل تنحر عند البيت دليلاً على أنهم قدموا مسالمين يريدون زيارة البيت ولا يريدون القتال .

وأوفد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة زوج ابنته " عثمان بن عفان " الذى كان ثالث الخلفاء بعد وفاة الرسول .. لكى يتفاوض مع أهل مكة ويؤكد لهم أن المسلمين ما جاءوا للقتال ولكن " للعمرة " بدليل أنهم ساقوا معهم " الهدّى " ولا يحملون أى سلاح .

     وتأخر عثمان فى العودة إلى المسلمين المنتظرين عند " الحديبية " ثم أُشيع أنه قتل.

     واشتد الموقف تأزمًا وأخذت الحميّة ببعض الصحابة وقرروا أنهم لا يمكن أن يعودوا من حيث أتوا إلا بعد زيارة البيت الحرام ولو أدى الأمر إلى القتال .

* * *

 

    أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من رأيه أن يعود المسلمون فى العام القادم الذى حددته لهم قريش وأهل مكة بأن يسمحوا لهم بالزيارة .

وازداد الموقف تأزمًا وصعوبة على نفس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يرى بعض أصحابه ولأول مرة يخالفون عن أمره ويرون غير ما يرى .

     وهنا : كان الموقف الكريم الذى سجله التاريخ للمرأة وللإسلام الذى وضعها فى مكانة رفيعة .. مكانة أن تدلى برأيها فى كيفية إنهاء الأزمة  .

     وهنا كانت المشورة ـ مشورة " المرأة " زوج النبى صلى الله عليه وسلم               ( السيدة أم سلمة ) التى قالت للرسول : إذا أردت أن ينزل المسلمون على رأيك فى الرجوع عن زيارة البيت هذا العام فاخرج فتحلل من إحرامك ( تغيير الزى الخاص بالحج والعمرة ) وحين يرى الصحابة أنك قد فعلت شيئًا سيتابعونك جميعًا ، وخرج الرسول وفعل ما أشارت به المرأة " (السيدة أم سلمة ) وما أن رآه الصحابة يفعل حتى قاموا جميعًا وتحللوا من إحرامهم حيث وقع فى خواطرهم أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه قد نزل عليه الوحى وهو أمر لا تجوز مخالفته .

     وانتهت واحدة من أصعب الأزمات التى عاشها الرسول والمسلمون معه بمشورة     " المرأة " ( السيدة  أم سلمة ) رضى الله عنها وبقى هذا الموقف فى ذاكرة التاريخ يسجل للإسلام أنه الدين الذى أَحَلَّ " المرأة " هذه المكانة الرفيعة التى كان مجتمع الجاهلية قبل الإسلام يعتبر مجرد مولدها عارًا يجب التخلص منه بدفنها فى التراب وهى حية .

     مع الأخذ فى الاعتبار أن المكانة التى وضع الإسلام المرأة فيها لم يسبقه بل ولم يساويه فيها أى تشريع ـ سماوى أو وضعى آخر ـ على نحو ما سنعرض له فيما بعد.

* * *

* حق المرأة فى اختيار زوجها .

     ثمة مقولة ظالمة يرددها العلمانيون بأن الإسلام أهدر حق المرأة فى اختيار زوجها وأنه أعادها إلى عصور الجاهلية التى لا اعتبار فيها لشخصية المرأة فلا تكون لرأيها قيمة فى اختيار من يكون لها زوجًا تعاشره مدى الحياة !!! وهكذا تكلم العلمانيون والحاقدون على الإسلام لكن الحقيقة غير ذلك .

وهذا افتراء وظلم كبير للإسلام وللمرأة .

* * *

     فمن الثابت تاريخيًا ومن المقرر فى الفقه الإسلامى ضرورة أخذ رأى المرأة فيمن يتقدم لزواجها .

     وإذا كانت المرأة قد سبق لها الزواج فهى تبدى رأيها صراحة سواء قبلت أو رفضت  فإذا كانت المرأة بكرًا ( أى لم يسبق لها الزواج ) فرعاية لكونها تستحى من التصريح فإنه يُكتفى منها بأن تلتزم الصمت ولا تعلن أنها رافضة لهذا الزواج أو موافقة عليه .

     وهذا الأسلوب فى ضرورة التعرف إلى رأى المرأة فيمن يتقدم للزواج بها مبنى على صريح الحديث النبوى الشريف : [ البكر تُستأذن وإذنها صمتها ] (6).

* * *

     وقد فطنت المرأة إلى هذا الحق فى اختيار الزوج فذهبت إحداهن إلى النبى صلى الله عليه وسلم تقول له : يا رسول الله [ إن أبى زوجنى من ابن أخيه ] ، ليرفع بى خسيسته ، وأنا له كارهة ] (7) .

فقال صلى الله عليه وسلم بما معناه : لا يصح لأبيك أن يزوجك من تكرهينه لكن الفتاة عقبت على قول الرسول فقالت : ولكنى أجزت ما صنع أبى ( أى وافقت على تزويجه لى من ابن أخيه ) ، فسألها الرسول صلى الله عليه وسلم : وما الذى حملك على ما فعلت ؟ ( يعنى إذا كنت قد وافقت على تزويج أبيك لك من أبن أخيه فلماذا جئت إلىّ شاكية ؟ ) ، فقالت : أردت أن تعلم النساء أنه لا يحق لأحد أن يزوجهن بمن لا يرغبن فيه .

* * *

 

حقها أن تكون لها ذمة مالية مستقلة :

     وبالمقارنة بما عليه أمر المرأة فى المجتمع الغربى فى هذه المسألة والتى           لا تستطيع الأنثى أن تصرف شيكًا من البنك إلا إذا كان توقيع زوجها بجوار توقيعها بما يعنى انتقاص أهليتها وشخصيتها  .

 

     بالمقارنة فى ذلك مع موقف الإسلام من المرأة فى هذا الأمر نرى الإسلام ـ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا ـ قد صان استقلال شخصيتها واعترف بكامل حقها وأهليتها فى أن تكون لها ذمتها المالية المستقلة التى لا تحتاج فى اكتمالها إلى أن تكون مشارَكة الرجل إلى جوارها فيها .

* * *

     كان هذا واضحًا أعظم الوضوح فى بيت النبى نفسه صلى الله عليه وسلم إذ كانت زوجه ( أم المؤمنين السيدة خديجة رضى الله عنها ) ذات مال كثير ـ وكان النبىّ قبل بعثته يعمل لها على تجارتها فاكتشفت أمانته وطيب أخلاقه وكان ذلك مما هيأ للزواج بينهما .

* * *

     واحترامًا لهذا الاستقلال للذمة المالية للمرأة فلم يكلفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأى نوع من الإنفاق على الدعوة ، لكنها ـ رضى الله عنها ـ كانت بعطاء إيمانها بالرسالة والرسول كانت تقدم ـ طواعية واختيارًا ـ ما ترى الدعوة فى حاجة إليه .

ولم يكن هذا كثيرًا .

* * *

حماية عرضها وسمعتها من مقولات السوء

     واعتزازًا من الإسلام بحرمة المرأة وصونًا منه لشرفها وسمعتها حتى من مجرد الكلمات الطائشة أو المقولات الشائنة ولو كانت صحيحة ..

     اعتزازًا وحرصًا من الإسلام على نقاء وطهارة صورة المرأة فى المجتمع فقد نزلت فى القرآن سورة بأكملها تسمى سورة " النور " تضع الأسس والضوابط لتطهير المجتمع من فاحشة الزنا وتخص حماية عرض المرأة وشرفها بنصيب كبير من العناية حتى لا يصبح مضغة فى أفواه الجاهلين ، وحتى يتطهر المجتمع كله من إشاعة الفاحشة ومن كلمات السوء .

     وهنا تقرر الآية الثالثة من سورة " النور" عقوبة قاسية لمن يقذفون المحصنات          ( النساء المتزوجات الطاهرات ) واشتملت عقوبة ( القذف ) على جلد هذا القاذف ثمانين  جلدة كعقوبة بدنية حسية تبعتها عقوبتان إحداهما فى الدنيا وهى عدم قبول شهادة هذا القاذف مدى حياته بما يمكن اعتباره حالة إسقاط الهوية أو إسقاط الجنسية بتعبيراتنا المعاصرة . ثم كانت العقوبة الثالثة أخروية وهى اعتبار قاذف المحصنات عند الله من الفاسقين الذى يلاقون أشد العقاب عند الله وهذا ما تحدثت ببيانه الآية الكريمة :

    ]  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ،           ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون   [  (8) .

 

* * *

    

     وكمثال لحرص الإسلام على ضرورة احترام وصيانة أعراض النساء عن الاتهامات الباطلة ، والكلمات الشائنة .

     فقد حفظ التاريخ أن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ لمّا كان أميرًا للمؤمنين ـ كان من بعض طبعه أن يمشى فى الليل بين الدروب والطرقات يتفقد أحوال الرعية ويطمئن على سلامة أمنها .

* * *

    

     وفى إحدى هذه الليالى سمع امرأة تقول شعرًا تعرب فيه عن حنينها إلى زوجها الغائب ـ وكان بين الجنود عند حدود المدينة ثم باحت المرأة بأشواقها الجنسية الطاغية وأنها لولا خشيتها من الله لتطلعت إلى رجل يروى ظمأ هذه الأشواق ..وأحس عمر أمير المؤمنين بالخطر وسأل عن الرجل الغائب عن هذا البيت فلما أخبروه أنه من الجنود المرابطين على الحدود سأل بعض نساء بيته : كم تصبر المرأة على غياب زوجها فحدثنه عن شهور هى أكثر من ثلاثة ، فأصدر أوامره إلى قادة الجيش ألا يغرّبوا الجنود                       ( لا يطيلوا غيابهم عن بيوتهم لأكثر من هذه المدة ) .

 

* * *

 

 

     لكن تصرفًا آخر وأهم من هذا القرار( الإدارى ) الحكيم لأمير المؤمنين الذى يريد به أن يصون النساء من التعرض للفتنة إذا غاب عنهن رجالهن ، أنه مضى إلى الإمام علىّ عليه السلام وهو آنذاك أفقه من بالمدينة فسأله عما يصح له أن يفعله إذا سمع فاحشة ترتكب بين امرأة ورجل وقال له : يا أبا الحسن ماذا لوسمعت بأذنى أأقضى به ؟ يعنى أقيم حدّ الزنا فى هذه الحالة ؟

     فقال له الإمام علىّ الذى استشعر حرص الإسلام على شرف الأنثى وكرامتها وسمعتها فقال له يا أمير المؤمنين : البينة أو حدّ فى ظهرك    والبينة هى أن يأتى أميرالمؤمنين بأربعة شهود عدول ( العدول هم الشرفاء وأهل الثقة الذين يكونون أهلاً للثقة فيما يخبرون به  ) يشهدون بمثل ما شهد به أمير المؤمنين ، وهنا يمكن أن نقيم على مرتكبى الفاحشة حد الزنا .

      أما إذا لم تأت بالشهود الأربعة فسأقيم عليك أنت حد القذف ( ثمانون جلدة عقوبة علنية يشهدها المجتمع كله ) .

* * *

     هكذا كان حرص الإسلام على صون كرامة وشرف المرأة وحماية سمعتها من الأباطيل وكلمات السوء .

     وحتى لا يتوهم بعض من لا يدركون شمولية معالجة الإسلام للمسائل الشائكة فى حياة الناس أو أنه يقتصر فى العلاج على البتر والقسوة ، فقد أمر الإسلام ـ وخاصة فى سورة النور ـ التى يقول عنها بعض الصالحين : إنها سورة تطهير الإنسان ـ ذكرًا         أو أنثى ـ من سلطان الشهوات عليه .

     أقول : أمر الإسلام فى هذه السورة خاصة الرجال والنساء بغض النظر عن التدقيق فى محاسن المرأة التى لا تحل له وهكذا المرأة .. كما أمر النساء خاصة بأن يقتصدن فى زينتهن حتى لا يكنّ فتنة للرجال ـ والشباب المراهق منهم خاصة . كما أمرهن           ألا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولا يحاولن لفت أنظار الرجال إليهن وألا يخضعن بالقول إذا تعاملن مع الرجال حتى لا يطمع فيهن من فى قلبه مرض .

     كل هذا لصيانة المرأة وصيانة المجتمع من السقوط فى الفاحشة .

* * *

     المؤسف أن نرى فى بعض المجتمعات الإسلامية من يعلن ضيقه وتبرمه بهذه الضوابط الأخلاقية التى قررها الإسلام لضمان طهر وسلامة المجتمع كله من السقوط فى الفاحشة ..

     نراهم يطالبون باعتماد النموذج الغربى للمرأة فى ما يسمونه حريتها فى التعبير     عن مشاعرها وعواطفها ، ولو أدى ذلك إلى أن تقوم بتجربة مباشرة جنسية مع الرجل  الذى يتقدم للزواج بها ، فإن أعجبها وافقت وإلا تبحث عن غيره .. فهكذا يفعل بعضهم فى الغرب !!

     ولست أجد كلمة تعبر عن اشمئزازى  بلا حدود مما يقوله هؤلاء الذين يحولون المرأة إلى حقل تجارب رخيصة ورديئة تسقط بها إلى أقل من مستوى الحيوان .

     وكما سبقت الإشارة ستكون لنا وقفة للمقارنة الموضوعية بين ما صنعه الإسلام فى مجال احترام المرأة وبين ما كان فى التشريعات الأخرى ، وأيضًا المقارنة بين سموّ التشريع الإسلامى ورقيّه الحضارى بالمرأة فى مواجهة من شرعوا لها الزنا ، وبالذات    ـ زنا المحارم ـ وأسقطوها إلى منزلة دون منزلة الحيوان فى الغابة .

     وسنعرض هذه المقارنة فيما بعد ليعلم الغرب كله وليعلم المفتونون بالغرب أن           رؤية الإسلام وحده هى التى صانت حقوق الإنسان ـ كل إنسان ـ وصانت حقوق        المرأة ،  وخاصة باعتبارها هى المحضن الذى يجب أن يبقى مطهرًا ونظيفًا لتكوين بناء أجيال بشرية تنزل إلى الدنيا مطهرة من الشرور والخبائث فتستطيع بناء مجتمعات إنسانية نظيفة ومطهرة لا تعربد فيها نفثات الشياطين .

     ولست أجد كلمات أعبر بها عن ازدرائى واحتقارى لهذا الذى يتحدثون به أمثال هؤلاء سوى أن ألعن الإنسان ( رجلاً أو امرأة ) الذى جاء عليه زمن أصبح فيه      كالحيوان .

 

بل إن بعض الحيوانات ـ وخاصة الإناث منهن ـ لاتقبل أن يمسها ذكر من الحيوان غير الذى اختارته ودامت عشرتها معه .

* * *

     وهنا من الواجب إدانة ورفض بعض أنماط الحضارة الغربية التى جعلت الإنسان عبدًا للجنس يتخلى من أجله عن كل الأخلاقيات والقيم ـ حتى تبيح بعض دول الغرب أن يتزوج الرجل بالرجل ، وتعيد الشواذ من الرجال للانخراط فى سلك الجندية بعد أن كان قد صدر قانون بحرمانهم من هذه الخدمة العسكرية  .

* * *

      وبئست الحرية التى يتحدثون عنها فى الغرب إن كانت غايتها الانحطاط بالإنسان إلى الدرك الأسفل من السقوط .

     وهذا يجب التنبيه إلى أن غاية الحضارة فى فلسفة الإسلام أن ترتقى بالإنسان من عنصر الطين فى أصل خلقه إلى عالم الروحانيات والمثل العليا التى تقترب من الملائكة.

     ويا بعد ما بين الغايتين من مسافة !!!

* * *

المرأة والعمل العام فى الإسلام :

     نظرة الإسلام إلى العمل العام نظرة موضوعية وواقعية ومنصفة تعتمد على شرط أساسى واحد هو اكتمال الأهلية والصلاحية لا فرق فيها بين ذكر وأنثى إلا بالمقدار الذى تصنعه الفروق الفردية بينهما بما يخل بالأهلية .

     وكمثال فإنه لا يجوز تكليف الأنثى بالعمل فى المناجم وفى حمل الأثقال وخوض الأهوال بينما يسند إلى الرجل أن يشرف على إرضاع الأطفال أو دور الحضانة .

     ذلك لأنه مع التساوى فى أصل الخلقة من أم وأب ( من ذكر وأنثى ) فإن ثمة فروقا نفسية وبيولوجية بينهما فى طبيعة تحدد أو تكاد تحدد الدور المنوط بكل منهما أن يقوم به بما يناسب طبيعته وخلقته .

     من هنا كانت حكمة التشريع الإسلامى التى يهتدى بها الفقهاء والمشرعون فيما يقولون به من الحظر والإباحة فى مسألة العمل العام للمرأة .

* * *

     وبمراجعة الحال فى عصر النبوة والراشدين نجد أنه قد أبيح وقُبل من المرأة أن تروى الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخاصة ما يكون منه فى بيت   النبوة الذى لا يطلع على أسراره غيرهن . 

     لأن الأهلية المطلوب توفرها هنا ليست سوى مجرد الأمانة ودقة النقل عنه صلى الله عليه وسلم ، خاصة إذا كان هذا المنقول من القرآن الكريم الذى ينزل عليه فى بيته .

     وثمة أحاديث كثيرة روتها سيدات بيت النبوة عنه صلى الله عليه وسلم وعملت الأمة بمقتضاها أمراً ونهياً باعتبار أن  السنة النبوية هى المصدر الثانى للتشريع .

     وإقرار الأمة جميعا باعتماد ما روت النساء من هذه الأحاديث يعنى إقرار مبدأ وحق المرأة فى المشاركة فى الأعمال والأمور العامة التى تتوفر أهلية النساء للقيام بها          ولا ينفرد بها الرجل .

* * *

     ومن ثم لم يكن غريبًا أيضًا أن تشترك النساء مع الرجال فى الاحتفاظ بنسخ من القرآن الكريم فى بيوتهن كما احتفظ الرجال ببعضها .

 

* *  *

ولاية المرأة الحسبة على السوق :

     وانطلاقًا من هذا الفهم لم يكن بدعًا أن يسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولاية الحسبة على السوق لامرأة تسمى ( الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية ) 20هـ / 640م كانت ذات ثقافة إسلامية جامعة (9) .

     والحسبة على السوق لا تتنافى مع التكوين الطبيعى للمرأة ، بل لعلها أن تكون ـ أكثر من الرجل ـ فى التعرف على الصالح أو الفاسد مما يعرض فى السوق من أصناف البضاعة التى قد لا يدرك الرجل أساليب الغش فيها ، وذلك لما فى طبيعة المرأة من حس مرهف لملاحظة تفصيلات ودقائق الأشياء .

* * *

     لكن الأمر لم يكن لمجرد الولاية على السوق ، ولكنه إعلان مبكر من أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فى ألا تقتصر ممارسة الولايات العامة على الرجال ، وإنما يكون للنساء ( المرأة ) نصيب فيها متى توفرت شروط الأهلية للقيام بهذا العمل .

     وأمير المؤمنين فى هذا يتأسى بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذى سمح للنساء بالتواجد فى ميادين القتال يسقين الجرحى ويضمدن جراحهم ، بل ويناولن السهام  للمقاتلين .

* * *

     وأم عمارة (نسيبة بنت كعب الأنصارية) من أبرز النماذج فى ذلك ( 13هـ /643م) فقد كانت رضى الله عنها مع المسلمين يوم هزيمتهم فى " أحد " ، وحين تفرق الرجال وانكشف موقع الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين أقبلت رضى الله عنها إلى موقعه تدعو المقاتلين للدفاع عنه ، بل وتناولهم السهام وهو صلى الله عليه وسلم مشفق على ضعفها الأنثوى ، لكنه لم يمنعها من الاستمرار فى مناولة السهام للمقاتلين وكان يقول لها داعيًا الله أن يحميها ويقويها فيقول لها :

      " ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟ ! " .

_______________

(1) التكوير 8،9  .

(2) النحل : 58 .

(3) البقرة : 228 .

(4) الممتحنة : 12 .

(5) النساء : 20 ، 21 .

(6، 7 ) أخرجه النسائى 6/87 ( كتاب النكاح ـ باب البكر يزوجها أبوها وهى كارهة ) وأحمد 6/136 .

(8) النور : 4 .

(9)النماذج الإسلامية لتربية وتحرير الإسلام للمرأة :

      شبهات وإجابات حول موقف الإسلام من المرأة فى الميراث ـ فى الشهادة ـ فى ولاية القضاء ـ ناقصات عقل ودين . د . محمد عمارة ـ نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 1423هـ / 2002م .

 

مكانة المرأة بين اليهودية والمسيحية والإسلام

( دراسة مقارنة )

 

     إن ما سبق ذكره فى هذه الدراسة عن حقوق المرأة والمكانة التى رفعها إليها الإسلام لا يعدو أن يكون بمثابة تقديم أو تعريف مجمل بما حققه الإسلام للمرأة بعدما كانت عليه من الهوان وغمط الحق حتى كانت تدفن فى التراب وهى حية فرارًا من عار كونها أنثى لا يجوز حسب عرفهم وتقاليدهم أن يكون لها أى مكان فى الحياة .

* * *

     ولبيان ما صنعه الإسلام للمرأة أصبح من الضرورى عرض هذه الدراسة المقارنة بين مكانتها فى الديانتين السماويتين السابقتين على الإسلام حتى يقف القارئ على    طبيعة التكريم الذى أحاط الإسلام به المرأة ولم يسبقه فيه أى تشريع آخر لا سماوى    ولا وضعى .

* * *

 

مدخل إلى الموضوع

 

فكرة الخطيئة الأولى :

     تسيطر على الفكر الكنسى فكرة تحميل الأنثى ( حوّاء ) مسئولية إغواء أبى البشر (آدم) حتى عصى ربّه وأكل من الشجرة وكان ذلك سببًا فى طرده من الجنة وتعريض البشرية جميعها لما فى الحياة الدنيا من ابتلاء .

     هكذا فى الفكر المسيحى الكنسى وهو من المنظور الإسلامى خاطئ ومرفوض وظلم لحوّاء ( المرأة ) فى تحميلها وزر معصية لم تكن هى الجانية فيها . وهنا تجب مراجعة موقف الإسلام من هذه المسألة : مسألة الخطيئة الأولى .

* * *

     والنص القرآنى حول مسألة الخطيئة يقرر أمور ثلاثة :

 

أولها : أن آدم ( الرجل ) هو الذى خوطب من الله تعالى أن يأكل هو وزوجه من جميع ثمار شجر الجنة إلا شجرة بعينها كما تقول الآية : ) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( (1)  .

ثانيها : أن صريح النص القرآنى يحدد أن الذى زين الخطيئة لآدم لم تكن حواء (المرأة) وإنما كان هو إبليس ( الشيطان ) الذى لم يوسوس لحواء ( المرأة ) وحدها ، وإنما وسوس لهما معًا .. وعليه فلا تكون حواء هى التى حرّضت آدم على الخطيئة ، وإنما هى كآدم كانا ضحيتين لوسوسة الشيطان ( إبليس ) الذى زيّن لهما الخطيئة وأوقعهما  فيها . وفى هذا يقرر النّص القرآنى الصريح :

     ) فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال          ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين .. ( (2) .

ثالثها : التعبير القرآنى صريح فى توجيه المسئولية إلى آدم ( الرجل ) ولم يوجهها إلى حواء حيث قال :

     ) .. وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى ( (3) .

رابعًا : وهو أمر بالغ الأهمية فى القضية وهو : أن الخطايا والذنوب وكل ما يرتكبه الإنسان من أوزار هو فى الإسلام مسئولية شخصية لمن ارتكب الذنب ، وهو وحده الذى يتحمل جزاءه ، ولا يصح أبدًا أن يتحمله عنه إنسان آخر .

     ومن هنا فالخطيئة فى الإسلام لا تورث أبدًا . وبهذا يختلف الإسلام تمامًا عن المسيحية فى مسألة تحميل المسيح عليه السلام خطايا أتباعه ، ذوأنه هو المخَلّص لهم مما يقعون فيه من أوزار .

     كما يختلف الإسلام ويرفض مسألة تحميل حوّاء ( المرأة ) أوزار الخطيئة الأولى وعليه فلا يجوز ـ إسلاميًا ـ أن تتحمل المرأة المعاصرة ولا المرأة فى أى زمان أو مكان مسئولية ذنب لم ترتكبه ولا يصح محاسبتها عليه .

 

ويلاحظ أن تحميل حوّاء مسئولية الخطيئة الأولى اتجه بالفكر الكنسى إلى تحميل كل حواء ( المرأة ) هذه المسئولية نفسها ومن ثم انحرف الفكر الكنسى فى موقفه من المرأة إلى نوع من الشطط الفكرى غير المبرر ولا المقبول على نحو ما نعرض لبعض   نماذجه :

1 ـ النظر إلى الجنس على أنه شر مطلق يحول بين الإنسان وبين الإيمان وأن التخلص منه والبعد عنه فضيلة وطريق إلى الإيمان .

     وهذا موقف خاطئ لأنه يناقض الفطرة البشرية ، ويناقض حكمة الله فى خلق الإنسان لإعمار الكون والاستخلاف فى الأرض .

2 ـ انسحب هذا الفكر وأدى إلى كراهية المرأة باعتبارها العنصر المحرك للجنس والمثير لشهواته .

3 ـ أدت هذه النظرة إلى السقوط فى أفكار ورؤى غريبة حول المرأة بلغت لدى بعضهم إلى القول :

    أ   ـ المرأة ليست إنسانًا .

    ب ـ التساؤل الغريب : هل المرأة لها روح ؟ .

    ج  ـ النظرة الدونية للمرأة .

     د  ـ بل بلغ الشطط ببعض أصحاب هذا الفكر الكنسى العجيب إلى القول بأنه على المرأة إذا أرادت الدخول فى مملكة الله أن تتحول إلى ذكر !!

     وإليكم بعض النصوص الكنسية الظالمة للمرأة :

 

المرأة أقذار :

     فى الفكر الكنسى قديمًا كان ينظر إلى جسد المرأة باشمئزاز . ولأن يسوع ( المسيح عليه السلام ) قد ولد من امرأة فقد كان هذا مصدر إرباك لآباء الكنيسة .

     وجاء فى الأدبيات الكنسية رفض وازدراء المرأة باعتبارها تحمل فى أحشائها أقذار الطمث ( دم العادة الشهرية عند النساء ) .

     ونشعر بكثير من الاشمئزاز حين نقرأ ما كتبه أودو الكلمنى فى القرن الثانى عشر عن معانقة رجل لامرأة فيقول :

     " إن معانقة امرأة تعنى معانقة كيس من القمامة " .

     ولهذا كان آباء الكنيسة يحرصون على التأكيد بأن يسوع ( الذى ولدته امرأة ) لم يصبه إلا أقل القليل من هذا الذى يكرهونه فى المرأة .

      وبتأثير المعتقد الخاطئ عن المرأة فى أنها التى ارتكبت الخطيئة الأولى وأغوت آدم بالأكل من الشجرة سرت موجة التخويف من المرأة وإثارة الرعب من جنس النساء كله .

     بهذا التأثير اُتهمت المرأة بأنها لا تشبع من الجنس أبدًا . بل وبأن كل النساء مومسات لا تجوز الثقة بإحداهن ، ولذا فيجب قهر المرأة ( كل امرأة ) واستهلاكهن نفسيًا تحت وطأة إشعارهن بالخزى والعار من طبيعتهن وتكوينهن العضوى .

* * *

      فكتب أسقف فرنسى عاش فى القرن الثانى عشر يقول : إن كل النساء بلا استثناء مومسات وهن مثل حوّاء سبب كل الشرور على الأرض فى العالم .

     وقال الراهب البنديكنى برنار دى موريكس بصراحة فجة فى بعض أسفاره :

     " لا توجد امرأة طيبة على وجه الأرض " .

* * *

     أما الراهب الإنجليزى ( اسكندر نكهام ) فقد كتب يقول :

     " إنه نظرًا لأن المرأة لا تشبع جنسيًا فإنها غالبًا ما تصطاد بائسًا حقيرًا لينام معها فى فراشها ليشبع نهمها إذا كان زوجها غير موجود فى لحظة شهوتها . ثم أضاف :

     " ونتيجة لذلك كان على الأزواج أن يربّوا أطفالاً ليسوا من أصلابهم " .

* * *

     وحتى السيدة " مريم " أم المسيح عليهما السلام لم تسلم من هذا الامتهان .

     والمؤسف أن يأتى ذلك فى بعض الأناجيل ؛ بل وعلى لسان السيد المسيح حسب زعمهم .

     ففى إنجيل يوحنّا : ( 2ـ1ـ4 ) " كان عرس فى قانا الجبل وكانت أم يسوع هناك ودعى أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس . ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له : ليس لهم خمر .

     فقال لها يسوع ( قال لأمه مريم ) عليهما السلام : مالى ولك يا امرأة ؟! "

     وهى كلمة تعنى أن المسيح استنكر من أمه مجرد أن تتجرأ على الحديث إليه !!      فهل معقول أن يتحدث المسيح عليه السلام ـ إلى أمه بمثل هذه الجفوة ؟!

     نحن ـ كمسلمين ـ لا نصدق ذلك بل نرفضه بشدة إجلالاً للسيدة العذراء وللسيد المسيح عليهما السلام .

     ودليلنا على عدم تصديق هذا القول :

     أن كل إسرائيلى يعلم أن أول وصيّة على رأس الوصايا العشر كما جاء فى سفر الخروج : ( 20: 12 ) تقول :

     " أكرم أباك وأمك لكى تطول أيامك على الأرض " . فكيف يكون هذا موقف يسوع من أمه ؟!

    نحن ـ إكرامًا ليسوع (عليه السلام) ـ لا نصدق . لكن هكذا جاء فى "إنجيل يوحنا ".

     ولإظهار إجلال القرآن لمريم عليها السلام نكتفى بذكر الآية الكريمة التى تقول :          ) وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين((4).

* * *

     وعلى نقيض ما جاء فى إنجيل يوحنا جاء فى إنجيل متّى ( 15 : 3ـ9 ) :

       قال يسوع ( المسيح ) للكتبة والفريسيين بسبب اختراعهم لتقاليد أبطلوا بها وصايا الرب طمعًا فى مكاسب مادية فقال لهم :

       لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقاليدكم ؟ فإن الله أوصى قائلاً :

     " أكرم أباك وأمك ؛ ومن يشتم أبًا أو أمًا فليمت موتًا " . 

     وأما أنتم فتقولون :

     من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذى تنتفع به من لا يكرم أباه أو أمه فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم يا مراءون .  

     حسنًا تنبّأ عنكم النبى أشعياء قائلاً :

     " باطلاً يعبدوننى وهم يعلمون أن تعاليمى هى وصايا الناس " ( متى : 15/3ـ9) .

* * *

من هى أمى ؟!

     وبمثل ما جاء فى متّى من قبل عن إهانة المسيح ـ عليه السلام وحاشا له ـ  لأمه :

     جاء فى إنجيل متّى مرة ثانية : ( متى : 12/46ـ49) : بينما هو ( المسيح ) يكلم

 

الجموع إذا أمه وإخوته (!!) واقفين خارجًا طالبين أن يكلموه فقال له واحد :

أمك وإخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلموك " .

فأجاب يسوع ( المسيح عليه السلام ) وقال لمن أخبره عن وجودهم خارجًا : من هى       أمى ؟! ومن هم إخوة ( متّى : 12/46ـ49 )

    ومرة أخرى نرفض نحن المسلمين الذين قال كتابنا ( القرآن ) عن يسوع : ) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين( (5) . نرفض أن يكون عليه السلام قد تنكر لأمه إلى هذا الحد البغيض الذى تزعمه كتبهم . 

     لكن هكذا تقول أناجيلهم .

* * *

 

المرأة فى مسيحية بولس :

     اعتنق بولس فكرة مسئولية المرأة ( حوّاء ) عن الخطيئة البشرية الأولى وبناء على المفهوم الكنسى بأن الخطايا تورث فكل امرأة هى ( حوّاء التى أغوت آدم ) .

     وبناء على معتقده هذا فهو يرى حرمانها من أن تعلم ومن أن يكون لها أى سلطان على الرجل فيقول : " لست آذن للمرأة أن تتعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون فى سكوت " .

     لأن آدم جُبل أولا ، ثم حوّاء . وآدم لم يغْو لكن المرأة أغويت فحصلت ( وقعت فى التعدّى ( تيموثاوس 2 : 12ـ14 ) .

* * *

المرأة دون الرجل :

     " أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح ، وأما رأس المرأة فهو الرجل : ورأس المسيح هو الله .

الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل .

     الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة خلقت من أجل الرجل " ( كورنتوس 11/3ـ9) . 

     ووفق عقيدة بولس فى أن المرأة دون الرجل يقول :

    " لتصمت نساؤكم فى الكنائس لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن بل يخضعن كما يقول لنا موسى أيضًا .

     ولكن : إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهن فى البيت لأنه قبيح          بالنساء أن تتكلم فى كنيسة " ( كورنتوس 14: 34ـ35 ) .

     ثم يقول بولس :

     " أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضًا رأس الكنيسة .

     وكما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن فى كل شىء " (أخس : 5 : 23 ـ24) .

* * *

 

وتساؤل أحمق : هل المرأة إنسان ؟!

     ويزداد عجبنا وتزداد دهشتنا من هذا الفكر الكنسى حول المرأة الذى يسقط فى مثل هذا التساؤل الأحمق عن طبيعتها إذا كانت إنسانًا أم لا ؟!

    فقد اشترك البروتستانت فى كراهية النساء الذى ورّثه الآباء للكنيسة الكاثوليكية . وعندما ناقش " اللوثريون " أتباع مارتن لوثر ـ فى تنبرج مسألة ما إذا كانت النساء حقيقة من بنى الإنسان لم يكونوا يناقشون جديدًا .

    فقد كان اللاهوتيون متحيرين تمامًا ودائمًا حول مكانة النساء فى خطة الله ( لخلاص البشر ) .

     وكان توما الاكوينى مثلما كان أوغسطين متحيرين دائمًا فى مسألة ما إذا كان هناك داع لأن يخلق الله المرأة ؟؟! لأن طبيعتها هى النزوة والهوى .

     وكتب الاكوينى يقول : فيما يخص طبيعة الفرد فإن المرأة مخلوق معيب وجدير بالازدراء . ذلك أن القوة الفعالة فى منّى الذكر تنزع إلى إنتاج مماثلة كاملة فى الجنس الذكرى ، بينما تتولد المرأة من عيب فى تلك القوة الفعالة أو حدوث توعك جسدى            أو حتى مؤثر خارجى .

     وهذه المقولة الظالمة بأن النساء جنس معيب هى فكرة ملتقطة من أرسطو عن المرأة   فالذكر عنده هو الأنموذج أو المعيار وكل امرأة هى رجل معيب .

    

هل للنساء أرواح ؟!

     ويزداد عجبنا وتزداد دهشتنا من هذا الغُلوّ الكنسى فى الحط من مكانة المرأة حتى نقرأ من مجمع " ماسون " فى القرن السادس أنه كان على الأساقفة أن يصوتوا على  مسألة : ما إذا كان للنساء أرواح أم لا ؟!

     ولقد فاز اقتراح الموافقة على أن للنساء أرواحًا بأغلبية صوت واحد بما يشير إلى أن رفض الاعتراف بأن للنساء أرواحًا كان ذا غالبية قوية ، فتمثل اتجاهًا خطيرًا فى الرأى العام الكنسى الذى يكره المرأة .

* * *

 

عبادة " مريم " ( المرأة ) لم تغير الدعوة إلى كراهية حوّاء :

     ومع أنه فى زمن الحروب الصليبية ، وفى المناخ الدينى الذى اقتصر على دور الرجال وأخذت فكرة عبادة مريم العذراء ( أم المسيح ) مكانًا كبيرًا فى كل أنحاء أوروبا تكريمًا لها . وحلت محل القديس ميخائيل كمركز للعبادة والأساطير لدى عامة الناس ..

     فأقيمت باسمها الكاتدرائيات تكريمًا لها بأنها التى تقف فى صف الفقراء والمنبوذين ، وأنها تستطيع أن تُدخِل إلى ملكوت السماوات أناسًا سبق أن عينهم الله لجهنم .

* * *

    مع هذه المكانة الدينية الكبيرة التى احتلتها السيدة مريم ( المرأة ) فى المجتمع آنذاك ، لكنها فى الواقع ـ وخاصة عند رجال الفكر الكنسى ـ لم تؤد أى تغيير فى النظرة الدونية إلى المرأة .

* * *

     فالقديس برنارد الذى فعل الكثير لنشر عبادة العذراء مريم فى الكنيسة ، لم يخف عداوته المريرة للنساء بدليل أنه عندما جاءته أخته لزيارته فى " الدير " الذى كان يقيم فيه وعندما رآها انفجر غاضبًا عليها لأنها كانت ترتدى ثوبًا جديدًا . فوصفها بأنها مومس قذرة وكتلة من الرّوث ( ما يخرجه الحيوان من فضلات طعامه ) .

* * *

هل الزواج عقوبة للنساء ؟!

     وتطالعنا أعاجيب الفكر الكنسى فى قضية المرأة حتى لنرى " لوثر " يعتبر زواج المرأة عقوبة لها وكتب يقول :

     " إن هذا العقاب ينبع أيضًا من الخطيئة الأولى ( خطيئة حوّاء ) ، تحمله المرأة مكرهة كما تتحمل تلك الآلام والمتاعب التى وضعت على جسدها " .

     ثم يفسر لوثر معنى العقوبة فى الزواج فيقول :

     إن السلطة تبقى دائمًا فى يد الرجل وتُجبر المرأة على طاعته حسب وصية الله ، فالرجل هو الذى يحكم البيت والدولة ويشن الحرب ويدافع عن ممتلكاته ويفلح الأرض ويبنى ويزرع .. إلخ ..

     أما المرأة فهى على العكس من ذلك ، فهى مسمار فى حائط ، إنها تجلس فى المنزل ويجب أن تبقى المرأة فى المنزل ترعى الحاجات المنزلية كإنسان حرم القدرة على إدارة تلك الشئون التى تختص بالدولة .. وبهذه الطريقة تعاقب حوّاء .

* * *

هكذا قالوا عنها .. فماذا يقول الإسلام ؟    

     وهنا نشعر ـ نحن المسلمين ـ بالفارق الحضارى الكبير من عطاء شريعتنا فيما يختص بحقوق المرأة وبين هذا الانحدار الذى عليه الفكر الكنسى فى أمر المرأة .

     نشعر بالاعتزاز بإنصاف شريعتنا للأنثى التى ساوت بين الرجل والمرأة فى أصل الخلقة : ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً  ( (6) .

 

فمع التسوية التامة بين الرجل والأنثى ( المرأة ) فى أصل النشأة ، فالإسلام يقرر       أن الزواج بالمرأة ليس عقابًا لها ولكنه السّكن والمودة والطمأنينة والحب المتبادل بين  طرفين أعطى الإسلام لكل منهما حقه وألزم كل طرف منهما بواجباته فى إطار دستور إسلامى حضارى تقرره الآية الكريمة : ) ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف ( (7) .

     كما يؤكده الحديث النبوى الذى يعلن أن .. [ النساء شقائق الرجال ] (8) بالمفهوم اللغوى لكلمة شقائق بمعنى أشقاء متساوين فى كل شىء .

     وآخر ما نعرض له من أعاجيب وشطحات الفكر الكنسى بالنسبة للمرأة هو قولهم :

     إنه لخلاص المرأة مما تعانيه فعليها أن تكون رجلاً !!

     وفى البداية أقول : هل أصحاب هذه المقولات الشاذة كانوا يتمتعون بقوى عقلية سليمة ؟ أم أصابهم مسّ من الخَرف والشذوذ ؟  

     لأن ما يتحدثون به من مثل هذه المقولات لا يمكن أن يصدر عن عقل سوىّ أى عقل متزن وفكر طبيعى .

     إنه الشذوذ عن سواء الفطرة .

     والعجز التام عن إدراك حكمة الله سبحانه فى التكوين والخلق .

     حكمة الخالق شاءت أن تقوم الحياة على التكامل الطبيعى بين الذكر والأنثى ( الرجل والمرأة ) ..

     تكامل ينهض فيه كل منهما بما أهلته له فطرته التى فطره الله عليها بحيث كانت القوة فى الرجل لتأهيله للمصاعب والمهام التى تتطلب القوة والبأس والسير فى الأرض وإدارة التدافع الحضارى بين الحق والباطل وبين الشر والخير .

    وحين تكون الحاجة إلى الرفق واللطف وإلى المودة والحب والحنان والعاطفة وغيرها مما يتطلبه تلطيف الحياة وإرواؤها بالعواطف الجميلة والأمومة الحانية تكون فطرة الأنثى ( المرأة ) هنا هى القادرة على أداء هذا الدور والتصدى له .

     هكذا فى تكامل وتناغم كتكامل اللحن الموسيقى الجميل بين مختلف أصوات الآلات التى تكونه وتهز به الأسماع والقلوب .

 

 

     وما جبلت عليه البشرية من ذكر وأنثى هو نفسه ما بنى عليه الكون فى تنوع المخلوقات وتكامل أدوارها بين  النار والنور وبين الربيع والخريف وبين الحرارة والبرودة وبين السهول الخضر والجبال .. وغير ذلك .

     هكذا كانت حكمة الخالق فى التمايز بين الذكر والأنثى حسب التكوين الطبيعى الذى تأصلت به طبيعة كل منهما ، والذى جاءت شريعة الله لتوظفه التوظيف المناسب ، والذى تُستثمر فيه كل الطاقات فى مواضعها المتناسقة بعيدة عن التصادم وقائمة على التكامل .

* * *

     أما هذا الذى نراه فى الفكر الكنسى من شذوذ الأفكار والمعتقدات ، فهذا ما سنفرغ له من بعد فى الحديث عن الموقف العادل والمنصف والحضارى للإسلام فى شئون المرأة .

* * *

رد فعل الفكر الكنسى الظالم للمرأة وللمجتمع :

* إعلان كراهية المرأة والتخويف الشديد منها باعتبارها هى الشر .

* عدم تشجيع الزواج إلى حدّ تحريمه .

* ازدراء الجسد واعتباره شرًا .

* استمرار تحميل المرأة المسئولية عن الخطيئة الأولى .

* * *

     كل هذه الممارسات التى شُحن بها وجدان المجتمع خلال القرنين الثانى عشر والثالث عشر كان لها مردود سيئ على مكانة المرأة التى قال عنها الإنجيل إن رجلها يتسيد عليها .

     وكأنها خلقت لتكون عبدة لهذا الرجل .

     وكثير غير ذلك مما حفلت به أدبيات الفكر الكنسى ، كان لابد أن تؤدى حتمًا إلى مجموعة من ردود الأفعال السيئة على المرأة وعلى المجتمع .

* * *

     فالتنفير من الجنس إلى حد تحريمه كان فى الواقع حالة من العمى عن إدراك حكمة الله فى أثر هذا الجنس فى تكوين الإنسان رجلاً أو امرأة باعتباره السبيل الطبيعى الآمن  ( بين زوج وزوجة ) إلى حفظ النوع واستمرار الوجود المتنامى للجنس البشرى يعمر الأرض ويؤدى دور خلافة الإنسان عن الله فيها ليمكّن فيها لقيم الحق والعدل والجمال والخير .

     كما أن ازدراء الجنس واعتباره نقيصه هو بحكم التكوين الخلقى للإنسان مشترك بين الرجل والمرأة ، فلماذا تحمل المرأة وحدها أوزاره وسلبياته التى ظهرت بكثرة فى أدبيات الفكر الكنسى عن اعتبار " المرأة ـ جنس المرأة " ما هى إلا مومس ، وأنها لا تشبع أبدًا من الجنس ومن ثم تصطاد أى بائس حقير ليطفئ لحظة الشبق عندها كما أشرنا من           قبل ؟!

     ولماذا لا نطلق هذه الصفات السلبية على الرجل كذلك ؟

* * *

     على أن ردّ الفعل الأكثر ظهورًا هو ما أطلق عليه فى أدبيات الفكر الكنسى ظاهرة  " النساء المتشيطنات " أو " عبدة الشيطان " .

      وقد أصابت هذه الظاهرة " الرجل " المسيحى بما يشبه الجنون ، فأقام الرجال            " مذبحة " راح فيها الألوف من النساء المتهمات بالتعامل مع الشيطان .

* * *

     ولم تقتصر هذه الظاهرة على بلد بعينه بل شملت تقريبًا كل دول الغرب المسيحى فى أوروبا خاصة ، وأبيد فيها ـ دون تحقيق ـ كل من يشار إليهن أنهن من المتشيطنات .

     الأمر الذى اعتبره بعض المراقبين فضيحة للرجل الذى شعر بالعجز عن تحقيق الإشباع الجنسى للمرأة فاتهمها بأنها تشبع شبقها مع الشيطان ، فمضى يذبحها فى كل   مكان !

     أيصح هذا فى منطق العقلاء ؟!

* * *

ولماذا لم تتشيطن المرأة فى العالم الإسلامى ؟

     ببساطة ، لأن الرجل فى العالم الإسلامى يتعامل مع " المرأة " كمخلوق سَوِىّ مناظر له يشترك معه فى أصل الخلقة والنشأة ويعلمه دينُه أن للنساء مثل ما للرجال من حقوق ، فى طلبها حقها فى الإشباع الجنسى . ويعطى للقاضى الحق فى التفريق بينهما                  (بالطلاق) إذا اشتكت المرأة من أنها تتضرر من هجر الزوج لها فى فراشها .

* * *

 

وحتى نساء الأنبياء !!

     والغريب فى جموح الفكر الغربى ( اليهودى والمسيحى ) أن يمتد الاتهام ( اتهام المرأة ) بالانحراف والتورط فى خطيئة الزنا حتى لا تكاد واحدة أن تبرأ من هذه التهمة الدنيئة .

     ولأنى لا أريد أن أشارك بأى وجه فى إذاعة هذه الفواحش فقد أبيت أن أذكر ما جاء عن نساء الأنبياء .

     وعلى القارئ إذا شاء البحث عن ذلك العودة إلى مصادرها وخاصة فى المصادر اليهودية .

* * *

     وهنا ولكى تكتمل المقارنة بين الأديان السماوية وموقفها من المرأة ، ولأن الإسلام هو المتهم الآن بأنه ظلم المرأة ، يصبح من الموضوعى ومن دقة البحث أن نعرض لمكانة المرأة فى الإسلام .

* * *     

الإسلام ومذبحة المتشيطنات :

    وإذا كان الفكر الكنسى قد أدى إلى ما عرف تاريخيًا باسم مذبحة النساء المتشيطنات ، والتى قتل فيها عشرات الألوف منهن خلال مائتى عام من سيطرة جنون قتل المتشيطنات كما هو معروف فى تاريخ الفكر الكنسى ..

     فإن الإسلام بالنسبة للمرأة قد أنكر بشدة أن تقتل المرأة ولو كانت موجودة فى ميدان القتال .

     وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إحدى الغزوات امرأة بين القتلى صرف وجهه عن رؤيتها واشتد غضبه وقال : من قتل هذه ؟! وأخذ يكرر هذا الإنكار حتى شعر أصحابه جميعًا بأنهم قد تورطوا فى جريمة ثقيلة أثارت هذا الغضب الشديد للرسول صلى الله عليه وسلم . 

____________

(1) البقرة : 35 .

(2) الأعراف : 20، 21 .

(3) طه : 121، 122 .

(4) آل عمران : 42 .

(5) آل عمران : 45 .

(6) النساء : 1 .

(7) البقرة : 228 .                  

(8) أخرجه الترمذى فى 1/75 .

 

 

مكانة المرأة فى الإسلام :

     فى موضوع المسئولية عن الخطيئة الأولى التى اعتبرت المسيحية المرأة مسئولة عنها ، نرى اليهودية أيضاً قد سبقت بذكر ذلك وتأكيده . ففى الكتاب المقدس : ألقى آدم اللوم على المرأة فقال لربه :

     " المرأة التى جعلتَها معى هى أعطتنى من الشجرة فأكلت .. واعترفت المرأة لربها أنها كانت البادئة بالمعصية بعد أن أغوتها الحية وقالت : " الحيّة غوتنى فأكلت " .

* * *

     وعلى نحو ما جاء فى اليهودية سار " بولس " فى مسيحيته فقال : " آدم لم يغْو لكن المرأة أغويت فحصلت فى التعدى " .

     ولمّا كان " بولس " هو مخترع فكرة الخطيئة الأصلية المتوارثة فى بنى آدم فقد عانت " المرأة فى مسيحية بولس من الازدراء والامتهان والظلم ما سبقت الإشارة إلى بعضه .

* * *

      فلما جاء الإسلام أعلن رفضه تحميل المرأة وزر الخطيئة الأولى وأعلن بصريح القرآن تبرئة المرأة وأكد أنها مسئولية الرجل ( آدم ) .

     وهذا ما تقوله الآيات : ) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك        لا تظمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ( (1) .

* * *

     وذِكر الحديث عن المعصية الأولى بالأكل من الشجرة جاءت فى ثلاث سور هى : البقرة ، والأعراف ، وطه .

 

     وعلى ذكر الخطيئة ( المعصية البشرية الأولى ) نعيد التأكيد على أن الإسلام يرفض القول بتوارث الخطيئة بدليل بسيط وواضح ، هو أن الله سبحانه قبل توبة آدم من هذه المعصية ، وذلك فى قوله تعالى :

     ) وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ( (2) .

     فليس فى الإسلام توارث للخطيئة كما جاء فى مزاعم بولس والمسيح منها براء .

     فالمسئولية فى الإسلام فردية كما قررها القرآن فى الآيات : [ لقمان : 33 ، النجم : 39ـ40 ، المدثر : 38 ) وغيرها .

* * *

المرأة هى أم الخليقة :

     فالمرأة تشترك مع الرجل فى الإنجاب وتكثير النسل البشرى ، وبموجب هذا الاشتراك يسمّى الرجل والدًا وتسمى المرأة والدة يقول القرآن :

     ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء ( (3) .

     ويقول :

      ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (4) .

* * *

    وبناء على هذا الاشتراك ـ بين الرجل والمرأة ـ فى الإنجاب وتكثير النسل كان أمر القرآن بالتكريم لهما مجتمعين : ( الرجل والمرأة ) حيث يقول :

     ) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا ( (5) .

     ويقول :

     ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا ( (6) .

* * *

 

إكرام الأم ضِعف إكرام الأب :

     يقول القرآن : ) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله فى عامين ( (7) .

     ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لرجل سأله : أى الناس أحق بحسن صحابتى . فقال الرسول :

     أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أبوك .

     كما جعل الإسلام تكريم الوالدين والإحسان إليهما أفضل من الجهاد فى سبيل الله . ويجعل للأم ( المرأة ) النصيب الأكبر . فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

     [ إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات ومنع وهات ووأد البنات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ] (8) .

      وتجدر الإشارة إلى أن هذا التكريم الذى قرره الإسلام للوالدين يجب أداؤه حتى لو كانا كافرين : يقول القرآن :

     ) وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفًا ( (9) .

     وجاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم يسأله أن يأذن له بالجهاد فى سبيل الله . فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم :

     أحَىٌّ والداك ؟

     قال : نعم .

     قال : ففيهما فجاهد (10) .

* * *

 

فى الإسلام : أهلية المرأة للمسئولية والمثوبة

     فى هذا يقول القرآن :

     ) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة         ولا يظلمون نقيرا ( (11) .

     ويقول :

     ) فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ( (12) .

     ويقول :

     ) يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ( (13) .

     وتقرير حق النساء فى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن اعتباره بمثابة حق المرأة فى الانتخاب ، والذى لم تعرفه الحضارة المعاصرة . وتمنحه للمرأة إلا أخيراً !

* * *

المرأة فى الإسلام إنسانة كاملة الإنسانية :

      ونذكر بهذه المناسبة ما سبق أن عرضناه من شذوذ الفكر الكنسى فيما يتصل بالمرأة حتى ليتساءلون عن المرأة أهى إنسان أم لا ؟ وهل لها روح أم لا ؟ ويتساءلون أخيرًا لماذا خلق الله المرأة ؟!

* * *

     أما الإسلام فيجمع بين الذكر والأنثى فى صيغة الإنسان حيث من عبقرية اللغة العربية أن تطلق لفظ الإنسان عليهما وهو ما جرى الخطاب عليه فى القرآن الكريم حيث يقول :

     ) وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( (14) .

     ولأن الإنسان يشمل الذكر والأنثى فلا يصح فى اللغة أن تقول عن الأنثى إنسانة .

* * *

     ومثل كلمة إنسان كلمة " زوج " فهى وفق عبقرية اللغة العربية تشمل الاثنين : الذكر والأنثى فالرجل زوج المرأة والمرأة زوج الرجل وفى هذا يقول القرآن :

     ) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ( (15) .

     ويقول :

     ) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ( (16) .

* * *

     كما نرى القرآن الكريم يجمع بين المرأة والرجل فى المسئولية العامة فى تصويب السلوك العام للمجتمع بما يعرف إسلاميًا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فيقول بتفصيل دقيق :

     ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ( (17) .

     وفى مقابل المؤمنين والمؤمنات يتحدث عن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون :

     ) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب أليم ( (18) .

وتجدر الإشارة إلى أن مسئولية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تعدّ من أكبر المسئوليات فى نظر الإسلام ، لأنها تعنى التعديل الدائم لسلوك الفرد والمجتمع من الشر إلى الخير ومن الخطأ إلى الصواب ومن الباطل إلى الحق . . وهكذا حتى تستقيم الأمور ويوقى المجتمع شر الفساد ومخاطره .

     وهنا وضع الإسلام المرأة شريكًا للرجل فى هذه المهمة الجليلة إقرارًا بمكانة عظيمة لها إلى جانب مسئوليتها فى رعاية شئون الأبناء والأسرة وتنشئة الأجيال الصالحة للأمة .

* * *

حق المرأة فى اختيار الزوج :

     لكى ندرك ما قدمه لها الإسلام فى هذا المضمار ينبغى أن ندرك أنها فى الجاهلية العربية قبل أن يظهر الإسلام كانت تعامل معاملة الرقيق محرومة من جميع الحقوق حتى حق الحياة الذى كان رهنا بمشيئة أبيها إن شاء تركها حية وإن شاء دفنها حية .  

     وفى ظل هذا الوضع كان الزواج كأنه عقد بيع طرفاه الزوج والولىّ أبًا كان أو أخًا أو غيرهما من الذكور .

     بل كان يجوز ـ فى الجاهلية ـ أن تكون هناك مقايضة ـ بين امرأتين ـ وكانوا فى الجاهلية يسمونه نكاح " الشِغار " .

     وجاء الإسلام فرفع المرأة من هذه المنزلة التى كانت فيها كالرقيق تباع وتشترى إلى منزلة جعلها الإسلام فيها سيدة قرارها فى كل ما هو من خصوصياتها والتى كان مجتمع الجاهلية يهدرها ولا يعترف بحقها كحالة الزواج التى سميت نكاح " الشِغار " ، وهو أن يزوج الرجل أخته لرجل آخر على أن يزوجه هذا الآخر أخته دون أى اعتبار لإرادة المرأتين فى هذا الزواج .. توافقان عليه أم لا .

     فلما جاء الإسلام أبطل هذا النوع من الزواج وقرر للمرأة حقها الكامل فى رفض من يتقدم للزواج أو قبوله .

***

     ولم يبق هذا الحق مجرد شعار بعيد عن التطبيق ، ولكنه طبق بالفعل على أرض الواقع كما سبق أن ذكرنا .

     فقد جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تقول له : " إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته ( مكانته غير الكريمة فى المجتمع ) " .

     فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه : ليس لأبيك الحق فى التزوج بمن لا ترغبين فى الزواج منه .

     قالت المرأة : يا رسول الله ، لقد أجزت ( وافقت ) على ما صنع أبى . فقال لها الرسول : ولماذا جئت تشتكين إلىّ ؟! قالت : أردت أن يعلم الناس أنه ليس لأحد سلطان على المرأة فى تزويجها بغير من لا ترتضيه .

* * *

الفقه الإسلامى يصون الوضع الاجتماعى للمرأة :

     وتأثرًا من فقهاء الإسلام بحرص الشريعة على وضع المرأة ( الأم والبنت والزوجة والأخت وغيرهن ) فى المكان الكريم الذى خصصه لهن الإسلام فى المجتمع ..

     فقد اشترط الفقهاء عند الزواج ما يعرف بشرط " الكفاءة " ، ويراد بها ألا يكون الموقع الاجتماعى للرجل أدنى من الموقع الاجتماعى للمرأة بحيث يحط من قيمتها ووضعها الاجتماعى .

     وهذه قسمة حضارية من قسمات حضارة الإسلام التى كان من أركانها رعاية الجوانب المعنوية والأدبية والنفسية للشخصية الإنسانية حتى تنشأ الشخصية المسلمة وتنمو متوازنة مطمئنة شامخة خالية من العقد والأزمات .

* * *

الإسلام والجنس والمرأة :

     فى الوقت الذى كان بعض آباء الكنيسة ينظرون إلى الجنس باشمئزاز وتقزز ، متهمين المرأة بأنها أسيرة الجنس وأنها لا تشبع وفى سبيل إشباع شهواتها فإنها تُغوى أى الرجل ـ غير زوجها لإطفاء شهوتها كما سبق أن ذكرنا ـ .

* * *

     وفى الوقت نفسه الذى كان بعض رجال الكنيسة يعتقدون زورًا وعبثًا أن ممارسة الجنس مع المرأة ( الزوجة ) إنما هو امتهان لكرامتها إلى الحد الذى يقول فيه القديس    " جيروم  " :

    

 

 

     " إذا امتنعنا عن الاتصال الجنسى ، فإننا نكرم زوجاتنا . أما إذا لم نمتنع فهذا نقيض التكريم وليس سوى إهانة "! (19) .

* * *

     فى هذا المناخ الغريب الذى يناقض الطبيعة البشرية ويعلن اشمئزازه من         الجنس .

     نرى الإسلام ينظر إلى هذا الأمر بتوازن عقلى منصف ويرى أن الجنس ليس جريمة وأنه من عمل الله تبارك وتعالى الذى خلق الإنسان وجعل الجنس أحد الغرائز الطبيعية له تحتاج إلى الإشباع المتبادل والمشروع بين الرجل والمرأة لحفظ النسل واستمرار النوع البشرى .

     وهو بهذا لا يكون بلاء ونقمة كما يتصور بعض آباء الكنيسة ، ولكنه نعمة على البشرية تضمن بقاءها واستمرارها طالما تمت فى الإطار المشروع بعيدًا عن الزنا والشذوذ .

* * *

التسامى بالجنس :

    ومع اعتراف الإسلام بالجنس فقد وضع له الضوابط الكريمة التى تعطيه المشروعية ، فاشترط أن يتم التواصل الجنسى من خلال الزواج المشروع الذى يكون منه النسل وليس من خلال العلاقة غير المشروعة .

     وليس من خلال اتصال يصنع اللقطاء ومجهولى النسب والذين تشقى بهم المجتمعات فى كل أنحاء العالم .

* * *

     وفى الوقت الذى كانت فيه المسيحية مشغولة عبر مئات السنين بجعل النساء                   يخجلن من أمورهن الجنسية (20) .

     فى هذا المناخ كان الإسلام ينصح المرأة ( الزوجة ) بحسن ( التبعُّل وحسن رعاية الزوج وحسن معاملته فى كل الأمور بما فيها هذه الأمور ذات الخصوصية فى العلاقة بينهما ) .

 

     أكثر من هذا أنه كان ينصح الرجل ( الزوج ) بأن يحسن المعاشرة الجنسية للمرأة (الزوجة) فيقدم لهذه المباشرة بما يهيئ المرأة للتجاوب معه . وفى هذا يقول صلى الله عليه وسلم فيما معناه : [ لا يقع أحدكم على امرأته كما يقع البعير وإنما عليه أن يبعث لها رسولاً . قالوا وما الرسول ؟ قال : القبلة ] . 

     وفى هذا يقول أحد الفقهاء والصالحين : إنى أغير ثيابى وأتطيب عند النوم كما أحب أن تفعل زوجتى مثل ذلك لى .

 

     وفى الأثر عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه قوله : إنّى أتعطّر لامرأتى كما أحب أن تتعطر هى لى .  

___________

(1)سورة طه : 115،121 .   

(2) طه : 121، 122 .                                                    

(3) النساء : 1 .

 (4) الحجرات : 13 .                                                               

(5) النساء : 36 .

(6) الإسراء : 23 .

(7) لقمان : 14 .

(8)  رواه البخارى .

(9) لقمان : 15 .

(10)  رواه البخارى .

(11) النساء : 124 .

(12) آل عمران : 135 .

(13) الممتحنة : 12 .

(14)الإسراء : 13، 14 .

(15)البقرة : 35 .

(16)الأنبياء : 90 .

 (17) التوبة : 71 .

 (18) التوبة : 67، 68 .

(19)إنجيل المرأة لكارين أرمسترونج .

 (20) إنجيل المرأة ص 56 .

 

 

شبهات ومقولات ظالمة والرد عليها

 

شبهة أن القرآن يأمر بضرب المرأة :

     يستند أصحاب هذه المقولة الظالمة إلى آية كريمة جاءت فى القرآن تقول :

     ) واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ( (1) .

     ولبيان الحقيقة فى هذه الآية نقول :

أولاً : إن هذه الآية المصرح فيها بضرب المرأة ليست منطبقة على حالات كل النساء . وإنما خاصة بالمرأة الناشز وهى المرأة المشاكسة لزوجها والخارجة عما ينبغى من الطاعة والمودة بين الزوجين .

ثانيًا : أنه إذا عادت المرأة إلى ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بينها وبين زوجها من الطاعة والمودة فيحرم أى إيذاء بدنى لها وذلك بصريح النص القرآنى :

     ) فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ( .

ثالثًا : يلاحظ حسب نص الآية فى ترتيب علاج حالة النشوز التى تكون عليها بعض النساء .

     إن البداية فى العلاج تكون بالموعظة الحسنة وهى فى لغة عصرنا تعنى التفاهم الودى مع الزوجة ومحاولة معرفة سبب نشوزها ، وإذا كانت محقة فيما تبديه لزوجها فعليه أن يغير سلوكه الذى أدى إلى نشوذها .

رابعًا : هناك مرحلة دقيقة وخاصة جدًا فى العلاقة بينهما وهى أن يهجرها فى فراشها    ( أى يعتزلها وينام بعيدًا عنها ) .

خامسًا : إذا لم تنجح هاتان الوسيلتان يمكن استخدام الضرب . وهنا يجب التنبيه إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين صفة الضرب المأمور به فى هذه الحالة وأنه الضرب الذى لا يؤذى ولا يترك أى أثر على البدن ، ولكنه فقط بمثابة تحذير أو إنذار .

سادسًا : إذا اشتد النشوز ( نفور المرأة من زوجها ) فلابد أن يكون لأسرة الزوجين تدخل فى محاولة الإصلاح بينهما قبل أن يصل الحال إلى الفراق النهائى بالطلاق وفى هذا تقول الآية الكريمة :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

)      وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما ( (2) .

     ونلحظ فى حرص الإسلام على استمرار العلاقة بين الزوجين أنه يشرع مختلف الوسائل التى يمكن أن تعيد العلاقة إلى طبيعتها مودة ورحمة .

 

     أما إذا استحالت العشرة وأصبح استمرارها ضارًا بالزوجين وبمن بينهما من الأولاد فهنا يكون الطلاق هو الحل المشروع .

* * *

 

الطلاق أبغض الحلال إلى الله :

     يحاول بعض خصوم الإسلام والحاقدين عليه أن يجعل من مسألة الطلاق فى الإسلام جريمة تهدم الأسر وتشرد الأولاد وغير ذلك من المقولات الظالمة .

    وكما سبق أن ذكرنا فإن الطلاق لم يكن هو الخطوة الأولى فى علاج النشوز (نفور المرأة من زوجها) .

     وإنما سبقته المراحل التى تحدثت عنها الآية السابق ذكرها . وفى النهاية إذا أصبحت العشرة مستحيلة فلم يشأ الإسلام أن يفرض على الزوجين هذه العشرة بالإكراه . وإنما شرع لها حلّين سلميين هما : الطلاق ، والخُلع .

* * *

     أما الطلاق فهو كما جاء فى الحديث النبوى الشريف : [ أبغض الحلال عند الله الطلاق ] .

     ونلاحظ حرص الإسلام على أن تكون العلاقة الزوجية قائمة على المودة والرحمة التى شرعها الله بين الزوجين لتوفير جو المحبة والسعادة بينهما .

 

     فالإسلام يجعل الطلاق آخر سبل العلاج إذا فشلت كل محاولات الإصلاح .

 

     ومع أن الإسلام يبيح الطلاق ويؤكد مشروعيته ، لكنه يعتبره أمرًا بغيضًا عند الله     لا يحبه ولا يشجع عليه ، ولكنه آخر الدّواء إذا استعصى داء النشوز على كل الأدوية السابقة .

* * *

     وهنا أسأل الذين يعيبون تشريع الإسلام للطلاق فأقول :

     أيهما أفضل للطرفين : ( الزوج والزوجة ) : أن يعيشا فى بيت الزوجية وكأنهما سجينان فى سجن مشترك ، بما يمكن أن يؤدى إليه الشقاق بين الزوجين من آثار سلبية على الأولاد وعلى المناخ العام داخل الأسرة ؟

     بل وربما أدى فرض استمرار العشرة فى ظل النفور الدائم بين الزوجين إلى انحرافات أخلاقية خطيرة ومدمرة .

     أقول : أهذا أفضل ؟! أم أن يكون الطلاق فرصة إلى مراجعة كل من الزوجين موقفه من الطرف الآخر ، وقد يهدأ الغضب ويخف التوتر وتكون المصالحة وإعادة الحياة فى ظل السلام العائلى ؟ خاصة إذا عرفنا أن للطلاق فى الإسلام صفتين يسميهما الفقهاء كالتالى :

أ   ـ طلاق رجعى ( يمكن أن يراجع فيه الزوج زوجته خلال فترة زمنية محددة ) .

ب ـ طلاق بائن .. لا رجعة بعده . ولكل من النوعين شروطه وضوابطه .

     والمهم فى ذلك أن الطلاق الرجعى يعطى فرصة زمنية تسمّى " العدة : " للطرفين خلالها أن يراجع كلٌ منهما نفسه ويقيّم الأضرار والمنافع بعيدًا عن مثيرات التوتر والنشوز .

     وقد لوحظ فى حالات كثيرة أن الطلقة الرجعية تكون بمثابة تنبيه وتحذير للطرفين فيراجعان موقفيهما ويعودان إلى حياة مستقرة يظللها السلام والوئام .

 

* * *

شبهة تعدد الزوجات فى الإسلام :

    

     وبداية أود أن يعلم القارئ الكريم أن هناك تحذيرًا شديدًا بالطرد من رحمة   الله للرجال أو النساء الذين يعدّدون الزوجات والأزواج جريًا وراء الشهوات والمتع الجنسية .

 

     وإذا كان الإسلام يرفض التعدد رغبة فى الشهوة والمتعة ، فإنه يبيحه عندما تكون هناك ضرورة ملحة تدعو إليه .

 

     مثال ذلك ، أن تكون الزوجة مريضة بمرض يمنعها من الإنجاب ، ومعروف أن الإنجاب أحد أهداف الزواج المشروعة ، وأيضًا هو أحد الأهداف الشخصية والاجتماعية للرجال .

 

     فإذا انقضت فترة زمنية وثبت خلالها برأى الأطباء المتخصصين أن الرجل غير مسئول عن عدم حدوث الإنجاب ، يكون التعدد هنا أمرًا يقره الشرع والعقل ولا غبار   عليه .

 

     وفى حالة أخرى إذا تعرضت الزوجة لمرض يمنعها من المعاشرة الزوجية بينها وبين الرجل يكون من حقه التعدد أيضًا .

 

* * *

    

     هذا مع الأخذ فى الاعتبار أن من واجب الزوج الذى يضطر إلى التعدّد أن يراعى مشاعر الزوجة الأولى وأن يلتزم العدل الدقيق بين الزوجات ، ليس فقط فى الإنفاق بالتساوى على الجميع ، وليس فقط فى حسن المعاملة بصفة عامة . ولكن حتى فى المعاشرة الزوجية ،  فلا يكون زواجه الجديد مضيعًا لحقوق الزوجة أو الزوجات  السابقات .

 

     ولذا لابد من تقسيم وقته بينهن بالعدل . وهذا الأسلوب معروف ومشهور فى البلاد وفى الحالات التى يكون فيها التعدد .

 

     ولأن العدل المطلق يكاد يكون شبه مستحيل ، لأن الميل القلبى لا يملك الرجل ضبطه على معيار العدل ..

 

     لهذا فقد نبه القرآن إلى هذا الوضع فقال :

     ) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ( (3) .

 

     وكان من أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم الذى كان يقْسِم أيامه بينهن تقسيمًا يعرفنه جميعًا .

 

     أقول : مع هذا فإنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه ويدعوه ألا يؤاخذه إذا مال قلبه إلى إحداهن أكثر من الأخريات فكان يقول :

 

     اللهم هذا قسمى فيما أملك ـ يعنى توزيع مبيته فى بيوتهن كل حسب موعدها ـ فلا تؤاخذنى فيما لا أملك ـ يعنى الميل القلبى الذى لا سلطان له عليه .

 

وأقول لمن يعيبون التعدد :

     المجتمعات الغربية أمرها عجيب تقبل الباطل وترفض الحق ، كما ترفض المشروع وتقبل غير المشروع فى هذه المسألة . فالمجتمع الغربى الذى يرفض تعدد الزوجات الشرعيات يقبل ويعترف بالعلاقة الآثمة ـ وغير المشروعة ـ التى يقيمها الزوج      مع واحدة أو أكثر من الخليلات والعشيقات بينما لا يعترف ولا يقبل أن تكون هناك زوجة أخرى !          

 

 

     أقول لهؤلاء :

     أيهما أحفظ لكرامة المرأة ؟! الزواج المشروع بالأصول التى حددها الإسلام فى ضرورة العدل والتحذير من الهوى ؟!

     أم قبول حالات الخيانة الزوجية التى يمارسها المنحرفون من الرجال ؟

     لكن أهل الغرب لهم أمزجة غريبة تقبل الحرام وترفض الحلال .. ترفض المشروع وتقبل غير المشروع !

     وما ذلك إلا لأن نوازع الدين والإيمان قد تبخرت من كثير من العقول والقلوب ، فأصبحت فريسة لحساب الأمور بالمكسب والخسارة !

     وهذا هو أسوأ الموازين عند تقدير القيم !

 

* * *

تعدد الزوجات فى المسيحية :

     ( مرقص 140 ) : إنا لنجد فى الأمثال التى ضربها المسيح من واقع الحياة وأصدر أحكامه فيها صراحة أوضحنا ما يؤيد عدم معارضته ( ممانعته ) لتعدد الزوجات .

* * *

     ( متّى 25 : 1ـ13 ) : يضرب مثلاً لعشر من العذارى خمس منهن حكيمات وخمس جاهلات دعين لمقابلة ( العريس ) ومعهن مصابيحهن فدخلت الخمس الحكيمات مع العريس وأغلق الباب بينما كانت الخمس الجاهلات يبحثن عن زيت مصابيحهن .

     فلما جئن ( الخمس الجاهلات ) قلن : يا سيد افتح لنا فأجاب وقال : الحق أقول   لكُنّ : إنى ما أعرفكن " . 

 

     فهذا المثل يقر بتعدد الزوجات الذى سمح به " ناموس موسى ومارسه الآباء والأنبياء ومارسه الشعب الإسرائيلى " .

     وكان هذا المثل إقرارًا بتعدد الزوجات فى المسيحية .

 

    علمًا أن مما تجب ملاحظته هو أنه بينما كان التعدد محظورًا على طبقة الأكليروس ، فقد كان التعدد غير محظور على بقية الشعب .

* * *

     وإذا كان أعداء الإسلام يأخذون على محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد عدّد زوجاته وأن كتاب رسالته ( القرآن ) قد سمح بتعدد الزوجات ، فإنهم فى هذا يغفلون حقيقة تاريخية مهمة ، وهى أن من سبقوه من الأنبياء قد عدّدوا ومنهم :

     " إبراهيم ، ويعقوب ، وموسى ، وجدعون ، وداود ، وسليمان ، وهوشع " .

     فإبراهيم عليه السلام تزوج سارة ، ثم تزوج هاجر المصرية فأنجب منها بكره إسماعيل ، وبعد أربعة عشر عامًا ولدت سارة لإبراهيم الابن التالى إسحاق فيكون إبراهيم قد جمع بين زوجتين .

     ثم ـ كما تقول روايات التوراة ـ : إبراهيم لما ماتت سارة عاد فأخذ زوجة اسمها قطورة ( تكوين 25 : 1ـ4 ) .

* * *

     ومصادر تاريخية أخرى تقول : إن إبراهيم تزوج امرأتين من العرب ( إحداهما قطورة بنت يقطان والأخرى اسمها حجور بنت أرهير ) .

     وهنا يمكن القطع بأن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد جمع بين أربع زوجات وثلاث سرارى .

* * *

نساء يعقوب :

     جمع يعقوب فى وقت واحد بين أربع زوجات هن :

1 ـ ليئـة .

2 ـ راحيل ( وهما ابنتا خالة ) .

     كما تزوج جاريتيهما :

     ـ زلفـة .

     ـ بلهـة . ومن هذه الزوجات جاء بنو إسرائيل .

* * *

نساء موسى :

     فكن اثنتين على ما يمكن الوثوق به وهما : المدينية والحبشية .

* * *

نساء جدعون :

     وهو فتى إسرائيل وقاضيها الذى جاء بعد موسى ويشوع ليخلّص شعبه من ذل المدينيين والكنعانيين .

     وكانت له نساء كثيرات أنجبن له سبعين ولدًا ( قضاة 8 : 30ـ31 ) خارجون من صلبه .

     وثمة تقديرات تقوم على أساس أن كل امرأة يمكن أن تلد ثلاثة قياسًا على أبناء إبراهيم ويعقوب فى ضوء عدد نساء كل منهما .

     وعليه يكون نساء يعقوب نحو 23 ثلاث وعشرين زوجة .

* * *

 

 

نساء داود :

     كانت لداود تسع زوجات وأنجب من أغلبهن ذرية ذُكرت فى الأسفار (4) . وكانت له أيضًا زوجات أخريات من أورشليم صمتت الأسفار عن ذكرهن وقدر عددهن بنحو عشرين زوجة .

     وكانت له سرارى لا يقل عن 40 أربعين سرية . وبذلك يكون عددهن 69 امرأة كما تقول مصادرهم ( صموئيل الثانى : 1ـ2 ) .

     وذكر القرآن وهو المصدر الذى نعتمده أنه كان لداود " تسع وتسعون زوجة " (5) .

* * *

نساء سليمان :

     تقول مصادرهم أنه كانت له ألف زوجة .

     وفى ( أخبار الأيام الثانى : 11ـ21 ) أن تعدد نسائه أثار نفورًا لدى شعبه ليس لأنه عدّد النساء ، ولكن لأنه كان يختارهن من الوثنيات .

* * *

نساء هوشع :

     وكانت له زوجتان فقط تزوجهما بمخالفة شريعته إذ كانتا زانيتين والشريعة تحرِّم الزواج بالزانيات .

* * *

  وأقول ـ بعد هذا العرض لتعدد نساء الأنبياء والكهنة قبل محمد صلى الله عليه وسلم ـ

     هذه أخبار تعدد النساء فى بيوت أنبيائكم وبعضها يصل إلى أرقام غريبة لا يكاد يصدقها العقل !

     ومنها ما ذكر من أنه كانت لسليمان ألف زوجة ، وكأنه لم يكن له عمل فى نهاره وليله سوى معاشرة هذا الجيش الكبير من النساء !

    

* * *

 

ثم : ألا يستحى الحاقدون على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رسالته من        أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها ، لأنه عدّد نساءه وشرعت رسالته هذا التعدد لأتباعه من المسلمين .

* * *

     وهنا يجب أن تعرف أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا الفرق فى أمر التعدد بين ما فعله محمد صلى الله عليه وسلم وبين ما فعله الآخرون .

     فالتعدد عن محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أبدًا دافعه الشهوة أو الاستمتاع باختلاف الأذواق والأمزجة بين أنثى وأنثى .

     وإنما كانت دوافعه فى المقام الأول دوافع إنسانية نبيلة ، فهو لم يتزوج إلا بعد وفاة زوجه الأولى السيدة خديجة رضى الله عنها ، وكانت سنه آنذاك ثلاثًا وخمسين سنة وهى السن التى تنطفئ فيها الشهوة الجنسية ولا تكون الأنثى محور الاهتمام عند الرجل .

     فلما توفيت خديجة أشفق عليه أصحابه حرصًا عليه من ألا يوجد فى بيته من يرعى شئونه ويلاحظ حال عياله .

     فبعثوا إليه من عرضت عليه عائشة فاستصغر سنها فزوجوه بأخرى كانت أرملة لشهيد من الصحابة ولها أولاد يحتاجون إلى من يرعاهم فتزوجها .

     ولما كبرت عائشة تزوجها تودّدا إلى الصديق أبى بكر صاحبه فى الهجرة وأصدق من صدّقه حين كذّبه الناس فى إخباره بأمر الإسراء والمعراج . لكن الدافع الإنسانى كان هو الأسبق فى تزوجه بأرملة أحد الصحابة الذين استشهدوا فى بعض معارك الدعوة .

* * *

     وإلى جانب زواجه بالأرامل الذى تفرضه الدوافع الإنسانية النبيلة كانت ثمة دوافع نجدة ومروءة فى بعض حالات زواجه كزواجه من أم حبيبة بنت أبى سفيان التى كانت بين من هاجروا هى وزوجها إلى الحبشة .

     لكن زوجها تنصّر هناك فأصبحت فى أتعس حال تمر بامرأة . فقدت زوجها ومن قبل فقدت تعاطف أهلها معها بمجرد دخولها فى الإسلام .

     فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن بعث إلى نجاشى الحبشة يوكّله فى أن يخطبها له .

     وفعل النجاشى ما كلفه به محمد صلى الله عليه وسلم . وأصبحت بنت أبى سفيان   ـ العدو الأول للرسول من المشركين ـ إحدى أمهات المؤمنين فى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم .

* * *

     وهكذا كل الحالات التى عدّد فيها محمد صلى الله عليه وسلم زوجاته ليس فيها جميعًا دافع واحد صنعته الشهوة الجنسية .

     كما كانت بعض حالات زواجه تمثل تشريعات جديدة خاصة بتغيير أوضاع " الأبناء بالتبنى " وكان زيد بن حارثة متبنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يطلقون عليه لقب " زيد بن محمد " . 

     وتحدث القرآن عنها فى سورة " الأحزاب " فى الآية التى تنفى أن يكون محمد أبًا  ـ بالتبنى ـ لأى من الرجال وما هو إلا رسول فقالت الآية :

     ) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين( (6) .

     ولأن تفصيل القول فى أسباب تعدد زواج الرسول لا يتسع له المقام هنا ، فإنى أحيل القارئ الكريم إلى دراستين لنا صدرتا عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للوقوف على المزيد من التفاصيل (7) لكل حالة زواج : أسبابها والدوافع التى أدت إليها .

 

* * *

 

هل حقًّا أن المرأة المسلمة مظلومة فى الميراث ؟

     عيب الذين يثيرون مثل هذه المقولات الظالمة أنهم لا يدركون حقيقة وفلسفة التشريع الإسلامى فى هذه المسألة وفى غيرها من المقولات التى ظلموا بها الإسلام فى أمور المرأة .

     فصحيح وجود النص القرآنى الذى قرر هذا التميز بين الذكر والأنثى فى الآية الكريمة : ) يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( (8) .

     لكن هذا التميز أولا ليس على إطلاقه وفى كل حالات الميراث ، ولكنه يتغير كثيرًا بحيث تكون الأنثى فى بعض الحالات هى المتميزة ، بل إنها تحجب الرجل عن الميراث فى بعض الحالات .

     وثانيا : أن معيار التمايز المشار إليه ليس عائدًا إلى صفتى الذكورة والأنوثة .

     وإنما هو عائد إلى درجة القرابة من المتوفى .

     وعائد أيضًا إلى موقع الجيل الوارث بين تتابع الأجيال ..

     فالأجيال الصاعدة إلى المستقبل ستحمل أعباء كثيرة لا تحمل مثلها الأجيال الماضية ( المنحدرة إلى الزوال ) حيث تكون أعباؤها أقل .

     ومثال ذلك بنت المتوفى وأمه لا تستويان . فالبنت قد ترث نصف تركة المتوفى إذا كانت الوحيدة فى ذريته كما تقول الآية الكريمة : ) وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ( (9) .

* * *

     ثم أن على " الذكر " تبعة ومسئولية الإنفاق على الأنثى فى كل أحوالها أمًا أو بنتًا          أو أختًا أو زوجة وهكذا إذا لم يكن لأى واحدة منهن رجل ( ذكر ) آخر يتحمل الإنفاق كأن تتزوج الأخت أو البنت فتنتقل مسئولية الإنفاق عليها إلى آخر .. وهو أيضًا            رجل . فبالأمس كان الرجل هو الأب ، فإذا تزوجت كان الرجل هو الزوج ..             

 

  

 وعليه ، فإن الميراث الأكثر للرجل منوط ومرتبط بمسئوليته فى الإنفاق عليها وليس تمييزًا للذكر على الأنثى .

 

     على أن من الضرورى معرفة أن بين علوم الفقه الإسلامى علمًا خاصًا بأحكام الميراث يسمى " علم الفرائض " .

     وباستقراء أحوال ميراث المرأة تبين إحصائيًا :

        أن هناك أربع حالات لا غير هى التى ترث فيها المرأة نصف ميراث الرجل .

     وهناك أكثر من عشر حالات ترث فيها المرأة أكثر مما يرث الرجل .

     وهناك أكثر من ثلاثين حالة ترث فيها المرأة مثل الرجل أو ترث هى ولا يرث الرجل (10).

* * *

     وهنا نقول لظالمى الإسلام فى مسألة ميراث المرأة : قليلاً من الإنصاف ، وقليلاً من دراسة وفهم تشريعات الإسلام قبل أن تظلموه وتتهموه لأن اتهاماتكم للإسلام ساقطة ومتهافتة .

* * *

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شبهة أن شهادتها نصف شهادة الرجل :

     والمقولة الظالمة التى يظن أعداء الإسلام والحاقدون عليه هى قولهم : إن الإسلام يجعل شهادة الأنثى نصف شهادة الرجل ، وأن الإسلام بذلك جعل المرأة نصف إنسان .

     ويستشهدون على مقولتهم بما جاء فى آية الدَّين فى سورة البقرة : ) واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ( (11) .

* * *

     ولأن مشكلة أعداء الإسلام والحاقدين عليه هى أنهم لا يعرفونه ولا يحسنون فهمه ، بل لا يستطيعون الإدراك الدقيق لأسرار اللغة القرآنية المعجزة بوصف خاص ..

     لذا نراهم يتلمسون أى تعبير يظنون من خلاله أنهم قد وقفوا على عيب ينتقصون         به الإسلام ، ويتهمونه على نحو ما نراه هنا فى تعاملهم مع هذه الآية الكريمة التى جاء فيها قوله تعالى : ) فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ( ، وجاء فيها أيضًا قوله            تعالى : ) وأشهدوا إذا تبايعتم ( .

* * *

     فالحاقدون على الإسلام لم يدركوا دقة ما بين اللفظين " الشهادة " و" الإشهاد " من فروق تكون معرفتها كاشفة لحقيقة وضع المرأة فى كل منهما .

* * *

     فالشهادة هى التى تحقق طمأنينة وجدان وضمير القاضى إلى صحة المشهود عليه      أو عدم صحته . 

     أما " الإشهاد " فهو أمر متعلق بصاحب الدَّين يريد أن يستوثق من دَّينه لدى المدين .

     والأمران مختلفان .

     وقد فطن إلى الفرق الدقيق بين الإشهاد وبين الشهادة وأن هذه الآية ـ آية سورة البقرة التى معنا ـ والتى يستشهد بها الحاقدون على الإسلام فى أنها دليل على انتقاص الإسلام لمكانة المرأة حيث يجعل شهادتها نصف شهادة الرجل ..

فطن سلفنا الصالح من العلماء إلى ذلك ، وإلى أن هذه الآية تتحدث عن " الإشهاد " على دَّين خاص وليس عن الشهادة .

     وأنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الملابسات والمواصفات الخاصة ، وليست موجهة إلى القاضى للحكم بموجبها فى المنازعات .

* * *

       ومن أعلام علماء الإسلام الذين فطنوا إلى هذا الفارق الدقيق بين الشهادة وبين الإشهاد الإمام " ابن تيمية " ( 661ـ728هـ ) . ثم تلميذه العلامة ابن القيّم . حيث قال ابن تيمية ويؤكد عليه ابن القيّم قال : عن " البينة " التى يحكم القاضى بناء عليها ، والتى وضع قاعدتها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ البيّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر ] .

     يقول ابن القيم (12) إن البينة فى الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره ، وهى تارة تكون أربعة شهود ، وتارة ثلاثة بالنص فى بينة المفلس ، وتارة شاهدين أو شاهد واحد وامرأة واحدة .

     وتكون بالنكول ( الامتناع عن اليمين ) ، فقوله صلى الله عليه وسلم : " البيّنة على من ادَّعى " ، أى عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه . فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكم له .

* * *

وخلاصة القول :

     أن طرق الإشهاد فى آية البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد ، هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة ، وليست التشريع الموجه إلى القاضى .

* * *

     بل لقد ذكر ابن تيمية فى حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية البقرة أن نسيان المرأة ومن ثم حاجتها إلى أخرى ليس طبيعة ولا جبلة فى كل النساء وليس حتمًا فى كل أنواع الشهادات .

     وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران ، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير .

* * *

     وبناء على ذلك فليست شهادة المرأة نصف شهادة الرجل دائمًا . وفى هذا يقول ابن تيمية فى حكمة كون شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد :

     " ولا ريب أن هذه الحكمة فى التعدد هى فى التحمل . فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فتقبل شهادتها وحدها " .

    ويقول الإمام محمد عبده تعقيبًا على آية البقرة :

      " تكلم المفسرون وجعلوا سببه المزاج وقالوا إن مزاج ، المرأة يعتريه النسيان وهذا غير متحقق " .

     والسبب الصحيح أنه ليس من شأن المرأة ( أى فى زمانه ) الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها ، فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها فإنها أقوى ذاكرة من الرجل .

* * *

     والشيخ شلتوت شيخ الأزهر الأسبق يلفت النظر إلى ما قرره القرآن من تساوى شهادتى المرأة والرجل فى " اللعان " (13) . وهو فى هذا يؤكد ما سبق للعلماء تقريره ، وهو أن شهادة المرأة ليست موجهة إلى القاضى ولكنها ترشيد ونصيحة .

* * *

مقولة : أن النساء ناقصات عقل ودين :

     أعداء الإسلام والحاقدون عليه يحاولون دائمًا أن يتلمسوا أى كلمة سواء كانت فى القرآن الكريم أو فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ليجعلوا منها رواية وحكاية ينالون بها من مكانة المرأة ويتهمون الإسلام بظلمه لها !

 

* * *

     وفى المقولة السابقة رأينا كيف كان تفسيرهم لآية البقرة والتى جاء فيها قوله تعالى : )  واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ( (14) .

* * *

 

أما فى هذه المقولة الظالمة فإنهم يتعلقون بحديث قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه أن النساء ناقصات عقل ودين .

* * *

هل النساء فى الإسلام ناقصات عقل ودين ؟

     فى ردنا على بعض الشبهات والمقولات الظالمة فيما سبق من هذه الرسالة أشرنا إلى ما حظيت به المرأة فى الإسلام العظيم من تكريم ومن مساواة بينها وبين الرجل فى الحقوق والواجبات باعتبار أصل التساوى فى الخلقة والتكوين البشرى الذى ارتقى به القرآن الكريم إلى حد قوله تعالى عن الرجال والنساء :) بعضكم من بعض ( المرأة بعض الرجل والرجل بعض المرأة .

* * *

     بل لقد ارتقى الإسلام بالمرأة فى اشتراكها مع الرجل فى أبرز أعمال التبليغ            والدعوة ، وهى منزلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما جاء فى قوله تعالى :

     ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( (15) .

     وفى ظل التحرير الإسلامى للمرأة وما حظيت به من احترام لشخصيتها وتنمية لقدراتها وإشراكها فى العمل اليومى جنبًا إلى جنب مع الرجل حتى فى بعض ميادين القتال أحيانًا ، كما فعلته أم عمارة " نسيبة بنت كعب الأنصارية " فى غزوة أحد وما قامت به " أسماء بنت أبى بكر " فى ليلة الهجرة من نقل الغذاء والأخبار للنبى صلى الله عليه وسلم ولأبيها أبى بكر فى غار ثور عند الهجرة متحدية عيون قريش ورصد الرجال الذين كانوا يطاردون الرسول وصاحبه .

* * *

     فى هذا المناخ الإسلامى الذى أعلى طاقات المرأة وكوّن جيلاً جديدًا لصنف جديد من النساء تفوّق بإسهامه فى خدمة الدعوة على بعض الرجال ..

 

فى هذا المناخ عظيم الإيجابية وعظيم النتائج بالنسبة للمرأة يصبح من المستحيل التسليم بأن الإسلام قد أهان المرأة وأعلن على لسان صاحب الدعوة أنهن ناقصات عقل ودين :

 

    والأمر ليس تحمسًا عاطفيًا أعمى للدفاع عن الإسلام ، ولكنه الإنصاف العقلانى والموضوعى الذى يُحتكم فيه إلى المنطق والبرهان ، فنقول :

 

أولاً : إن ما سبق تقريره - وهو الحق - من إحياء الإسلام للمرأة وإنقاذها من الوأد       حية . وما منحها الإسلام من حقوق جعل وضعها والرجل على قدم المساواة ، وأعلن أن        " النساء شقائق الرجال " .. هذا ومثله ينفى نفيًا قاطعًا اتهام الإسلام للنساء بنقص العقل والدين .

 

ثانيًا : ما اعتمد عليه الظالمون للإسلام وللمرأة معًا هو حديث منسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قاله فى يوم عيد ـ تشكك الراوى ـ أى عيد كان .. عيد الفطر أم عيد الأضحى ؟! .. وهذا الشك من الراوى يجعل روايته محل نظر .

 

     ونص الحديث يقول مخاطبًا النساء اللائى خرجن للمشاركة فى فرحة العيد :

     [ يا معشر النساء ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن ] .  

 

قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟

     قال : أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟

     قلن : بلى .

     قال : فذلك من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم ؟

     قلن : بلى .

     قال : فذلك من نقصان دينها .

 

ثالثًا : هذا هو الحديث الذى اتخذه الظالمون للإسلام محورًا لاتهام الإسلام بأنه وضع المرأة فى المرتبة الأدنى من الرجل .

     وهو الحديث الذى اعتمده الغلاة والمتطرفون من المسلمين الذين دخلت عليهم تقاليد وعادات من عادات وتقاليد الدول التى فتحها المسلمون ، وليست من الإسلام فى شىء لكنهم حاولوا أن يجدوا لها سندًا أو غطاءً شرعيًا فاستخدموا تفسيرهم المغلوط لهذا الحديث فى الترويج لتقاليدهم .

 

     كما استخدمه بالقدر نفسه أولئكم المتغربون فى ديار الإسلام للترويج لنموذج التحرير الغربى للمرأة ، وكلا الفريقين ظالم للإسلام .

* * *

     ولأن اتهام الإسلام بإهدار مكانة المرأة ووضعها دون مكانة الرجل قد استخدم فيه هذا الحديث النبوى الشريف ، فقد تصدى نفر من مفكرى الأمة وعلمائها لنقض هذا التفسير المغلوط للحديث وأثبتوا :

 

أولاً : أن شك راوى الحديث يستوجب من علماء الحديث أن يدلوا برأيهم فى درجة هذا الحديث حسب مصطلحات علم الحديث ، وهذه ناحية لا تشغلنا الآن .

 

ثانيًا : أن ملابسات الحديث ـ على فرض التسليم التام بصحته ـ تنفى أن يكون المقصود هو إهانة المرأة .

        ذلك لأن اليوم الذى التقى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوم عيد ـ يعنى يوم ابتهاج وفرحة ـ ومن غير المعقول ولا المقبول أن يسيئ الرسول  e   إلى النساء فى مثل هذا اليوم . خاصة وهو صلى الله عليه وسلم الرءوف الرحيم ذو الخلق العظيم المنزه عن اللعن والطعن والفحش والبذاءة .

 

 

 

 

ثالثًا : إن الحديث ليس سوى وصف لحالة من حالات المرأة التى تمتلك أخطر أسلحتها وهو سلاح عاطفتها التى تستطيع بها أن تسلب لبّ الرجال الحازمين . وأقاصيص وحكايات تأثير المرأة على الرجل بعواطفها معروفة للجميع .

     وإذا كان الحديث وصفًا لحالة من حالات المرأة ـ فالحالات تتغير وتتبدل وهى بهذا لا تعتبر تشريعًا يستمر حكمه على المرأة بالدونية ونقص العقل والدين .

 

رابعًا : يمكن اعتبار حديث الرسول إلى النساء وكأنه مداعبة وتعجب من قدرة المرأة التى تبدو مستضعفة ، لكنها فى الحقيقة وبضعفها أقوى منه ليس من الرجل العادى ، بل من الرجل الحازم الذى عز على نظرائه من الرجال أن يسلبوه ويهزموه فتسلب لبه  المرأة .

     ومادام الحديث ليس تشريعًا يكون الاتهام الموجه إلى الإسلام به قد سقط وبرئت ساحة الإسلام .

 

* * *

 

اختصاص الرجل بالقوامة على المرأة :

     مشكلة الذين يثيرون مثل هذه الاتهامات ضد الإسلام ويعتبرونه الدين المنحاز إلى الرجال والذى يضع المرأة  فى المنزلة الدنيا فى المجتمع ..

     مشكلة هؤلاء القوم هى أولاً سوء فهمهم المريض لمفهوم الحرية ، وأن الحرية الحقيقية التزام وليست فوضى ؛ التزام بأن نحترم حرية وحقوق الآخرين فى مقابل أن يحترموا حقك وحريتك .

     لكن هؤلاء القوم يتصورون الحرية انفلاتًا من كل الضوابط ومن كل الأعراف والنظم التى تكفل للجميع السلام والأمن والطمأنينة .

     هم يتحدثون عن حرية المرأة بمفهوم " الانفلات " كسفينة فى بحر هائج ليس لها قائد وجميع من عليها يتنازعون أمر القيادة .. كلٌ يريد أن يكون هو ربان السفينة .. والنتيجة الحتمية هى غرق السفينة وهلاك من عليها .

     هكذا الحال تمامًا فى أسرة ليس لها قَيّم أو فيها قَيِّم وليست لها قيمٌ تضبط سلوكها عليها .

* * *

والثانية أن هؤلاء المتمردين على قوامة الرجل كما يقررها القرآن :

     ) الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ( (16) .

     هؤلاء المتمردون على قوامة الرجل لا يعرفون شيئًا عن طبيعة المجتمع الإسلامى الذى تقررت فيه هذه القوامة ، وأيضًا لا يعرفون شيئًا عن الضوابط والأصول التى حددها الإسلام لهذه القوامة بما يجعل الرجل القيِّم على الأسرة وكأنه حارس أمين لدى الأسرة ، وأيضًا هو المسئول وحده عن كافة النفقات التى تلزم الأسرة ـ دون أى مسئولية على الزوجة مهما تكن غنية .

     أقول : إن عيب هؤلاء المتمردين الغربيين على مبدأ القوامة ، أنهم يفكرون بمنطق مجتمعاتهم التى تنفلت فيها البيوت والأسر ، وينطلق كل فرد فيها حيث يشاء ولدًا كان

 

أم بنتًا ، ويرى هؤلاء أن هذا هو الطبيعى وهو الأحسن ‍‍!

     أما فى الإسلام فالأمر مختلف ..

    الأسرة فى الإسلام تكوّن وتجسّم مفهوم الأسرة فى التناغم الشعورى الوجدانى ، يحكم الجميع مبدأ " الشورى " الذى هو قسمة حضارية ملزمة أمر بها الله رسوله بقوله :          ) وشاورهم فى الأمر ( (17) . كما اعتبرها الإسلام صفة من صفات المجتمعات المسلمة والوحدات الصغيرة كذلك ، فقال واصفًا المسلمين :   ) وأمرهم شورى بينهم ( (18) .

* * *

     وما دامت " الشورى " هى صفة المجتمع على مستوى الأسرة أو مستوى الدولة ، فمعنى هذا أنه لا أحد ينفرد بالرأى أو القرار وحده ، وإنما يشترك الجميع بإبداء آرائهم ، ثم يكون القرار لقائد السفينة الذى يتحمل وحده مسئولية الاختيار بين القرارات .

     وهكذا يكون حال " القوامة " كما يراها القرآن وكما كان يتم العمل بها فى مجتمعات المسلمين من عصر النبوة وعصور الراشدين ومَن بعدهم من عصور الازدهار إلى أن انكسرت روح الأمة وبدأ زمن التراجع الحضارى فخرجت الأعراف والتقاليد البالية من جحورها لتحل محل الإسلام وآدابه وتحاول مع هذا أن تجد لعملها غطاء شرعيًا لترويج التفسيرات المغلوطة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

* * *

     فرأينا فى أزمنة التراجع الحضارى من يعيد عصر الحريم بالنسبة للمرأة ، ويحريف المعنى الجليل والنبيل لمفهوم " القوامة " فيتصوره استبدادًا وتحكمًا بالمرأة وبالأسرة ، وهو ما لا أصل له فى الإسلام .

* * *

     وبمراجعة النص القرآنى فى مسألة " القوامة " نرى الآية تقول : ) الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ( (19) . فهى تحدد 

سببين لاختيار " الرجل " لهذه القوامة :

الأول : ملاحظة الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة بما يكاد يحدد لكل منهما طبيعة     ما يناسبه من المهام والأعمال بناء على ما تتميز به المرأة من وفرة العاطفة التى لها مجالاتها التى لا يصلح لها الرجل وبناء على ما يتميز به الرجل من قوة جسدية وطبيعة عقلية ( غير انفعالية ) والتى لها هى الأخرى مجالاتها التى لا تصلح النساء لممارستها ، ووفق هذه التصانيف تتحدد المسئوليات والمهام .

* * *

والسبب الثانى : الذى رُشح من أجله الرجل للقوامة ، هو نهوضه بتحمل الأعباء المالية للأسرة ، والتى لا تتحمل المرأة فيها أدنى مسئولية ولو كانت غنية .

     فى مناخ إسلامى تتوفر فيه " الشورى " بين رب الأسرة وأهله " . وفى مناخ يتحمل فيه الرجل المسئولية كاملة يقينًا ستمضى سفينة الأسرة بسلام كى تبلغ بالجميع أهدافها المرجوة .

     لكن أصحاب " الغلوّ الدينى " يصرون على أن يعيدوا المرأة إلى عصر الحريم المملوكى والعثمانى بدعوى القوامة وفق تفسيراتهم المغلوطة . ونظراءهم من أصحاب الغلوّ العلمانى ، وأيضا دعاة التغريب للمرأة يعلنون التمرد على " القوامة " قوامة الرجل تحت شعار الفهم الأعرج والخاطئ .

     فكلا النموذجين مرفوض .

     وحسبنا فى هذه العجالة أننا برأنا ساحة الإسلام من الغلوّ الدينى والغلو اللادينى العلمانى .

     فسقطت الاتهامات وبرئ الإسلام منها .

___________

(1)       البقرة : 34 .

(2)النساء : 35 .

(3) النساء : 129 .

(4)تعدد نساء الأنبياء ص 32 .

(5)سورة ص : 23.

(6) الأحزاب : 40.

(7) القرآن والرسول ومقولات ظالمة ( من قسمين ) ، والثانى : سيد رسل الله وأباطيل خصومه ـ طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، والدارستان بقلم : أ . د . عبد الصبور مرزوق .

(8) النساء : 11.

(9) النساء : 11 .

(10) إذا أراد القارئ معرفة تفاصيل هذه الحالات فليرجع إلى علم الفرائض فى الفقه الإسلامى .

(11) البقرة : 282 .   

(12) ابن القيم: الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ص 34.

(13) اللعان هو اتهام الرجل زوجته فى عرضها .

(14)البقرة : 282 .

(15)التوبة : 71 .

(16) النساء : 34 .

(17) آل عمران : 159 .

(18) الشورى : 38 .

(19) النساء : 34 .

 

 

      

مقولة أن الإسلام يبيح الطلاق

     نعم : الإسلام يبيح الطلاق ؛ لكنه لا يأمر به إلا عندما تتعرض الزوجة للضرر من زوجها وتكاد العشرة بينهما تصبح مستحيلة .

     وقبل أن أمضى فى بيان حكمة الله سبحانه وتعالى فى هذا التشريع : تشريع الطلاق أسأل هؤلاء الثائرين على إباحة الطلاق فى الإسلام :

     أسألهم : ماذا ترون إذا بلغت العشرة بين الزوجين إلى حالة لا يطيق فيها أحدهما صاحبه ؟

     هل ننتظر حتى يتخلص أحدهما من الآخر بقتله ؟‍! أو ندعهما ليحل كل فرد منهما مشكلته بطريقته الخاصة ، فتبحث الزوجة لنفسها عن رجل آخر ينسيها كراهيتها لزوجها ويعوضها عنه ؟‍‍‍‍‍ !

     أم ننتظر حتى يبحث الزوج هو الآخر عن امرأة أخرى تعطيه ما افتقده فى زوجته؟!

     وهل هذا مما يجوز فى منطق العقلاء أن نفرض على الزوج والزوجة أن يبقيا بالإكراه فى هذا السجن الذى لا يستطيعان الخروج منه إلا بطريق غير مشروع ؟!

* * *

     مرة أخرى أيصح هذا فى منطق العقلاء ؟‍‍‍!

     إن الواقع يجيب ويحدد مجموعة الآثار الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية المدمرة للبيت وللأولاد وللأسرة جميعها .

     فكيف ترون المخرج يا من ترفضون الطلاق ؟!!

* * *

     لست أسمع لكم حسًّا ولا أجد لديكم مخرجًا عاقلاً وحكيمًا للخروج بسلام من حالة العشرة الزوجية إذا تحول بيت الزوجية إلى سجن يتربص كل طرف فيه بالآخر ويتمنى الخلاص منه .

     وهنا تكون عظمة الإسلام ، وتكون حكمة الله سبحانه حين شرع الطلاق حلاً آمنا ومشروعًا ومنصفًا للطرفين .

* فالإسلام مع أنه أباح الطلاق لكنه لم يأمرّ به .

* ثم اعتبره أبغض الحلال إلى الله .

* وأيضًا وضع له من الضوابط ما حمى به المرأة والأسرة جميعا من نزوات الرجال وغلبة الهوى عليهم .

* حدد الإسلام للطلاق مراحل لابد من المرور بها قبل الوصول إلى الطلاق وهى :

أ  ـ الطلاق الرجعى وله مرتان بنص الآية الكريمة : ) الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( (1) . وفيه يصح للزوج أن يرجع زوجته إلى عصمته بعد أن يراجع نفسه ويتدبر أمره خلال فترة العدة .  

     وما أكثر الحالات التى تم فيها اجتياز الأزمة التى أدت إلى الطلاق وأحس كل منهما ( الزوجة والزوج ) بأنه يلعب بالنار التى ستحرقه إذا لم يغير مسلكه ولم يغير أسلوبه فى التعامل ، فيعتريه الندم ويتهيأ نفسيًا لوضع جديد ومسلك جديد تكون معه الطمأنينة   والسعادة .

     وبمتابعة إحصاءات الأسر التى يكثر الطلاق فيها لاحظنا أنها الأسر التى لا تعرف أطرافها شيئًا من الثقافة الدينية حول موضوع الطلاق فيكون السقوط فيه ، ثم الندم الذى       لا جدوى معه .

* * *

     وهنا نرى حرص الإسلام على توفير الوعى الدينى للزوجين بحسن معاملة كلٍّ منهما للآخر فى إطار قوله تعالى : ) فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( . إما عشرة يحترم كل طرف فيها واجبات وحقوق صاحبه عليه فيتم التكامل الودود بينهما وتنمحى أسباب الطلاق وتستقر الأسرة ، أو انفصال بإحسان الذى هو الطلاق .

    ولذا نبه الإسلام الرجل إلى أن ربه يجزيه الجزاء الأوفى على حسن رعايته        لأسرته . 

     ونبه الإسلام كذلك المرأة من خلال الحديث النبوى الشريف أن حسن تبعلها ( حسن إدراكها لكل ما يرضى زوجها ) هذا التبعل الحسن يعدل الجهاد فى سبيل الله .

     كما يعلن الإسلام أن للرجل ( الزوج ) : ثوابًا فى كل ما ينفقه على أسرته حتى اللقمة التى يضعها فى فم امرأته له عليها مثوبة .

    وما ذلك إلا لحرص الإسلام على أن يعرف كل طرف أن ما ينهض به من واجبات أسرية له عليه من الله مثوبة وأجر فيؤدى واجباته برضى وارتياح ، لاسيما إذا كان أداؤه هذه الواجبات فيه بعض المشقة عليه فتكون المثوبة أكبر .

     ومن عجيب أمر هؤلاء الظالمين للإسلام من أتباع اليهودية والمسيحية أنهم أنكروا فيما أنكروه ـ على الإسلام أمورًا واردة فى كتبهم التى يتعبدون بها .

     ففى قضية تعدد الزوجات التى عرضناها من قبل ـ نجد كتبهم تجيز هذا التعدد .

     فى اليهودية لم يرد فى أسفار العهد القديم أى تحديد لعدد النساء اللائى يسمح بالجمع بينهن ؛ وتذكر تعدد الزوجات كأمر مفروغ منه .

     فى سفر التثنية (21: 15ـ17) : إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا بنيناً ( المحبوبة والمكروهة ) .

     فإن كان الابن البكر للمكروهة ، فيوم يقسم لبنيه ما كان له ( أى يوزع تركته بينهم ) لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكرًا على ابن المكروهة البكر .

     بل يعرف ابن المكروهة بكرًا ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده لأن له حق البكورية .

* * *

     ولأن من توجيهات التوراة أن يتكاثر اليهود حتى يتمكنوا من السيطرة على كل شىء حتى الطير فى السماء والحيتان فى الماء ، فقد أمرتهم التوراة أن يتزوجوا ويعددوا الزوجات حتى يحققوا التناسل والتكاثر الذى يجب أن يحققوه .

     وفى هذا يقول (116) الكتاب السابع فى النكاح المادة 393 " : النكاح بنية التناسل وتكثير النوع فرض على كل يهودى ومن تأخر عن أداء الفرض وعاش عزبًا بدون زواج كان سببًا فى غضب الله على بنى إسرائيل " .

* * *

     وفيما يلى بيان ما أقدمت عليه دول الغرب المعاصر بعد اقتناعها بأن الطلاق هو الحل الآمن والمشروع عندما تستحيل العشرة بين الزوجين ، وتكون منذرة بعواقب     وخيمة .

الطلاق فى فرنسا (2)

* كان محرمًا فى القانون القديم حتى إعلان ثورة 1789م

* كان كل ما يسمح به هو طلب الفرقة ( الهجر ) .

* أجيز الطلاق بقانون سبتمبر 1792م .

* وجاء فى أسباب إباحته أن الرغبة فيه تنبعث من الحرية الشخصية .

* ألغىهذا القانون لاعتباره تدبيرًا ناقصًا لا يبرر استمراره .

* فى عام 1804 وضع القانون المدنى الفرنسى فقبل فكرة الطلاق وجعل إيقاعه بطريق القضاء .

* فى عام 1814 بعد عودة الملكية إلى فرنسا جاء فى الدستور أن مذهب الدولة هو الكاثوليكية فحرم القانون الذى صدر فى عام 1816م الطلاق وأجاز الفراق .

* فى عام 1884م بدأت نزعة شعبية لإجازة الطلاق فجاء قانون 27 يوليو 1884 الذى أُكمل بقانون 1886م فأعاد الطلاق لفرنسا .

     وأسباب الطلاق فى القانون الفرنسى محصورة فيما يلى :

زنا أحد الزوجين ـ الحكم على أحدهما بعقوبة شائنة ـ سوء معاملة أحد الزوجين للآخر أو تعذيبه أو إهانته إهانة جسيمة .

* * *

الطلاق فى سويسرا (3)

     الطلاق فى سويسرا مباح لأسباب محددة هى :

حالة الزنا ـ اعتداء أحد الطرفين على الآخر أو تعذيبه أو إهانته إذا حكم على أحد الزوجين فى عقوبة شائنة .

     إذا سلك أحد الزوجين سلوكًا مخلاًّ بالشرف من شأنه جعل الحياة الزوجية غير   ممكنة .

* * *

 

     كذلك يباح الطلاق فى حالة هجر الزوج زوجته لمدة سنتين .

     وأيضًا فى حالة عدم تقديم سكن شرعى لها بلا سبب مشروع .

     وأيضًا إذا أصاب أحدهما مرض عقلى جعل الحياة الزوجية متعذرة بشرط استمرار ثلاثة أعوام مع ثبوت تعذر شفائه طبيّا .

* * *

الطلاق فى ألمانيا  (4)

     الطلاق مباح للأسباب الآتية :

* الحكم على أحد الزوجين بالزنا .

* اعتداء أحد الزوجين على حياة الآخر .

* هجر أحد الزوجين الآخر عن سوء قصد .

* إصابة أحد الزوجين بمرض عقلى .

* * *

 

إباحة الطلاق فى إنجلترا 

     بعد صدور قانون عام 1857م يمكن تلخيص أسباب إباحة الطلاق فيما يلى ، والجديد فيه بالنسبة لما أخذت به فرنسا وسويسرا وألمانيا هو قصر إباحة الطلاق فى إنجلترا على زنا الزوجة وليس زنا الزوجين : الرجل والمرأة .

     ونلاحظ أن الحالات التى اعتمدها القانون الإنجليزى لإباحة الطلاق تنفرد عما جرى فى فرنسا وسويسرا وألمانيا بما يأتى :

الزواج بأخرى

اغتصاب الزوج للإناث .

ارتكابه اللواطة ( أن يأتى الرجل الرجل كما كان يفعل قوم لوط )

* * *

 

     وأيا كانت الأسباب التى بنى عليها الغرب فى سويسرا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا إباحتهم للطلاق ، فالذى يعيننا هنا هو أن هؤلاء الغربيين الذى كانوا يعيبون الإسلام ويهاجمونه ويعتبرون تشريعاته منافية للحضارة قد أخذوا بها وبدأوا يطبقونها فى مجتمعاتهم سواء فى إباحة الطلاق أو إباحة تعدد الزوجات .

     وفى هذا اعتراف منهم بأن تشريعات الإسلام فيما يتصل بسلامة بناء الأسرة وضمان بناء المجتمع قامت أسس تكفل له السلامة هو ما قررته تشريعات الإسلام وليس ما كانت عليه القوانين الوضعية التى يشرعها الناس لأنفسهم .

* * *

     وهنا تجب الإشارة إلى أن البلاد التى احتكت واقتربت من العالم الإسلامى كإيطاليا وبعض دول البحر المتوسط ، كان للمرأة فيها احترام ومكانة مختلفة عن غيرها من الدول الأوروبية التى لم تتح لها الفرصة للتأثر بمكانة المرأة فى الإسلام .

     ففى إيطاليا التى تدين بالكاثوليكية تقدير كبير للمرأة حيث تحظى الأم بعظيم الاحترام بمثل ما عليه الأم فى البلاد العربية والإسلامية على الشاطئ المقابل لإيطاليا من البحر المتوسط حيث لا تتمتع الأمهات بنفس المكانة .

     وفى البلاد التى خضعت لسلطة الإسلام ـ فى الغرب ـ مثل أسبانيا تأثرت بالمفاهيم الإسلامية المتعلقة بالجنس وبمكانة المرأة .

     ذلك لأن تعاليم الإسلام بالنسبة للمرأة ـ والتى يبدو بعضها وكأنه تقييد لحريتها ـ إنما هى فى الحقيقة تعبير عن صيانة الإسلام للمرأة والارتفاع بها عن أن تتعرض لعالم  " الأسواق " كما تقول كارين آرمسترونج فى كتابها " إنجيل المرأة " .

* * *

     ومن شواهد تأثر مكانة المرأة الغربية بالاحترام الذى قرره الإسلام للمرأة المسلمة ، وذلك لما لوحظ من أن النساء الغربيات اللاتى عشن فى مملكة أورشليم أثناء الحروب الصليبية فى القرون الوسطى قد اكتسبن احترامًا كبيرًا من اتصالهن بالإسلام وتأثرهن به إلى حد أن كثيرات من نساء الصليبيين قد ارتدين الحجاب بعد أن رأين المكانة والاحترام اللذين يوفرهما ارتداء الحجاب للمرأة .

 

     وتضيف ( كارين آرمسترونج ) فى كتابها " إنجيل المرأة " فى مقارنة بين موقف المجتمع المسلم والصليبى تقول :

" عندما حجز المسلمون نساءهم فى عالم الحريم حسب التقاليد فى بيوتهم ـ فذلك بسبب تقديرهم لهن واعتبارهن خاصة لهم .بينما حجز المسيحيون نساءهم خارج حياتهم لأنهم كانوا ينكرونهن فصارت النساء المسيحيات منفيات إلى عالم منعزل يتسم بالوحشة " (5) .

* * *

     أما بعد . .

    فآمل أن يكون ما عرضنا من مقارنات بين موقفى اليهودية والمسيحية من المرأة وبين موقف الإسلام ـ أن تكون كافية فى إقناع أصحاب المقولات الظالمة للإسلام ـ فيما يتصل بمكانة المرأة لكى يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر فى هذه المقولات الظالمة للإسلام ورسوله .

* * *

     كما آمل أن تكون لديهم الشجاعة للاعتراف بالحق والتخلى عن هذه المقولات . هذا مع الإحاطة بأن الإسلام لن يخسر شيئًا مما يقوله الظالمون لأنه الأقوى والأعظم ، والخاسرون هم الظالمون .

 

* * *

وشهد شاهد من بينهم :

     أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا :

     يقيناً أنت تعرف الكاتب الفرنسى الأشهر الكاتب المسرحى " فولتير " فى المرحلة الأولى لكلامه عن الإسلام كتب مسرحية سب فيها رسول الإسلام محمداً صلى الله عليه وسلم سبًا قبيحًا وقاسيًا وأهداها إلى البابا " بنتركت " الرابع عشر وقال فى مقدمتها :

     " فلتستغفر قداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجابًا بالفضيلة إذ تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية ومن غير وكيل رب السلام .

     والحقيقة فأنا أستطيع أن أوجه نقدى بقسوة إلى هذا النبى الكاذب وأغلاطه فتأذن قداستك أن أضع عند قدميك " الكتاب ومؤلفه أجثو وأقبل قدميك القديستين " ( التوقيع : فولتير 1745 ) .

* * *

      وعندما اقترب " فولتير " من الفهم المنصف للإسلام ودرس تشريعاته وأدرك العطاء الحضارى لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم فى تكريم الإنسان ورعاية حقوقه وأنه دين العدل والسلام والخير .

     عندما أدرك " فولتير " ذلك أيقن أنه ظلم محمدًا وظلم الإسلام فى مسرحيته التى قدمها إلى البابا " بنتركت " الرابع عشر فتحرك ضميره ، ولكى يكفر عن ذنبه ألف كتابًا عنوانه : " يقين أسانيد الإسلام " .

     وصدّر هذا الكتاب بآية قرآنية هى قوله تعالى : ) فبأى حديث بعده يؤمنون ( (6) .

* * *

     وفى هذا الكتاب يقول " فولتير " لقرائه المسيحيين :

     " كيف تحقرون كتابا يدعو إلى الفضيلة والرحمة والزكاة ؟‍ كتابًا يجعل الرضوان الأعلى جزاء لمن يعملون الصالحات وتتوفر فيهم الكمالات الذاتية ؟‍ . إن الذين يهاجمون القرآن لم يقرأوه قطعًا " . 

 

     ويقول القاموس الفلسفى لفولتير ( طبعة 1ع822 جزء 6 ص 4 ) : مخاطبًا متعصبى الغرب ضد الإسلام :

     " أكرر لكم القول أيها الجهلة الأغبياء الذين غرّر بهم جهلة أغبياء وأفهموهم أن عقيدة محمد عقيدة لذّات وجنس وقوامها الشهوات المادية فى حين أنها أبعد ما تكون عن هذا الوصف .

     لقد خدعتم فى هذه الناحية كما خدعتم فى نواح أخرى عديدة .

     أيها الأساقفة والرهبان والقسس :

     إذا فُرض عليكم قانون يُحرِّم عليكم الطعام من الرابعة صباحًا حتى العاشرة مساء فى شهر يوليو ـ أى فى وقذة الصيف ـ عندما يحل الصيام فى هذا الشهر ؟

     وإذا حَرَّم عليكم لعب الميسر وإلا استهدفتم للعنة الله ..

     وإذا حرَّم عليكم شرب الخمور والأنبذة تحت التهديد بالجزاء نفسه ..

     وإذا فرض عليكم الحج فى صحراء محرقة ..

      وإذا فرض عليكم إعطاء 5ر2% من أموالكم للفقراء ..

     وإذا كنتم تتمتعون بزوجات تبلغ ثمان عشرة زوجة أحيانًا فجاء من يحذف أربع عشرة من هذا العدد ..

     فهل يمكنكم الادعاء مخلصين بأن هذه الشريعة شريعة لذّات وجنس ؟‍‍‍‍ ‍

     ثم قال فولتير :

     " لقد هدم محمد الضلال السائد فى العالم على عهده ، وقام بالكفاح المفروض على الإنسان لبلوغ الحقيقة .

     ولكن يبدو أنه يوجد دائمًا من يعملون على استبقاء الباطل وحماية الخطأ " (7) .

* * *

 

أما الشاهد الثانى :

     فهو الدكتور ميجل إيرناندث فى بحثه الذى ألقاه فى مؤتمر الحوار الإسلامى المسيحى الذى عقد فى قرطبة بأسبانيا عام 1977م تحت عنوان :

     " الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التى كونتها المسيحية عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم " .

     كان مما قاله :

     " لا يوجد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدى التاريخ مثل النبى محمد " .

     " وإن الأفكار حول الإسلام والمسلمين ونبيهم محمد استمرت تسودها الخرافة " .

* * *

     هكذا شهد هذان الشاهدان المنصفان لرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وللإسلام ذاته كشريعة لا يصح وصفها أبدًا بأنها شريعة لذّات وجنس ‍‍" .

     شهد هذان الشاهدان المنصفان وشهد غيرهما كثيرون ، وكلهم من أبناء المسيحية الذين اقتربوا من الإسلام وحاولوا التعرف المباشر عليه .

     فلما استيقنوا من حكمة تشريعاته وصلاحيتها لإسعاد الإنسان وتكريمه رجلاً كان            أو امرأة مسلمًا كان أو غير مسلم ( شهدوا شهادة حق وإنصاف ) .

* * *

     أقول :

     لمَّا تعرف هؤلاء الغربيون على الإسلام انتصروا له وأنصفوه ، فمنهم من دخل فى الإسلام وأعلن ولاءه له . ومنهم من اكتفى بإنصافه وبقى على معتقده الذى هو عليه .

     وكثيرون ممن اعتنقوا الإسلام بعد دراساتهم له واقتناعهم بحكمة تشريعاته وعدالة رؤيتها وتوازنها الكامل مع حقوق الإنسان ..

     كثيرون من هؤلاء جعلوا من أنفسهم دعاة للإسلام من خلال عرض تجربتهم معه .

 

* * *

     وأذكر عندما كنت أعمل بالأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة      فى السبعينات أنى جمعت ما كتبه هؤلاء المنصفون ونشرته فى دراسة عنوانها : لماذا أسلمنا ؟ :

     أقول هذا لأعيد التأكيد والتذكير أيضًا بأن هؤلاء الظالمين للإسلام والحاقدين عليه إنما يظلمون أنفسهم أكثر مما يظلمون الإسلام .

     ذلك لأن غاية الرسالات السماوية جميعها وفى ختامها الإسلام ، إنما هى لإسعاد الإنسان ـ كل إنسان ـ بهدايته إلى الطريق المستقيم وتعريفه بما يضمن له التعايش السلمى الآمن والمعبر عن كل ما هو خير وعدل بعيدًا عن ويلات الصراعات   والحروب.

     وهذا الأمل العريض فى السعادة والسلم والسلام لا يمكن تحقيقه إلا إذا جرى التمكين فى أرض الله بكل رسالات السماء .

 

* * *

     وهنا أدعو أخى فى الإنسانية مواطن أمريكا وأوروبا وأتباع رسالات السماء فى كل مكان من العالم ..

     أدعو الجميع إلى التعاون البناء بين أتباع جميع الأديان لخدمة الإنسان وتوفير الخير والطمأنينة له .

* * *

    

     ولأن رسالات السماء تتبنى جميعها مبادئ الحق والعدل وتكريم الإنسان وحمايته من شرور نفسه وهدايته إلى كل ما هو حق وخير ..

 

     فإن هذا يوجب أن يكون بين أتباع الأديان السماوية جميعها تعاون ضرورى وبنّاء لنشر السلام والمحبة فى الأرض .

 

* * *

     ولأنكم مواطنى دول أمريكا وأوروبا تُعتبرون الأعظم قوة والأكثر تأثيرًا فى العالم اليوم بما تملكون من التقدم التقنى الهائل فى علوم المعرفة ، وبما تملكون كذلك من وفرة اقتصادية هائلة كذلك ..

     ثم بما تملك دولكم من مخزون هائل ومخيف فى التفوق العسكرى ولاسيما الجانب النووى وأسلحة الدمار الشامل منه ..

     لأنكم بهذا كله وغيره من أسباب التفوق تصبحون الأكثر مسئولية ـ فى العالم كله ـ عن حماية العالم من كل عوامل الفساد والإفساد .

     وتصبحون الأكثر مسئولية أمام الله وأمام التاريخ وأمام الشعوب التى استبد بها الطغاة فأهدروا حقوقها ، وساقوها كالحيوانات إلى مهاوى الهلاك والدمار إرضاء لغرورهم وأطماعهم الشخصية .

     كما استبد بها القوارين ( من أباطرة الثروة ) فاحتكروا كل ثروات الأرض وحرموا المستضعفين منها .

     ليس هذا فحسب بل إنهم تاجروا فى فقر الفقراء من الأنظمة والشعوب وأنشأوا لهذه التجارة منظمات دولية ( صندوق النقد والبنك الدولى ) تسلب ما فى جيوب الفقراء من مال وما فى أرضهم من كنوز ، بل وما فى عروقهم من دماء كان نتاجها أن ازداد الأغنياء غنى إلى حد التضخم وازداد الفقراء فقرًا إلى حدد الموت جوعًا .

     وسمعنا وقرأنا عن دول ـ غربية أيضًا ـ تلقى فائض الزبد فى المحيط حتى       لا تنخفض أسعاره ، وتحرق فائض القمح حتى لا ينخفض أسعاره ، وأخرى ترصف الطرقات بفائض القطن حتى لا ينخفض سعره .

     فهل هذا عدل ؟!

     وهل هذا من صفات الإنسانية فى الإنسان ؟!

_____________

(1) البقرة : 229 .

(2) تعدد نساء الأنبياء ومكانة المرأة فى اليهودية والمسيحية والإسلامية أ . د / أحمد عبد الوهاب الناشر وهبه ص 152-153 وينظر الطلاق فى الإسلام لمولانا محمد على ص 19-20 .

(3) المصدر السابق 153-154 . المرجع السابق لأحمد عبد الوهاب 154 .

(4) وينظر كتاب : الطلاق فى الإسلام لمولانا محمد على ص 21- 22، 22-23 .

(5)إنجيل المرأة : كارين آرمسترونج ص 42 43 .

(6)المرسلات : 50 .

(7)عن مجلة الدوحة ـ العدد 100 / إبريل 1984م .

 

وختامـًا ..

    

       إخوتى فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوربا

    

     بالعقل المستنير والقلب المفعم بحب الخير والسعادة والأمن لكل الناس .

 

     أرجو وآمل أن نكون جميعًا رسل تعاطف ومحبّة ودعاة حق وعدل وتعاون بين الغرب والشرق وبين المسلمين وغير المسلمين .

 

     حتى تتفتح الأزهار ويغنى الأطفال وهم يحتفلون بأعياد ميلادهم ..

 

                  أمدّ يدى إلى أيديكــم ..

                   فتعالوا إلى كلمة سواء ..

                     كلمة حق وعدل

                       وتعـاون .  

 

* * *

 

                                       أ . د . عبد الصبور مرزوق

 

 

 

g المحتويات s

 

  المـــــــوضـــــــــــوع

 

  تمهيـــــد            

* الحقوق السياسية للمرأة فى الإسلام

* حق المرأة فى اختيار زوجها      

* حقها أن تكون لها ذمة مالية مستقلة

* حماية عرضها وسمعتها من مقولات السوء

* المرأة والعمل العام فى الإسلام

* ولاية المرأة الحسبة على السوق

ـ مكانة المرأة بين اليهودية والمسيحية والإسلام ( دراسة مقارنة )

* مدخل إلى الموضوع

* فكرة الخطيئة الأولى

* المرأة أقذار 

* من هى أمى ؟! 

* المرأة فى مسيحيّة بولس

* المرأة دون الرجل

*وتساؤل أحمق : هل المرأة إنسان ؟!

* هل للنساء أرواح ؟!      

* عبادة " مريم " ( المرأة ) لم تغير الدعوة إلى كراهية حواء      

* هل الزواج عقوبة للنساء ؟!

* هكذا قالوا عنها فماذا يقول الإسلام ؟

* رد فعل الفكر الكنسى الظالم للمرأة وللمجتمع

* ولماذا لم تتشيطن المرأة فى العالم الإسلامى ؟

* وحتى نساء الأنبياء !!

* الإسلام ومذبحة المتشيطنات

ـ مكانة المرأة فى الإسلام

* المرأة هى أم الخليقة

* إكرام الأم ضعف إكرام الأب

* فى الإسلام : أهلية المرأة للمسئولية والمثوبة

* المرأة فى الإسلام إنسانة كاملة الإنسانية

* حق المرأة فى اختيار الزوج

* الفقه الإسلامى يصون الوضع الاجتماعى للمرأة

* الإسلام والجنس والمرأة

* التسامى بالجنس

 ـ شبهات ومقولات ظالمة والرد عليها

* شبهة أن القرآن يأمر بضرب المرأة

* الطلاق أبغض الحلال إلى الله

* شبهة تعدد الزوجات فى الإسلام

* تعدد الزوجات فى المسيحية

* هل حقًا أن المرأة المسلمة مظلومة فى الميراث ؟

* شبهة أن شهادتها نصف شهادة الرجل

* مقولة أن النساء ناقصات عقل ودين

* هل النساء فى الإسلام ناقصات عقل ودين ؟

* اختصاص الرجل بالقوامة على المرأة

* مقولة أن الإسلام يبيح الطلاق

ـ مقولة أن الإسلام يبيح الطلاق

* الطلاق فى فرنسا

* الطلاق فى سويسرا

* الطلاق فى ألمانيا

* إباحة الطلاق فى إنجلترا

* وشهد شاهد من بينهم

* وختامًا

Listing Information

This link is listed for Free.Learn More about featuring your site.
Link Actions:
Addition Date:Added on Jul,31,05 :: Last modified Jul,31,05
Title:الإسلام وحقوق المرأة  
Author's name:More Articles by عبد الصبور مرزوق
Link's Owner:admin :: Visit Profile
Contact Owner:This owner does not wish to be contacted.
Description:No Description specified.
Keywords:No keywords specified.
Listed in Category:Home: Islamic Virtual Library: Islamic Books And Literature: Morals & Values eBooks: Human Rights In Islam eBooks: الإسلام وحقوق المرأة
Number Of Votes:0 Total Votes.
Current Rating:0 out of 10 stars :: Rate Now
Number Of Hits From Our site:28
Number Of Recommendations:No recommendations yet. :: Recommend Now
Number Of Reviews:No reviews yet. :: Write a Review
Guestbook:No Guestbook entries yet. :: Sign Guestbook
Top Sites Banner:The counter below counts the actual hits that this site and this page have gotten so far. For this counter to be accurate the link owner must insert the MuslimsCounter code on their page, if not then it only represent this page total hits.

Bookmark Us - Set as Home - Terms Of Use
Other Sites: Know The Prophet campaign - Discover Islam - Links SQL Plugins
Copyright 2003-2013 Islamic Education & Services Institute: Murfreesboro, TN